مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

فاقدُ الشيءِ…لا يُعطيه- نور فوزي 

امرأة ترتدي حجابًا وعينها نظارات، تتكئ بيدها على ذقنها، وفي الخلفية كتب مرتبة على الأرفف.

لطالما تردّد على الألسن قولٌ جرى مجرى المثل: “فاقد الشيء لا يُعطيه”، وكأنّه حكمٌ نافذٌ

 لا يطاله النقض، أو كأنّ قائله قد أُوتي

 من الحكمة ما لم يُؤتَ أحدٌ سواه! فهل حقًا 

من حُرمَ أمرًا بات عاجزًا عن بذله؟ أم أنّ العكس هو الصحيح، وأنّ من اكتوى بنار الفقدان، أضحى أشدّ الناس حرصًا على منح غيره

 ما افتقده؟ لو سلّمنا بصحّة هذه المقولة 

على إطلاقها، لاستحال أن يمنح الأعرابي الكرمَ وهو ذو فاقة، ولما أهدى الشاعر قصيدةً وهو

 لا يملك الذهب، ولما علّم الحكيم وهو لم يظفر بشهادة! لكنّ الواقع يأبى إلا أن يُكذّب هذا الادّعاء، فكم من مُعدمٍ أغدق، وكم من يتيمٍ رحِم، وكم من ضائعٍ أهدى السبيل لمن أضلّه التيه! إنّ من تذوّق مرارة الحرمان، هو الأدرى بمدى فداحة فقد الشيء، فتراه يتفانى 

في أن يجود به، لا رياءً، ولا تكلفًا، بل لأنّ ذاته قد وعت الألم، فأبت إلا أن تكون بلسمًا لجراح غيرها.  

فاقدُ الشيءِ يُعطيه… بل يُغدِقه إغداقًا! فالحرمان قد يكون محركًا يدفع المرء إلى الإيثار، يدًا تُخرج من أعماقه كنزًا من العطاء

 لم يكن يدرك وجوده! إنّه يمنح، لا لأنه يملك، بل لأنه أدرك حاجته حين افتقد، فأبى 

أن يُقاسي غيره ما قاساه. ألَا ترى؟كيف ليتيمٍ ذاق طعم الوحشة أن يكون قاسيًا على بنيه؟

 بل إنك ستجده أحنَّ الآباء، يخشى أن يذوقوا الغربة التي نهشت طفولته! وكيف لامرأةٍ عانت من جفاء الأهل أن تضنَّ بحنانها على أبنائها؟ 

بل إنها تصبّ عليهم من العطف ما لو قُسّم

 على الخلائق لكفاهم. وكيف لمن كدحه الفقر

 في الصغر، وذاق لهيب الحاجة، أن لا يكون أول من يسارع إلى سدّ رمق الجائع؟ 

إذًا، من قال إن فاقد الشيء لا يُعطيه؟ 

أقالها من لم يذُق الحرمان يومًا، فعجز عن فهم أبعاده؟ أم قالها من وجد في اليأس مستراحًا، فآثر الركون إليه بدلًا من النهوض؟ إنّ استمراء هذه العبارة، وجعلها ميزانًا للحكم على الناس، جريمة في حقّ الإنسان الذي خُلق ليعطي

 لا ليحجم، ليواسي لا ليبخل، ليكون شعلةً تُنير، لا خفوتًا يعمّق الظلام. فلنُدقق في المعنى قبل إطلاق الأحكام! 

“فاقد الشيء لا يُعطيه” قد تكون صحيحةً 

من حيث الظاهر، إذ كيف يُعطي المعدمُ مالًا؟ وكيف يُفيض الجاهلُ علمًا؟ ولكنها، عند الغوص في المعنى، تتهاوى أمام شواهد الواقع،

 التي تنطق بأنّ فاقد الشيء كثيرًا ما يكون أشدّ الناس بذلًا له، لا امتلاكًا، بل إدراكًا لمعناه!  

تأمَّل: 

ذاك الذي حُرم العطف، لا ينقصه الاستعداد للعطاء، بل ربما كان الأكثر إيثارًا للآخرين،

 لأنه تجرّع من كأس الفقد، وعرف مَرارته!  

وذاك الذي لم يُتح له التعليم، تجده أشدّ الناس حرصًا على أن يُعلّم أبناءه، ولو كلّفه ذلك جهده وعُمره! إذن، أهي قاعدة مطلقة؟ 

كلا! فالحياة ليست معادلة جامدة، والبشر ليسوا مسوخًا مبرمجة، وما من قولٍ يُعمّم

 على النفوس جمعاء دون استثناء.قد يكون فاقد الشيء أقدر الناس على منحه!

 بل قد يعطيه بفيضٍ يعجز عنه من لم يذق طعم الحرمان! ولك أن تسأل الفقراء الذين تبرّعوا بآخر دِرهم في جيوبهم، وأولئك الذين ضنّت عليهم الحياة بالحب، فغمروا من حولهم 

به بلا حساب، والذين اكتووا بالقهر، فكانوا

 ألدّ أعدائه، يذودون عن المظلوم كأنهم

 هم أنفسهم من وقع عليهم الظلم!  

فاقد الشيء قد يمنحه… ولكن بثمن!

إنّه يعطيه محمّلًا بالألم، يسكبه من جراحه، يزرعه كمن يبذر حبات قلبه في أرض الآخرين.  

يعطيه لا بترفّع، ولا ادّعاء، بل بحنينٍ إلى ما لم يجد، ورغبة في أن يُعفي غيره من لوعة الفقدان. يقول علي عزت بيجوفيتش في كتابه 

“هروبي إلى الحرية” : “في الوقت الذي اهتزّت فيه مدينة نابولي الإيطالية ضحكًا لعروض الممثل الكوميدي كارلينا، جاء رجل إلى طبيب مشهور يشكو إليه اكتئابًا شديدًا. ظن الطبيب أن المرض عضوي، فأجرى له الفحوصات، فكانت النتائج سليمة. عندها قال الطبيب للمريض: أنتَ معافى جسديًا، جرّب أن تبحث عن المرح والتسلية، لماذا لا تذهب إلى عروض كارلينا؟ فنظر المريض إليه وقال له: أنا كارلينا، سيدي الطبيب!”

أفرأيتم؟ أليس كارلينا فاقدًا للفرح، 

ومع ذلك قد أضحك مدينته بأسرها؟  

أبعد هذا يُقال إن فاقد الشيء لا يُعطيه؟  

تحيةٌ لمن يُثبتون يوميًا بطلان هذه المقولة!

سلامٌ على الأب الذي حُرم التعليم، 

فوهبه لأبنائه. وسلامٌ على الأم التي اكتوت بنار الجفاء، فسكبت الدفء في قلوب صغارها.  

وسلامٌ على من قاسى الظلم، فجعل العدل رايته. وسلامٌ على من لم يملكه المال،

 ومع ذلك لم يُضنَّ على الفقراء بشيء! سلامٌ على أولئك البشر الذين يضيئون عتمة الحياة بقلوبهم، الذين يمنحون مما لم يُمنحوا، ويفيضون على غيرهم بما حُرموا منه هم.  

لا تُكرّسوا هذه المقولة، ولا تُلقّنوها أبناءكم.

فاقد الشيء قد يكون أكرم مُعطٍ، إن كان 

ذا روحٍ عظيمة.فاقد الشيء يُعطيه…

 ولكن بدمعه ووجعه هذا ما أؤمن به.

 إنني لا أؤمن بهذه العبارة أبدًا، لأنني على يقين بأن العلم، والتجربة، واتساع الإدراك، كلها تفتح أبواب العطاء، وتجعله أعمق أثرًا، وأصدق معنى. فالعطاء ليس حكرًا على من ملك،

 بل هو صنعة القلوب العظيمة،

التي تمنح رغم الفقد، وتُفيض رغم الحرمان.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading