مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات اجتماعية

الأسطورة والمعنى – فراس السواح

صورة لرجل مسن يتحدث في مقابلة تلفزيونية، يظهر على وجهه تعابير حكيمة.

لقد قلنا في البحث السابق بأن الأسطورة هي ناتجٌ انفعالي غير عقلاني؛ أي إنها تصدر عن حالةٍ انفعاليةٍ تتخطى العقل التحليلي، لتنتج صورًا ذهنيةً مباشرة تعكس تلك العلاقة الكلَّانية بين الذات/الوعي، والعالم/المادة؛ إلا أن الأسطورة ليست انفعالًا صرفًا لأنها توسط الأفكار في محاولتها للتعبير عن ذلك الانفعال وموضعته في الخارج. فهي والحالة هذه نشاطٌ يصدر عن ذهنيةٍ لم تتعلم بعدُ كيفية تجزئة موضوع معرفتها وتحليله ثم إعادة تركيبه. إنها نوعٌ من الحدس بالكليات يموضع معرفته الكلية في صورٍ ومشاهدَ وشخصياتٍ مفعمة برموزٍ ذات دلالات، بعضها يتصل بعالم الشعور وبعضها يتصل بعالم اللاشعور. من هنا فإنها لا تُشكل «معرفة» بالمعنى الدقيق للكلمة. فكيف نستطيع اليوم اختراق هذه البنية الرمزية المعقدة من أجل الوصول إلى رسائلها الضمنية؟ وكيف يستطيع العقل الحديث التفاعل مع هذه التركة الثقافية الغريبة عنه كل الغرابة؟

إننا أمام مشكلة تتعلق بالتفسير. فنحن رغم إحساسنا اليوم بسطوة الأسطورة ونفاذها إلى أعماقنا لتودع رسالة ما هناك؛ إلا أننا غالبًا ما نضيع عن فهم هذه الرسالة وإعادة صياغتها بطريقةٍ خطيةٍ تنتقل من المقدمات إلى نتائجها. أما لبُّ هذه المشكلة فهو أننا لا نستطيع تجاوز ذلك الناظم الأساسي للعقل الحديث، وأعني به ناظم «البرهان». فلقد أعادت الفلسفة الإغريقية والفلسفة العربية من بعدها، تشكيل العمليات العقلية للإنسان المتحضر وفق قواعد البرهان العقلي. ثم تابعت العلوم المختلفة التي استقلت عن الفلسفة هذه المهمة، فنشأ البرهان الرياضي والبرهان التجريبي بصوره وأشكاله جميعها، مما قادنا إلى عصر المعلوماتية الراهن. وبما أن البرهان مرتبط عضويًّا بعملية التحليل والتفكيك، وبالإدراك المجزأ لموضوع معرفته، فإنه أكثر ما يمكن بعدًا عن «المنطق» الأسطوري الذي يحدس ولا يحلل، ولا يرى في الجزء إلا صورة عن الكل، وينظر إلى «البرهان» كشأنٍ متضمن في عملية «البيان».

إلى جانب هذا الانفصال النوعي بين العقل الحديث والعقل الميثولوجي، وهو انفصالٌ يشعر به دارسو الثقافات التقليدية الحديثة، هنالك انفصالٌ من نوعٍ آخر يشعر به دارسو الثقافات القديمة، هو انفصال القِدم والانقطاع. إن العالم القديم الذي أنتج الأساطير، وكانت بالنسبة إليه وسيلة تلاؤم وتوازن مع وسطه الفكري الداخلي ووسطه الخارجي، هو عالمٌ بعيدٌ عنا زمنيًّا، والعديد من حضاراته المنطوية في الزمن السابق قد ظهر أمامنا من تحت الآكام، ولم نكن نعرف عنه شيئًا ولا أسلافنا القدماء من قبلنا. فهذه الحضارات موغلة في القِدم من جهة ومنقطعة عنا من جهةٍ أخرى. ولتوضيح مسالة الفرق بين القِدم والانقطاع أقول بأن عصر الخلافة الأموية هو عصرٌ بعيدٌ عنا كل البُعد ولكنه غير منقطع. فنحن متصلون بسلسلةٍ لم تنقطع واحدة من حلقاتها أبدًا، ولم يأتِ في سياق الزمن الواصل بيننا وبينه وقت نسي فيه ناسه خلفاء بني أمية أو أشعار وأخبار ذلك العصر. أما حضارة سومر، ومثلها إيبلا؛ فقد ظهرت لنا دفعة واحدة ولم نكن نعرف عنها شيئًا البتة قبل بضعة عقود من الزمان، ولم يكن الأقدمون منا يعرفون عنها أيضًا؛ فهي بعيدةٌ ومنقطعةٌ في آنٍ معًا.

ومما يزيد مسألة البعد والانقطاع تعقيدًا، أن الحضارات التي صنعت الأساطير لم تكن تنتظم في زمانٍ ثقافيٍّ متصل ومتجانس، بل إنها تعاني أيضًا من مشكلة التباعد الزمني، والانقطاع بعضها عن بعضٍ في أحيانٍ كثيرة؛ فالحضارة الآشورية، مثلًا، بعيدة عن الحضارة السومرية بُعد الحضارة الآشورية عنا. لقد كان الآشوريون ورثة ثلاثة آلاف عامٍ من حضارة وادي الرافدين. ومع ذلك فلم يكن بينهم متعلمٌ واحدٌ يعرف عن الثقافة السومرية وتاريخها وملوكها، ولم تكن النصوص السومرية القليلة الموجودة في مكتبة آشور بانيبال إلا نسخًا عن أصولٍ قديمة لا يعرف أحدٌ عن أصلها وفصلها.

على أننا نجد بعض العزاء في أن المتأخرين من مفكري العالم القديم، لم يكونوا في وضعٍ أفضل منا عندما حاولوا تأمل عالم الأسطورة، إبان الفترات الأخيرة من تاريخ الشرق القديم، بعدما اقتحمت عليه الثقافة الإغريقية وأحدثت تغييرات عميقة في بنية وأساليب التفكير المشرقي. وهذه نقطةٌ حساسة تتطلب بعض التوضيح بالأمثلة التي أُورد أبرزها فيما يلي:

(١) برغوشا وأسطورة التكوين البابلية

في القرن الثالث قبل الميلاد، عاش كاهنٌ بابلي اسمه برغوشا، وضع العديد من المؤلفات باللغة اليونانية، وعُرِف باسمه اليوناني بيروسوس. ومن أهم مؤلفات هذا الكاهن كتابٌ ضخم عن تاريخ بابل وحضارتها، جمع فيه كل ما وصل إليه علمه من أخبارٍ تواترت إليه عن حضارة شعبه، ولكن هذا الكتاب الهام ضاع، وبقيت منه شذرات في بعض مؤلفات الكُتَّاب الكلاسيكيين، بينها هذه الشذرة التي يتحدث فيها عن أسطورة التكوين البابلية فيقول:

«في البدء، لم يكن سوى الظلام والمياه، ثم ظهرت إلى الوجود مخلوقات عجيبة التكوين: رجالٌ ذوو أجنحة ولهم وجهان بدل الواحد؛ وآخرون ذوو أجسامٍ بشريةٍ ولكن برأسين، رأس لامرأةٍ ورأس لرجل، وكانت أعضاؤها الجنسية مذكرة ومؤنثة معًا؛ وغيرهم لهم سيقان الماعز وقرونها، أو حوافر الخيل وذيولها. كان هنالك حيوانات شتى استعارت أعضاء بشرية، كما استعارت بعضها من بعض أيضًا. وفوق هؤلاء حكمت امرأة اسمها أموركا، والكلمة في اللغة الكلدانية تعني تامتي أي البحر، ثم جاء مردوخ-بل، فصارع المرأة وشطرها نصفين، فجعل من شطرها الواحد أرضًا ومن شطرها الثاني سماءً، وقبض على المخلوقات العجيبة التي تتبعها جميعًا، وأحل النظام في الكون، ولكن الأرض كانت خربة ومهجورة، فأمر مردوخ بخلق الإنسان من ترابٍ ممزوج بدم إله قتيل، ليملأ الأرض، ثم صنع الحيوانات بأجناسها، وبعد ذلك خلق النجوم والكواكب والشمس والقمر.»١

مما لا شك فيه أن جزءًا لا بأس به من المعلومات المتعلقة بالمعتقدات البابلية القديمة عن أصل الكون والآلهة قد وصل إلى برغوشا، ولكن الأمر المؤكد هو أن نص أسطورة التكوين البابلية الأساسي، الذي بين أيدينا اليوم، والذي تحدرت منه هذه الشذرات التي أوردها، لم يكن متوفرًا بين يديه. فرغم اتفاق رواية برغوشا في كثيرٍ من نقاطها مع الأسطورة الأصلية؛ إلا أن الاختلاف بينها واضحٌ في كثيرٍ من الأحداث الرئيسية وترتيبها، وفي اختزال بعضها وغياب بعضها الآخر تمامًا. والأهم من ذلك أن نص برغوشا قد قصَّر عن نقل جو الأسطورة ومراميها الأصلية، وهو يبدو لنا اليوم أشبه بتقريرٍ صحفيٍّ لمراسلٍ غير متخصص يتحدث عن لوحٍ أثري تم اكتشافه حديثًا. إنه صورةٌ عن فترة النزع الأخير لعالم الديانات المشرقية القديمة، بعد جفاف روحها وانقطاع أصولها.

ولنقارن الآن نص برغوشا ببعض مقاطع الإينوما إيليش؛ أسطورة التكوين البابلية، التي يرجع نصها إلى مطلع الألف الثاني قبل الميلاد، لنلاحظ الفرق بين النص النثري التقريري والنص الأسطوري.

برغوشا في البدء، لم يكن سوى الظلام والمياه.

الإينوما إيليش :

عندما في الأعالي لم يكن هنالك سماء،

وفي الأسفل لم يكن هنالك أرض،

لم يكن من الآلهة سوى أبسو، أبيهم،

وممو، وتعامة التي حملت بهم جميعًا،

يمزجون أمواههم معًا.٢

برغوشا ثم ظهرت إلى الوجود مخلوقاتٌ عجيبة التكوين، رجالٌ ذوو أجنحة … إلخ.

الإينوما إيليش :

الأم تعامة، خالقة الأشياء جميعًا،

أتت بأسلحةٍ لا تقاوم، أفاع هائلة،

حادة أسنانها، مريعة أنيابها،

مُلئت أجسادها بالسُّم بدل الدماء،

أتت بتنانين ضارية تبعث الهلع،

توَّجتها بهالةٍ من الرعب وألبستها جلال الآلهة،

يموت الناظر إليها فرقًا.

خلقت الأفعى الخبيثة، والتنين، وأبا الهول،

الأسد الجبار، والكلب المسعور، والإنسان العقرب،

عفاريت العاصفة، والذبابة العملاقة، والبيسون،

أحد عشر نوعًا من الوحوش أظهرت إلى الوجود … إلخ.

برغوشا ثم جاء مردوخ بل وصارع المرأة.

الإينوما إيليش :

رفع الهراوة أمسكها بيمينه،

وربط القوس والجعبة إلى جنبه،

ثم أرسل البرق أمامه،

وملأ جسمه بالشعلة اللاهبة.

صنع شبكةً يحيط بها تعامة،

وصرَّف الرياح تمسك بأطرافها؛

ريح الجنوب وريح الشمال، وريح الشرق وريح العاصفة.

خلق الأمهيلو الرياح الشيطانية، وخلق الإعصار،

الرياع الرباعية والرياح السباعية والزوابع والرياح الداهمة.

ثم أفلت الرياح التي خلق،

فهبَّت من ورائه وهاجت في إثره،

وقد حفَّت به الآلهة، حفَّت به الآلهة،

تدافعت حوله الآلهة، تدافع آباؤه الآلهة،

(وعند اللقاء في أرض المعركة):

تلت تعامة تعويذتها وألقتها عليه مرارًا وتكرارًا،

فنشر الرب شبكته واحتواها في داخلها،

وفي وجهها أفلت الرياح التي تصطخب وراءه،

وعندما فتحت فمها لابتلاعه،

دفع في حلقها الرياح الشيطانية فلم تستطع إطباقًا،

وامتلأ جوفها بالهواء العاصف.

ثم أطلق الرب من سهامه واحدًا فمزق أعماقها.

فلما تهاوت أمامه أجهز على حياتها،

وبهراوته العتية فصل رأسها،

وقطع شرايين دمائها،

التي بعثرتها ريح الشمال إلى الأماكن المجهولة.

برغوشا :

وشطرها إلى شطرين جاعلًا من شطرها الواحد أرضًا،

ومن شطرها الثاني سماءً.

الإينوما إيليش :

ثم اتكأ الرب يتفحص جثتها المسجَّاة،

ليصنع من جسدها أشياء رائعة،

شقَّها فانفتحت كما الصَّدفة.

رفع نصفها الأول وشكَّل منه السماء سقفًا،

وضع تحته العوارض وأقام الحرس،

ثم جال أنحاء السماء فاحصًا أرجاءها،

استقام في مقابل الأبسو (بحر المياه العذبة)،

قاس الرب أبعاد الأبسو،

وأقام لنفسه نظيرًا له، بناءً هائلًا أسماه عيشارا (الأرض).

أخذ من لُعاب تعامة،

فخلق الغيوم وحمَّلها بالمطر الغزير،

وخلق من لعابها أيضًا ضبابًا.

ثم عمد إلى رأسها فصنع منه تلالًا،

وفجَّر في أعماقها مياهًا،

فاندفع من عينيها نهرَا دجلة والفرات،

… إلخ.

ثم نزع شبكته تمامًا،

وقد تحوَّلت إلى سماءٍ وأرض.

تعطينا هذه المقارنة السريعة صورةً حيةً عن الإينوما إيليش، أسطورة أساطير الثقافة الرافدية، ويقدم لنا مثالًا عن سلطان الأسطورة الحقيقية الذي ينبع من سحر البيان لا من حبكة البرهان، وأسلوبها المسيطر الذي لا يخاطب العقل بل الوجدان. وذلك في مقابل النص الآخر الذي نزع عن الأسطورة غلالتها الميثولوجية وقدمها كمادةٍ معلوماتية باهتة، تُروى بأسلوبٍ موضوعي ومن موضعٍ مفارق.

(٢) فيلو الجبيلي وأسطورة التكوين الفينيقية

كما قام بيروسوس البابلي بوضع مؤلف عن تاريخ البابليين في القرن الثالث قبل الميلاد، كذلك فعل المفكر السوري فيلو الجبيلي في القرن الأول بعد الميلاد، عندما وضع مؤلفًا عن تاريخ الفينيقيين وحضارتهم. ومن المؤسف أن كتاب فيلو هذا قد ضاع كما ضاع كتاب بيروسوس من قبله، ولم يبقَ منه سوى شذراتٍ قليلة أوردها مؤلفون آخرون في كتبهم. في إحدى هذه الشذرات يروي فيلو عن أسطورة التكوين الفينيقية فيقول:

«في البدء، لم يكن هناك سوى هواء عاصف وخواء مظلم. ثم إن هذا الهواء وقع في حب مبادئه الخاصة وتمازج. ذلك التمازج دُعي الرغبة، وهي مبدأ خلق جميع الأشياء. ولم يكن للهواء معرفة بما فعل. وقد نشأ عن تمازج الهواء: موت؛ الذي كان عبارة عن كتلةٍ من الطين، أو مجموعة من العناصر المائية المتخمرة. وهو بذرة الخلق وأصل الأشياء، ثم استضاء الهواء بالتهاب اليابسة والبحر، وسُيِّرت الرياح والغيوم، وهطل المطر على الأرض مدرارًا. وبتأثير حرارة الشمس انفصلت الأشياء وطارت من مكانها لتتصادم في الجو، فنشأت البروق والرعود، وعلى صوتها أفاقت ذوات الحياة مذعورة، وراحت تنتقل على اليابسة وفي البحر، ذكورًا وإناثًا … إلخ.»٣

يتضح من هذا النص الذي يشكل مطلع نظرية التكوين الفينيقية المنسوبة إلى فيلو، أن هذا الكاتب كان يحاول استجلاء طبيعة الفكر الأسطوري الكنعاني القديم، استنادًا إلى معلوماتٍ مبعثرة جمعها في قالبٍ تفوح منه رائحة الفكر الفلسفي اليوناني. وهو في سعيه لإضفاء المصداقية على نصه، اخترع شخصية دينية قديمة دعاها سانخونياتن، لم يذكرها أحدٌ قبله، ثم ادعى أنه قد نقل معلوماته عن هذه الشخصية. وفي الحقيقة، فإن ما وصلنا من معلوماتٍ مباشرةٍ عن الميثولوجيا الكنعانية، سواء في نصوص أوغاريت أم في نصوصٍ فينيقية متفرقة، يلقي ظلالًا من الشك على نظرية التكوين المنسوبة لقدماء الفينيقيين هذه، وعلى معلومات فيلو والمواقف الفكرية التي يصدر عنها. لقد عاش هذا المفكر في بيئة مُشبعة بالثقافة الهلينستية، وفي زمنٍ كانت الأسطورة فيه تتلقى أوجع ضربات الفلسفة الإغريقية، فلم يستطع أن ينظر إلى الأسطورة إلا بمنظار الفلسفة، وجاء عمله بمثابة مساهمة أخرى في الحرب المعلنة من الفلسفة على الميثولوجيا.

هذا الحديث عن اليونان يقودنا إلى ما أدعوه بالمشكلة الإغريقية في دراسة الأسطورة.

(٣) المشكلة الإغريقية

تُبدي الثقافة الإغريقية انقطاعاتٍ حادة في مسيرتها لم تعرف مثلها ثقافات الشرق القديم. فلقد رأينا منذ قليل كيف أن كاهنًا بابليًّا من القرن الثالث قبل الميلاد كان قادرًا على جمع وتحقيق معلوماتٍ عن تاريخ وثقافة بابل، ترجع إلى ما قبل عصره بحوالي ألف وخمسمائة عام. أما إغريق القرن السابع قبل الميلاد، وهو القرن الذي وعى فيه الإغريق أنفسهم تاريخيًّا، فلم يعرفوا عن ماضيهم القديم ما يتجاوز حدود الحروب الطروادية (أي أواخر القرن الثالث عشر ق.م.)، التي كانوا يعتبرونها بداية لتأسيس الحضارة الإغريقية، وينظرون إليها كماضٍ مغرقٍ في القِدم رغم قربها النسبي إليهم، ولكننا نعرف اليوم بشكلٍ شبه مؤكد أن اللغة اليونانية قد دخلت أرض اليونان القارية في مطلع الألف الثاني قبل الميلاد، مع فاتحين ينتمون إلى الجماعات المدعوة بالهندو أوروبية، وأن دخول هذه الجماعات كان بداية مرحلة حضارية جديدة في أرض اليونان. وهذا يعني أن حوالي ألف عام من تاريخ الثقافة اليونانية كان مجهولًا تمامًا لدى إغريق القرن السابع قبل الميلاد.

ويتجلى انقطاع الثقافة الإغريقية عن ماضيها بشكلٍ واضح، في مجال الأساطير والمعتقدات الدينية. يقول هيردوتس المؤرخ اليوناني المتوفى عام ٤٢٥ق.م. إن هزيود وهوميروس اللذَين عاشا قبله بأربعمائة سنة، هما اللذان رسما للإغريق أساطيرهم وصور آلهتهم.٤ وهذا القول الذي أُخذ على علاته زمنًا طويلًا لا يعكس بالطبع حقيقة الأمر، ويُعطي صورةً عن جهل الإغريق بأصول ديانتهم وأساطيرهم. فكل ما كانوا يعرفونه أيام هيرودوتس لم يكن يتعدَّى في قِدمه روايات هذَين المؤلفَين، اللذَين جمعا ونسَّقا وأعادا صياغة التقاليد التي تواترت إليهما منذ القِدم. والمشكلة التي تواجهنا اليوم في دراسة الميثولوجيا الإغريقية، هي أننا رغم معرفتنا الأكيدة بأن هيزيود وهوميروس قد قدَّما لنا النسخة الأخيرة المنقحة عن التقاليد الميثولوجية الأقدم، إلَّا أننا لا نستطيع اختراقها وصولًا إلى الأشكال الأصلية، كما فعلنا بخصوص أعمال فيلو الجبيلي وبرغوشا. والسبب في ذلك راجعٌ إلى عدم توفر نصوص أدبية وأسطورية من الفترات السابقة للقرن الثامن قبل الميلاد. ونحن مضطرون هنا إلى الاعتماد على صياغةٍ أدبيةٍ للميثولوجيا الإغريقية عبثت بها يد محرريها بشكلٍ حاذق. هذه الصياغة الأدبية التي ابتدأها هوميروس وهزيود، ثم تابعها فيما بعد عدد من المؤلفين الكلاسيكيين، تمثل انتصار العمل الأدبي على المعتقد الديني، على حد قول مؤرخ الأديان المعروف ميرسيا إلياد.٥ فنحن لا نملك أسطورة يونانية نُقلت إلينا في سياقها الديني الشعائري، وإنما من خلال وثائق أدبية منمَّقة منقطعة عن خبراتها الدينية الأصلية؛ أي من خلال ميثولوجيا مجردة من القدسية ومنزوعة عنها صفة الأسطرة. وفيما عدا ميثولوجيات ديانات الأسرار التي نجت من التصرف الأدبي بسبب الطابع المغلق لتلك الديانات، فإني أرى أن معظم التفسيرات التي جهد الميثولوجيون المحدثون في استنباطها للأساطير الكلاسيكية تشكل جهدًا ضائعًا بحق؛ لأنها لم تكن تتعامل مع أساطير أصلية بل مع نُسخ أدبية لا يربطها بالأصول سوى أوهى الروابط. ثم إني أنطلق من هذه المقدمة، التي أطرحها بكلِّ ثقةٍ علميةٍ، إلى القول بأن أي دراسةٍ للميثولوجيا الإغريقية يجب أن تنظر إلى ذلك الركام الأدبي كمصدرٍ ثانوي ومشكوك به وخاضع للنقد، وتلتفت إلى الميثولوجيات الشعبية الخاصة بديانات الأسرار في الثقافة الكلاسيكية؛ لأنها الميثولوجيات الوحيدة التي تمثل بحقٍّ ما بقي من الميثولوجيا اليونانية الأصلية.

نعود الآن إلى معالجة مسألة «التفسير»، وإلى تساؤلنا الأساسي المتعلق بكيفية تعامل العقل الحديث مع تلك التركة الثقافية الغريبة عنا كل الغرابة.

(٤) الأسطورة بين البسيط والمستغلق

من خلال الأفكار التمهيدية التي سقتها أعلاه، قمت بإلقاء الضوء على عقبتين رئيسيتين نواجههما في فهمنا وتفسيرنا للأسطورة: العقبة الأولى ذاتية وتتعلق باختلاف آليات تفكيرنا اليوم عن آليات تفكير الإنسان القديم. والثانية موضوعية وتتعلق بالبعد الزمني والانقطاع عن تلك الثقافات التي أنتجت الأساطير، ولكننا رغم العقبات مطالبون بفهم وتفسير هذه التركة الميثولوجية الغنية؛ لأننا لا نستطيع أن نبقي على هذا المصدر الهام من مصادر الثقافة الإنسانية في دائرة الظل، ولا أن نقول مع البعض بأن الأسطورة ليست إلا نتاج طفولة العقل الإنساني القاصر في مرحلةٍ من مراحل تطوره، وأنها تفتقر إلى أية قيمة إيجابية أو مغزى؛ لأننا نكون بذلك قد حكمنا على الحضارات الكبرى الغابرة بأنها لم تكن سوى أقنعة للغباء البدائي.

غالبًا ما يبدأ دارسو الميثولوجيا باستعراض ونقد المدارس الرئيسية التي نشأت منذ أواسط القرن التاسع عشر، من طبيعانية وبراجماتية وسيكولوجية وبنيوية وما إليها، لينتهوا إلى الوقوف إلى جانبٍ واحدٍ منها، أو التأسيس لنظريةٍ جديدة ينطلقون منها. وهذا ما لن أفعله هنا؛ لأن منهجي الخاص هو منهج تجريبي لا يقوم على نظريةٍ بعينها تدَّعي الشمول والإطلاق، بل على النظر إلى كل نسقٍ ميثولوجي على حدة، وإلى خصوصية كل أسطورةٍ ضمن هذا النسق الميثولوجي الذي تنتمي إليه. ولسوف ألجأ فيما يأتي إلى عرض هذا المنهج التجريبي من خلال تقديم ثلاثة نماذج من الأساطير، تتدرج في تركيبها من البسيط إلى المعقد إلى المستغلق، ثم أُجري مع القارئ محاولاتٍ في الفهم والتفسير؛ لنستكشف معًا كيف تتدرج الأسطورة في إسلام قيادها لنا، ونختبر مدى فعالية أدواتنا في التعامل معها. ونماذجنا هذه مستمدة جميعًا من ميثولوجيا الشرق القديم.

(٤-١) النموذج البسيط

هلاك مدينة أور

يبدأ هذا النص السومري ببكائية للإلهة ننجال؛ إلهة مدينة أور، تندب فيها مدينتها التي اتخذ الآلهة قرارًا سماويًّا بتدميرها، أقتطفُ من مطلعها الأسطر الآتية:

اليوم الذي كنت أخشى، يوم العاصفة،

يوم العاصفة ذاك، قد كُتب عليَّ وقُدِّر.

هبط عليَّ مثقلًا بالدمع.

يوم العاصفة ذاك، قد كُتب عليَّ وقُدر،

هبط عليَّ مثقلًا بالدمع، هبط عليَّ أنا الملكة.

اليوم الذي كنت أرتعد منه، يوم العاصفة،

هبط عليَّ مثقلًا بالدمع.

جفا الرقاد وسادتي والأحلام؛

لأن الأسى المر قد قُدر على أرضي وشعبي.

سعيت إلى شعبي كما البقرة إلى عجلها،

فلم أستطع نشله من الطين؛

لأن الحزن والأسى قد قُدرا عليها،

ستدمر أور فوق أساساتها،

ستفنى أور في مكانها،

حتى لو نشرت جناحي وطرت إليها.٦

بعد المرثية الطويلة التي يفتتح بها النص، نجد الإلهة ننجال تسعى يائسةً لدفع الكارثة عن مدينتها، وتستجدي مجمع الآلهة الذي انعقد لاتخاذ القرار الحاسم:

ثم توجهتُ بتصميم إلى المجمع قبل انفضاضه،

بينما كان آلهة الأنوناكي٧ جلوسًا يتعاهدون،

جرجرت قدميَّ، فتحتُ ذراعيَّ،

ذرفتُ الدموع أمام آن،

بكيتُ بحرقةٍ أمام إنليل،

قلت لهما: عسى أور لا تُدمر،

عسى مدينتي أور لا تُدمر. قلت لهما،

ولكن آن لم يعطِ دعائي أذنًا،

وإنليل لم يثلج صدري بكلمة،

بل أصدرا الأوامر بهلاك المدينة،

أصدرا الأمر بهلاك أور،

وسيفنى أهلها وفق القضاء النافذ.

وهكذا يصدر القرار من مجمع الآلهة بدمار المدينة وهلاك أهلها، ويعهد مجمع الآلهة إلى إنليل، رب العاصفة، بتنفيذ القرار. وقبل أن يتحرك إنليل لأداء مهمته، يقوم إله القمر نانا، المعبود في أور، بمحاولةٍ أخيرةٍ من جانبه للدفاع عن المدينة، ويبتهل إلى إنليل بدعاءٍ طويلٍ نقتطف منه بعض أبياته:

أي أبي إنليل الذي أنجبني،

أي ذنب جنَته مدينتي حتى أدرت وجهك عنها؟

أي أبي إنليل الذي أنجبني،

انشل مدينتي من وحشتها، ضمها إليك ثانية،

انشل معبدي من عزلته، ضمه إليك ثانية،

دع اسمك يعلو في أور مجددًا،

دع أهلها يرتعون في حماك مثلما كانوا،

ولكن إنليل يجيبه بعد أن استمع إليه مطولًا، بأن قرار الآلهة لا رجعة عنه، وأن البشر لم يعطوا ميثاقًا باستمرار الأحوال وراحة البال. لم تقترف أور ذنبًا ولكن قد حمَّ عليها القضاء،

أجاب إنليل ابنه قائلًا:

قلب المدينة يبكي، وناي القصب فيها ينوح،

شعبها يقضي يومه في العويل والصراخ،

أي نانا، أيها النبيل، عد لشأنك،

فإنك لن تقايض بالدمع شيئًا،

حكمُنا لا مبدل لكلماته، حكم المجمع،

لقد مُنحت أور سلطانًا ولكنها لم تُمنح دوامًا،

منذ القِدم، منذ أن أُرسيت البلاد إلى يومها هذا،

من رأى منكم مُلكًا باقيًا؟!

كذا فسلطان أور قد اجتُث وولَّى،

أما أنت يا نانا، فدع الهمَّ عنك واهجر البلد.

بعد ذلك يشرع إنليل في مهمته مستخدمًا العاصفة، سلاحها التقليدي الرهيب، وذلك في مقطعٍ وصفي طويل يثير في النفس الرهبة والشفقة. وعندما يرفع إنليل غضبه عن المدينة كانت قد تحوَّلت أنقاضًا:

جثث البشر مثل كسرات الجِرار،

كانت تملأ الطرقات،

الجدران المتينة قد تهاوت،

والبوابات العالية والمسالك،

قد تكدَّست فيها الجثث،

في الشوارع العريضة التي شهدت الأعياد،

وفي المَرابع الطلقة التي حفلت بالراقصين،

تراكمت أجساد الموتى،

وملأ دم البلاد آبارها.

يعتبر هذا النص واحدًا من عيون الأدب المشرقي القديم. وهو يتألف من حوالي الأربعمائة بيت شعري مفعمة بالعاطفة القوية الدافقة والصور المؤثرة المعبرة.٨ أما الحادثة التاريخية التي يمكن أن تكون أساسًا لأحداث هذه الأسطورة، فهي الهجوم الكاسح الذي قام به العيلاميون على مدينة أور حوالي ٢٠٠٠ق.م.، فحاصروها مدةً ثم افتتحوها واستباحوها بضعة أيام. لكن الأسطورة لا تنظر إلى هذه الواقعة في سياقها الزمني وفي دلالاتها التاريخية، بل تنتقل بالحدث إلى المستوى الميثولوجي، وتعالجه على هذا الأساس، فتسخره من أجل تقديم الأمثولة والعبرة، شأنها في ذلك شأن بقية الأدبيات الدينية المشرقية اللاحقة. إن رسالة الأسطورة هنا واضحة كل الوضوح، وهي تقول لنا إن عالم الإنسان قائمٌ على الصيرورة والتبدل الدائم، والإنسان لا يكاد يطمئن إلى ثبات وديمومة رغده، حتى يحمَّ عليه قضاء الآلهة بغتةً وهو غارقٌ في لهوه ومتع حياته اليومية التي أمن إلى استمرارها. والدول والممالك لا تقوم وتزدهر فتصل أوج عزِّها حتى تأتيَ ساعة انحسارها. ومدينة أور لم ترتكب ذنبًا واضحًا ولكنها أمِنت إلى رغدها وطيبات رزقها ودوام مجدها. ويلخص النص رسالته هذه بكل وضوح في الأبيات التي تقول:

لقد مُنحت أور سلطانًا ولكنها لم تُمنح دوامًا،

منذ القدم منذ أن أُرسيت البلاد إلى يومها هذا،

من رأى منكم مُلكًا باقيًا؟!

كذا فسلطان أور قد اجتُث وولى.

مثل هذه الرسالة الواضحة يقدمها لنا مقطع جميل من ملحمة جلجامش، حيث يقول أوتنابشتيم لجلجامش في اللوح الحادي عشر، العمود السادس:

هل نشيد بيوتًا لا يدركها الفنا؟

وهل نعقد ميثاقًا لا يصيبه البِلى؟

وهل يقتسم الإخوة ميراثهم ليبقى دهرًا؟

وهل ينزرع الحقد في الأرض دوامًا؟

هل يرتفع النهر ليأتي بالفيض أبدًا؟

وهل يترك اليعسوب شرنقته،

ليدير وجهه للشمس طوالًا؟

فمنذ القدم لا تظهر الأمور ثباتًا،

النائم للميت توأم،

ألا تفشي صورة الموت كليهما؟

ألا يتساوى الأمير والفقير في حضرة الردى؟٩

إن فكرة القضاء والقدر هي فكرةٌ راسخةٌ في الأدبيات الدينية المشرقية؛ فالقضاء يحمُّ على المدن المزدهرة وعلى الأفراد وهم في قمة مجدهم وعزهم. وما على الإنسان إلا أن يقبل بالإرادة الإلهية سواء أكانت مقاصدها واضحة أم خافية. فها هو إبراهيم في سفر التكوين من العهد القديم، يشفع لمدينتَي سدوم وعمورة أمام الرب بعد أن اتخذ قرارًا بتدميرها، كما شفع الإله نانا لمدينة أور أمام إنليل: «فتقدم إبراهيم وقال: أفتُهلك البارَّ مع الأثيم؟ عسى أن يكون خمسون بارًّا في المدينة، أفتُهلك المكان ولا تصفح عنه من أجل الخمسين بارًّا الذين فيه؟ حاشا لك أن تفعل مثل هذا الأمر.» ولكن شفاعة إبراهيم تُخفق كما أخفقت شفاعة نانا: «وإذا أشرقت الشمس على الأرض، دخل لوط إلى صوغر، فأمطر الرب على سدوم وعمورة كبريتًا ونارًا من عند الرب من السماء، وقلب تلك المدن وجميع سكان المدن ونبات الأرض» (التكوين: ١٨). وإذا كان إثم المدن في أسطورة سدوم وعمورة ذريعة لإنفاذ القضاء، فإن مثل هذا الإثم يُتخذ ذريعةً ظاهريةً عندما لا يتناسب العقاب مع فداحة الإثم. ففي سفر صموئيل الثاني يقرر الرب إهلاك الشعب لسببٍ مجهولٍ، فيدفع داود لارتكاب خطيئة من شأنها تعريض الشعب بأكمله لإبادةٍ شاملة: «وعاد فحميَ غضب الرب على إسرائيل، فأهاج عليهم داود قائلًا له: امضِ وأحصِ إسرائيل ويهوذا. فقال الملك لرئيس الجيش الذي عنده: طُف في جميع أسباط إسرائيل وعدُّوا الشعب فأعلم عدد الشعب.» وبعد الانتهاء من عملية الإحصاء، تُحدِّث داود نفسه بأنه قد أخطأ، فيستغفر ربه معترفًا بذنبه، ولكن الرب لا يلتفت إلى توبته: «فجعل الرب وباءً في إسرائيل من الصباح إلى الميعاد. فمات من الشعب سبعون ألف رجل … فكلم داود الرب وقال: هنا أنا أخطأت، وأنا أذنبت، وأما هؤلاء الخراف فماذا فعلوا؟» (صموئيل الثاني: ٢٤).

وفي القرآن الكريم لدينا العديد من الأمثلة والمواعظ عن هلاك المدن الآثمة: فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (هود: ٨٢-٨٣)، وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَن لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا (هود: ٩٤-٩٥)، ولكن أحكام المشيئة الإلهية قد تكون خافية عن أفهام البشر، ويحمُّ القضاء على جماعةٍ دون سببٍ واضح: وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (الإسراء: ١٦). فهنا، وعلى العكس من بقية القصص القرآني المتعلق بدمار المدن الآثمة، نجد أن الدمار قد حلَّ على مدينةٍ لم تأثم، بل لقد أثم مترفوها بتوجيهٍ من الرب فحق عليها القول؛ لأن على الإنسان ألا يركن إلى دوام منجزاته وهناءة عيشه، وأن يُسلم بالقضاء والقدر خيره وشره من الله تعالى. وتدور الآية التالية حول الفكرة نفسها: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ * أَأَمِنْتُم مَن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ، أَمْ أَمِنْتُم مَن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (المُلك: ١٥–١٧).

وحول الاطمئنان إلى دوام منجزات الإنسان وهناءة عيشه، بدل الركون إلى لطف الخالق والتسليم بقضائه، لدينا في القرآن الكريم أيضًا أمثولة ذات مغزًى كبيرٍ حول قانون التغير الدائم: وَاضْرِبْ لَهُم مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُدِدتٌّ إِلَى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا … وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَمْ تَكُن لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (الكهف: ٣٢–٤٣).

أنتقل الآن من هذا النوع البسيط من النصوص الذي تسير أحداثه في اتجاهٍ خطيٍّ واحد، إلى النوع المركب الذي تسير أحداثه في أكثر من اتجاه، وتتقاطع ضمن بنية أكثر تعقيدًا من بنية النوع الأول.

(٤-٢) النموذج المركب

إيتانا والنسر

وصلَنا أقدم نص لهذه الأسطورة من العصر البابلي القديم (٢٠٠٠– ١٦٠٠ق.م.).

وذلك من الموقع سوسة عاصمة عيلام. كما وصلَنا نصٌّ آخر من العصر الآشوري الوسيط (١٦٠٠–١٠٠٠ق.م.)، ونصٌّ ثالث من مكتبة آشور بانيبال بنينوى يعود إلى القرن السابع قبل الميلاد، هو أكمل هذه النصوص وأكثرها وضوحًا. ورغم وجود بعض الاختلافات البسيطة بين هذه النصوص الثلاثة إلا أن الأحداث الرئيسية للقصة واحدة، ويكاد التطابق يكون حرفيًّا بينها عند كثيرٍ من السطور والمقاطع. وسوف أقدم فيما يأتي ملخصًا للأسطورة اعتمادًا على ترجمة ستيفاني دالي الجديدة لنسخة نينوى، في كتابها الصادر عن أوكسفورد عام ١٩٨٩م.١٠

تدور أحداث هذه القصة في الأزمان الأولى عندما كان الآلهة يخلقون الجهات الأربع، ويضعون مخططًا لبناء أول مدينة للبشر هي مدينة كيش. فبعد أن انتهوا من أعمال الخلق والتنظيم أسسوا منصب الملوكية، وراحوا يبحثون عن شخصٍ مناسبٍ ينصِّبونه ملكًا على المدينة، ليكون حاكمًا صالحًا للناس، فوقع اختيارهم أخيرًا على إيتانا:

الآلهة الكبار، آلهة الإيجيجي صمموا مدينة.

آلهة الإيجيجي وضعوا لها الأساسات.

آلهة الأنوناكي صمموا مدينة كيش.

آلهة الأنونانكي وضعوا لها الأساسات.

آلهة الإيجيجي صنعوا لها قوالب الآجُرِّ.

(أسطر مشوهة) …

الآلهة الكبار الذين يقدِّرون المصائر،

جلسوا، تشاوروا في أمور البلاد،

بينما كانوا يخلقون جهات العالم الأربع ويصيغون شكلها.

(أسطر مشوهة) …

لم يكونوا قد أقاموا ملكًا على الناس قاطبة،

ولم يكن التاج وعصابة الرأس، حينئذٍ، قد أوثقا معًا.١١

كانت عشتار في ذلك الوقت تبحث عن راعٍ،

كانت تبحث هنا وهناك عن ملك.

وإنليل يبحث عن منصة عرش لإيتانا،

الشاب الذي كانت عشتار لا تني تبحث عنه.

1 2 3 4الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading