صائد العصافير – نور فوزي


سرجيبزون يحيا في كنف الأحلام الوردية، متشبثًا بطائرهِ المُفضَّل، ذاك الذي يُضمِّد جراحه ولو خيالًا. كان الملاذَ الذي يفرُّ إليه هربًا من كآبته وضياعه، غارقًا في بحر خياله،
حتى تعايش مع الطائرة وكأنها حقيقةٌ قائمةٌ،
لا ضربٌ من الوهم. كل صباحٍ، كان يفتح نافذته، يُطلُّ منها بعينٍ مترقِّبة، يحدوه الأمل
أن يلتقي بطائرهِ الحقيقي، غير أنّه ما يلبث
أن يصطدم بواقعٍ لا يشبهه، فيعود مُطأطئ الرأس، مُغلقًا النافذةَ، وكأنَّ يديه تسدل ستارًا ثقيلًا على مشهدٍ لم يرُقه. تعتمُ الغرفة،
يغدو الليلُ فيها كثيفًا، فيرتمي بعقله المنهك
إلى صديقه الوحيد: السرير، خيرُ جليسٍ وأوفى ملاذٍ. كان يُنادِيه بـ”صريري”، وكأنَّه يهبُه روحًا، فهو المُستقرُّ حين تضيقُ الأرض، والحافظُ لأسراره، والحضنُ الذي لا يخون. لكنَّه لم يكن بصيرًا بعالمهِ الحقيقي، ظلَّ مأخوذًا بسحر الأحلام، غارقًا في سيناريوهاتٍ لا متناهية، لا تجني إلا التيه،ولا تهبُ إلا سرابًا. ومع تراكم الإرهاق على روحه، أيقن أن الوقت قد حان ليضع نقطةً على السطر، ويهبط
إلى أرض الواقع. غير أنّه أدرك متأخرًا
أن ما كان يفرُّ منه ليس حلمًا، بل ذاته.
عوضًا عن ترك علامة استفهامٍ تحاصر حروفه، كسر الأغلال، وحرَّر حبر الكآبة الذي انسدل على ورقته.آن له أن يُواجه الأحلام الوردية،
لا أن يكون أسيرًا لها، وأن يُطاردها بالحقيقة
لا بالوهم.فتح نافذته على مصراعيها، ليغمرهُ ضياء الصباح، مفعمًا بحبٍّ وأمل، بعد أن لاحت تغريدةُ الحبِّ على شُرفة قلبه. لكن حين أفاق، كان الأوان قد فات، فقد أفل طائرهُ المُحبَّب
في قفصٍ آخر، وحلَّت اللعنةُ مجدّدًا
على صائد العصافير.





