الأسطورة والتاريخ✍فراس السواح

لقد قلنا سابقًا بأن الأسطورة هي حكايةٌ مقدسة، يؤمن أهل الثقافة التي أنتجتها بصحة وصدق أحداثها. فهي، والحالة هذه، سجلٌّ لما حدث في الماضي وأدى إلى الأوضاع الحالية والشروط الراهنة. وهذا ما يعقد صلة قوية بين الميثولوجيا والتاريخ باعتبارهما ناتجين ثقافيين ينشآن عن ذات النوازع والتوجهات، رغم ما بينهما من اختلافاتٍ تجعلهما يبدوان وكأنهما نظامان لا يربط بينهما رابطٌ؛ فالأسطورة والتاريخ ينشآن عن التوق إلى معرفة أصل الحاضر، ولكنهما يفترقان في القيمة التي نسبغها على ذلك الأصل، فهو أصلٌ قدسي عند الأسطورة وأصل دنيوي مفرغ من الأسطورة عند التاريخ. وبتعبيرٍ آخر، فإن الأسطورة تنظر إلى التاريخ باعتباره تجليًا للمشيئة الإلهية. أما التاريخ فيُنظر إلى موضوعه باعتباره تجليًا للإرادة الإنسانية في جدليتها مع قوانين فاعلة في حياة الإنسان الاجتماعية. وهذا يعني أننا أمام نوعين من التاريخ: تاريخ مقدس وتاريخ دنيوي.
يقتصر التاريخ المقدس على سرد كيفية تجلي «الإلهي» في الزمان والمكان الدنيويين، والكشف عن فعاليات الكائنات الماورائية في الأزمان الميثولوجية الأولى، وما نشأ عنها في عالم الإنسان. إن كل فعل من أفعال الإنسان، بالنسبة للفكر الأسطوري، أو أية ظاهرة من ظواهر الطبيعة، لا تتمتع بقيمةٍ ذاتية، بل إن قيمتها وحقيقتها تنبع من حقيقةٍ تقع خارج الملموس والمحسوس، من بوادرَ أولى متجذرة في زمن الأصول؛ فالجنس البشري محكومٌ عليه بالكد والمشقة لأن الآلهة قد خلقته ليحمل عبء الكدح عنها (على ما نعرفه من نصوصٍ رافدية عديدة). والمؤسسات الاجتماعية مثل الملوكية الوراثية والكهنوت وما إليها، قائمةٌ وتتمتع بقوةٍ ونفوذ لأنها نزلت من السماء (على ما نعرفه من أسطورة أدابا وأسطورة إيتانا والنسر). والمرض قد حلَّ في جسم الإنسان بسبب خطيئة الإله إنكي (على ما نعرفه من أسطورة إنكي وننخرساج). وصار الموت مصيرًا لكل إنسان حي بسبب خطيئةٍ ارتكبها الإنسان الأول (على ما نعرفه من أسطورة آدابا البابلية وأسطورة خلق الإنسان التوراتية). والشر موجودٌ في نسيج العالم بسبب تمرد ملاك في السماء وتحوله إلى شيطانٍ يحكم مملكة الظلام (على ما نعرفه من المعتقدات المسيحية والإسلامية)، إلى آخر ما هنالك من أفعالٍ وأحداث قادت إلى تكوين الصورة الحالية لعالم الإنسان.
هذا التوق إلى معرفة أصول وجذور الشرط الراهن، هو الذي يكمن وراء هوس المجتمعات الحديثة بالتاريخ. فتاريخ الكون الذي صار موضوعًا لعلمٍ خاص، يرجع بنا القهقرَى إلى نقطة البدء الأولى، إلى لحظة الانفجار الأعظم الذي تولدت عنه المجرات وما زالت تفر في كل اتجاه بسرعاتٍ خيالية. وتاريخ كوكب الأرض يرجع إلى أربعة مليارات ونصف المليار من الأعوام، عندما دخل كوكبنا في مداره حول الشمس. وتاريخ الحياة يرجع إلى ثلاثة مليارات ونصف المليار من الأعوام، عندما ظهرت الخلية الأولى في مياه المحيط المالح. وتاريخ الإنسان ككائنٍ طبيعاني يرجع إلى أربعة ملايين من الأعوام عندما كانت إحدى فصائله الرئيسية تستقل لتسير في خطٍّ تطوري بلغ ذروته في هيئة الإنسان العاقل. وتاريخ الإنسان ككائنٍ ثقافي يرجع إلى ابتكار الأدوات واستخدامها من أجل التكيف مع البيئة، ثم يسير بعد ذلك عبر عددٍ من العصور الموسومة بنوعية تقنياتها، وصولًا إلى عصر المعلوماتية الذي نعيشه الآن. وباختصار، فإن الماضي يُبعث بكامله وبكليته من خلال أعظم عملية لاستنهاض التاريخ عرفتها البشرية، كل ذلك لأن الإنسان يحاول الآن، وأكثر من أي وقتٍ مضى، فهْم نفسه ووعي شرطه واستشراف مستقبله.
إن كلًّا من الأسطورة والتاريخ هو وسيلةٌ يفهم الإنسان من خلالها نفسه ويعي شرطه. وإن توقنا الآن لقراءة وفهم التاريخ ينشأ عن الموقف القديم ذاته الذي كان يدفع أسلافنا لتلاوة الأساطير والاستماع إليها. ولكن ما يميز هذَين النظامَين بشكلٍ أساسي بعضهما عن بعض، هو أن الفكر الحديث قد أحل أفعال الإنسان وقوانين التطور، كمحركٍ للتاريخ، محل مشيئة وأفعال الآلهة. وبما أن موضوعنا الأساسي في هذا البحث هو الأسطورة باعتبارها تاريخًا مقدسًا، فإننا سنلتفت فيما يأتي إلى اكتناه «منهجية» هذا التاريخ والمواقف الفكرية والعاطفية التي يقوم عليها.
يمكننا تمييز ثلاث مراحل في التاريخ الذي تكشف عنه الأسطورة: (١) السرمدية السابقة على فعالية الألوهة. (٢) الزمن الكوزموغوني؛ أي زمن الخَلق والتكوين. (٣) زمن الأصول والتنظيم.
لا تعلن الألوهة عن نفسها إلا عند دخولها في الزمن وفي تاريخ الكون والإنسان، وذلك مع قيامها بفعل الخَلق الأوَّلي الذي مد المكان وأطلق الزمان، وقاد إلى ظهور الكون من رحم العماء. إن فعل التكوين الذي منح العالم وجوده هو الذي يقفز بالألوهة، في الوقت نفسه، من حالة الكمون في السرمدية الساكنة إلى حالة الوجود أيضًا. والألوهة بإظهارها لما عداها قد أظهرت نفسها في مقابله؛ ذلك أن الإله الأزلي القابع فيما وراء الزمن الجاري هو إله نظري افتراضي، ومثل هذا الإله لا يباشر وجوده الفعلي إلا عندما يبتدر الزمن ويعلن عن فعالياته الواضحة فيه، فيقوم أو يشارك في خلق الكون أو في النشاطات الخاصة بتنظيمه؛ فالميثولوجيا كما يقول الفيلسوف المعاصر إرنست كاسيرر، تقوم على مفهومٍ زماني لا مكاني.١ والأسطورة الحقة، تبعًا لذلك، لا تتشكل عندما يكوِّن الإنسان في ذهنه صورًا للآلهة، بل عندما يعزو لهذه الآلهة بداية محددة في الزمن. وعندما تباشر فعالياتها وتنبئ عن وجودها في سياقٍ زمني؛ أي عندما يتحول الوعي الإنساني من فكرة الألوهة إلى تاريخها.
تقع الأحداث التي تقصها أساطير التكوين عند الحد الفاصل بين السرمدية والتاريخ؛ أي في الزمن الكوزموغوني، زمن الخلق الذي يُظهر ما دون الخالق إلى الوجود. ومع الانتهاء من فعل الخلق نغادر هذا الزمن الكوزموغوني، ويدخل الإنسان وآلهته معًا في الزمن الخطي، الذي يسير من الماضي إلى المستقبل عبر الحاضر؛ أي في الزمن التاريخي. وهنا يعقب فعل الخلق البدئي مجموعةً أخرى من الفعاليات المبدعة للألوهة، تنشط في الأزمان الميثولوجية الأولى الواقعة عند جذور الزمن التاريخي؛ أي أزمان الأصول والتنظيم. وهذه الفعاليات تسجلها لنا الزمرة التي نطلق عليها عادة اسم أساطير الأصول، والتي تعمل على تأسيس وتأصيل كل ما هو قائم، سواء على المستوى الطبيعاني أم على المستوى الثقافي.
قدمت لنا معتقدات وأساطير الشرق القديم أمثلة واضحة عن هذه المراحل الثلاث للتاريخ المقدس. ومرةً أخرى نعود إلى الإينوما إيليش، فنبدأ بها؛ لأن مطلعها يعطينا وصفًا بالغ الحيوية والتأثير للمرحلة الأولى من التاريخ المقدس ومرحلة كمون الألوهة:
عندما في الأعالي لم يكن هناك سماء،
وفي الأسفل لم يكن هناك أرض،
لم يكن (من الآلهة) سوى أبسو، أبيهم،
وممو، وتعامة التي حملت بهم جميعًا،
يمزجون أمواههم معًا.
لقد أفلح هذا المقطع في نقل انطباع ميثولوجي شديد التأثير على السامع أو القارئ، ووضعه سيكولوجيًّا في لب «مفهوم» السرمدية الساكنة المنكفئة على نفسها المكتفية بذاتها. وهو باختياره للماء جوهرًا لهذه «الكيانات» الأزلية الثلاث، قد أكد على الحالة السابقة لكل شكل؛ لأن الماء هو أكثر العناصر من حولنا تمثيلًا لما لا شكل له ولا قوام ولا أبعاد. إنه «اللاشكل» و«اللانظام» بكل امتياز. كما أن اختتام الإيقاعات الأربعة الأولى لهذا المقطع الاستهلالي، بالإيقاع الخامس: «يمزجون أمواههم معًا»، يؤكد على أن هذه الكيانات المؤلفة من الأب الأزلي والأم الأزلية والابن الأزلي، هي كيانات غير مستقلة بل متمازجة متداخلة، دون حدود تفصل بينها؛ أي بالمفاهيم اللاهوتية المعقدة: ثلاثة في واحد؛ لأنه لا معنى لقيام ثلاثة كيانات مائية مستقلة، بينما هي في الآن ذاته في حالة تمازج واختلاط أزليين.
ينتقل النص بعد ذلك إلى المرحلة الثانية من التاريخ المقدس، مرحلة الزمن الكوزوموغوني الذي يصدر فيه الكون عن الفوضى والزمن عن السرمدية، ويصف عتبة ذلك الزمن. فقد أخذت هذه الكتلة الهيولى الأولى بالتمايز تدريجيًّا عن طريق التناسل، وصدر عنها الجيل الثاني من الآلهة. ومن ظهور هذا الجيل تبدأ إرهاصات الزمن ونقترب من البرزخ الكوزموغوني. ويعبر النص عن إرهاصات الزمن بالضجيج الذي صدر عن الآلهة الشابة الجديدة، في مقابل ذلك الصمت المطلق الذي كان سمة للأزلية الساكنة. ففي أعماق الماء المتمازج في صمتٍ وسكون، أخذ هؤلاء بالصخب والحركة جيئةً وذهابًا، فهزوا جوف تعامة وسبَّبوا لها الأذى كما سببوا الأرق لأبسو وممو. لقد حدث شرخٌ في الحالة السكونية لا سبيل لرأبه:
وتجمع الصحب المؤلَّهون،
أزعجوا بحركتهم تعامة،
يروحون ويجيئون في مسكنهم المقدس.
فتوجه أبسو بالقول إلى تعامة:
لقد غدا سلوكهم مؤلمًا لي،
في النهار لا أستطيع راحةً ولا في الليل رقادًا،
لأدمرنَّهم وأضع حدًّا لفعالهم،
فيخيم الصمت، وتخلد بعدها إلى النوم.
ولكن هيهات؛ فالحركة قد انطلقت وما من وسيلةٍ لإيقافها، واصطدم الصمت والسكون بالضجيج والحركة، ونشأت معركتان قادتا إلى ابتدار التاريخ. قاد المعركة الأولى الإله إيا (إنكي) ضد أبسو وممو، فقتل الأول وأسر الثاني. وقاد المعركة الثانية الفاصلة الإله مردوخ؛ بكر الإله إيا، فقتل تعامة وشطرها إلى نصفين رفع واحدهما سماءً وأرسى الثانية أرضًا. فنشأ الشكل عن اللاشكل، والنظام عن الفوضى المائية، وانطلق الزمن، والنص واضح هنا كل الوضوح في إظهار ترافق التكوين مع ظهور الزمن. ففي نهاية اللوح الرابع من الإينوما إيليش ينتهي مردوخ من رفع السماء وبسط الأرض، وفي بداية اللوح الخامس ينتظم الزمن:
خلق محطات لكبار الآلهة:
أوجد لكلٍّ مثيله من النجوم: علامات خط السمت،
وحدد السنة وقسَّم أجزاءها،
ولكلٍّ من الاثني عشر شهرًا أوجد ثلاثة أبراج.
وبعد أن حدد بالأبراج أيام السنة،
خلق كوكب المشتري ليرقب واجبات الأيام،
فلا يقصِّر أحدهما أو يتماهل.
… إلخ.
ثم أخرج القمر فسطع بنوره، وأوكله بالليل،
وجعله حليةً له وزينة، وليعين الأيام:
أن أطلع كل شهر دون انقطاع مزينًا بتاج،
… إلخ.٢
وبعد أن يطمئن مردوخ إلى انتظام سير الزمن، يلتفت إلى نشاطات التنظيم والأصول، ونغادر المرحلة الثانية الكوزموغونية، إلى المرحلة الثالثة:
بعد أن أوكل بالأيام شَمَش (إله الشمس)،
أخذ من لعاب تعامة وخَلق منه (…).
خَلق منه الغيوم وحملها بالأمطار.
دفع الرياح وأنزل الغيث،
وخَلق من لعابها أيضًا ضبابًا.
ثم عمد إلى رأسها فصنع منه تلالًا،
وفجَّر في أعماقها مياهًا،
وفجَّر منها عيونًا وأحيا آبارًا.
وتنتهي هذه النشاطات ببنائه لمدينة بابل ولمعبدها الكبير المدعو إيزاجيلا المخصص لعبادة الإله مردوخ، ولا يبقى سوى خلق الإنسان الذي سيكون خليفة مردوخ على الأرض، ووكيل سلطانه فيها.
توجه الآلهة بالسؤال لبكرهم مردوخ:
بعد كل ما صنعت يداك،
لمَن ستوكل سلطانك؟
وفوق الأرض التي ابتدعتها يداك،
لمَن ستوكل حكمك؟
يخلق مردوخ الإنسان من دم الإله كينغو قائد جيش تعامة والمحرض الرئيسي على القتال ضد الآلهة الشابة، ويفرض عليه السعي في مناكب الأرض ليعمل فيها ويحصل قُوتَه وقوت الآلهة التي حررها مرودخ من العمل. كما يرسي له أسس الطقوس والعبادات ويعلمه خشية الآلهة. ثم يتبع ذلك بعددٍ من النشاطات التنظيمية التي ترسِّخ التحضر الإنساني، حيث نقرأ في المقاطع الأخيرة من النص، التي تعدد أسماءه الخمسين وتَقْرِن بكل اسمٍ عملًا جليلًا من أعماله:
إينبيلولو، واهب الخيرات هو
الجليل الذي منح لكل اسمه،
نظَّم المرعى وموارد الماء،
فجَّر الأرض عيونًا، وأجرى المياه أنهارًا،
ليمجد ثانيًا على أنه إيبادون الذي يروي الحقول،
الذي نظَّم السدود والقنوات ورسم خطوط المحراث،
رب الظلال الوفيرة والمحاصيل الكثيرة،
واهب الثروة الذي أغنى المساكن،
مانح الذرة ومُنبت الشعير، يتولى أمور المخازن،
يحفظ تماسك العائلة، مصدر كل أمرٍ حسن.
… إلخ.
وفي نصٍّ بابلي آخر عن التكوين والأصول مؤلَّف من أربعين سطرًا. نقرأ في الأسطر الأخيرة من الفعاليات التنظيمية للإله مردوخ التي أعقبت فعاليات الخلق والتكوين ما يأتي:
صنع قالب الآجُرِّ، وأنتج مكعباته.
بنى البيت وبنى المدينة.
بنى المدينة وأسكن فيها البشر.
بنى مدينة نيبور، وبنى فيها معبد الإيكو.
بنى مدينة أوروك وبنى فيها معبد إيانا.
… إلخ.٣
وفي الميثولوجيا السومرية الأقدم، لا نجد اهتمامًا بمسألة الخلق والتكوين قدر الاهتمام بمسائل الأصول والتنظيم. فبينما تتم الإشارة بشكلٍ عابر إلى بعض تفاصيل فعاليات الآلهة صنع العالم، فإن الميثولوجيا السومرية تتوقف بشكلٍ مطول عند فعاليات الآلهة في مطالع التاريخ، في الأزمان الميثولوجية التي تلت الزمن الكوزموغوني، وقيامها بتنظيم شئون العالم والمجتمع الإنساني. فأسطورة إنكي وننخرساج، التي بحثناها باستفاضةٍ في الفصل السابق، تقع ضمن هذا النوع من الفعاليات التاريخية للألوهة، ومثلها في ذلك أسطورة إنكي وننماخ، التي تحكي عن قيام إنكي بخلق الإنسان بمعونة الإلهة ننماخ (وهو اسم آخر لننحرساج)، وتخلص من ذلك في النهاية إلى التأصيل للشيخوخة والموت. وفيما يلي ملخص لهذه الأسطورة:





