ضريمُ الأفول✍نور فوزي

هل نحن ذئاب ضلت طريقها إلى المدنية،
أم أن المدنية ليست سوى غابة أعيد ترميمها بالإسمنت؟ ينبثق التساؤل كالغصة في حلق اليقين حين نعاين هذا التكالب البشري المأوود، حيث استلب الإنسان من الحيوان غريزته الفطرية في المصاولة ليحولها
إلى منهبة وجودية لا تعرف القنوع. لقد خلقت المنافسة في ملكوت العجماوات قواما لحفظ النوع ودفعا لخصاصة الجوع، فكان للذئب غاية ينكفئ عندها، وللصقر مدار يكتفي به، بيد أن الإنسان قد انسلخ من ماهيته الروحانية ليرتدي مسوك الضواري، متجردا
من ذاته التي جبلت على الأنس، ليصبح الصراع عنده هوسا بالاستعلاء لا بحثا
عن العيش، مصداقا لقوله تعالى:
(كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَىٰ).
وإن المرء ليقف دهشا أمام ظاهرة خيطها مسموم، حين يرى الذين وخظهم الشيب وبلغوا من العمر عتيا، يزاحمون الأجيال الغضة في منابتها، لا ليقيموا عوجهم بحكمة الشيوخ، بل ليختطفوا أمكنتهم بنهم الفتيان، وكأنهم في حرب ضروس ضد فكرة التلاشي.
إنها رغبة محمومة في تملك عالم غيرهم، واجتثاث حضور من خلفهم، في سلوك ينم عما يسميه علماء النفس نرجسية الخريف، حيث يرفض الأنا الكهل الاعتراف بنهاية دوره الوظيفي. هؤلاء الذين باتوا يذودون
عن مراكزهم بمخالب عتيقة، يظنون
أن بقاءهم لا يكتمل إلا بمحو الآخر، متجاهلين أن سنة التدافع قد حولوها إلى قطيعة بشعة، فإلى أي درك هوت الإنسانية حين صار الكهل يقتات على أحلام المراهق، وينازعه
على موطئ قدم في حاضر لم يعد له؟
وفي هذا يقول الطبيب النفسي إريك إريكسون إن الفشل في تحقيق الإنتاجية يؤدي بالمرء في خريفه إلى الركود ومحاولة تدمير نمو الآخرين.
يقول الحكيم المعري في فلسفة هذا الزحام: “تزاحم الناس فيما ليس يغنيهم.. وكان أكثرهم للرشد خوانا”. وإننا لنرى مصداق هذا في تلك الهرولة نحو السدم؛ حيث تمزقت الستور بين الوقار والابتذال. ولقد حذر النبي محمد صلى الله عليه وسلم من هذه النزعة التي تشتعل كلما دنا الأجل، فقال:
(يَشِيبُ ابْنُ آدَمَ وَتَشِبُّ مَعَهُ خَصْلَتَانِ: الْحِرْصُ وَطُولُ الْأَمَلِ). هذا الحرص هو الذي حول المنافسة الشريفة إلى معمعة نكراء، لا يرى فيها الشيخ إلا نفسه، ولا يرغب إلا في خلود موهوم على أنقاض غيره. ويرى الفيلسوف الألماني نيتشه أن هذا النمط من البشر يسكنه الضغن الوجودي، فهو لا يستطيع الابتكار، فيلجأ إلى عرقلة كل من يملك القوة
على الخلق والتجديد، كأنه يرفض قوله تعالى: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ).
كيف لهذا الإنسان الذي نزل من علياء الروح
أن ينحدر إلى مقام الضيغم في همجيته؟
وأي بؤس هو ذاك الذي يجعل بني البشر يتجاهلون أن الصراع بين الأجيال ليس صراع بناء بل صراع إلغاء؟ يقول توماس هوبز
إن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان، لكنه لم يخبرنا ماذا يحدث حين يقرر الذئب العجوز أن يأكل جراءه ليبقى هو وحده في الحلبة. إننا أمام مسخ بشري يحاول تقليد الغابة، لكنه نسي أن للغابة قوانين تنظم موتها وحياتها،
أما هو، فقد جعل من نفسه كائنا بلا قانون، ينهش في ماضيه وحاضره ومستقبل غيره. تبقى الحقيقة غارقة في ضباب الذات، وتظل التساؤلات نصالا تغرز في صدر التاريخ:
أما آن للذئب الذي يسكننا أن ينام، ليستيقظ الإنسان؟.
………………………….._______________
نبذة مختصرة عني:
●أ. نور فوزي | مهندسة حاسبات، كاتبة، وشاعرة،مدربة معتمدة TOT.
يستهويني بناء العوالم بالكلمات كما تبنيها الخوارزميات. مؤلفة كتاب «بومودورو بالطرق الحديثة»، أجد نفسي في المساحات الفلسفية والأدبية، حيث أمتزجُ بين صرامة العلم وعذوبة الشعر، لأقدم مادةً قرائية تحمل رؤيةً فنية ومحتوىً رصيناً يلامس تطلعات جمهوركم المثقف.
وانطلاقاً من إيماني بأن صحيفتكم هي المنبر الأمثل لاحتضان الأقلام التي تسعى لترك أثرٍ باقٍ، أضع بين أيديكم نماذج من كتاباتي للاطلاع، وكلي أمل أن يجد مدادي مكاناً
بين صفحاتكم الموقرة، لنساهم معاً في إثراء المشهد الثقافي.
شاكرة لكم وقتكم وجهودكم، وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والود.




