الأسطورة والتاريخ✍فراس السواح
في تلك الأيام، إنكي قال لإنليل:
«أي أبتِ إنليل، لهار وأشنان،
اللذان جرى خلقهما في الدولكوج (بيت الخلق)،
دعنا ننزل بهما من الدولكوج.»
وهكذا، تنفيذًا لكلمة إنكي وإنليل المقدسة،
هبط لهار وأشنان من الدولكوج.
من أجل لهار أقام إنليل وإنكي حظيرة،
وقدَّما له علفًا، عشبًا ونباتًا و…
ومن أجل أشنان بنيا بيتًا،
وقدَّما لها المحراث والنير،
فأقام لهار في حظيرته،
راعيًا تدفق الخيرات من بين يديه.
ووقفت أشنان في الحقل بين محاصيلها.
من خيرات السماء أنتج لهار وأشنان،
وإلى مجمع الآلهة قدَّما خيراتهما،
وإلى الأرض وهبا نسمة الحياة.١٩
•••
إنليل الذي قام بإبعاد السماء عن الأرض،
وقام بإبعاد الأرض عن السماء،
فجعل هنالك مجالًا ترتع فيه المخلوقات،
في (نيبور)، عماد السماء والأرض، قام ﺑ …
وأخرج المعول إلى الوجود؛ وبذلك حلَّ اليوم،
الذي فرض فيه العمل وقرر المصائر،
وعلى المعول والسلة أسبغ القوة.
بعد ذلك يصنع إنليل قالبًا يقوم الآلهة باستخدامه من أجل خلق الإنسان، وتمتلئ بلاد سومر بالناس، فيقدم لهم إنليل المعول ليستخدموه في أعمال البناء والعمران.٢٠
وإضافة إلى جهل الإنسان القديم بأصول ابتكاراته التكنولوجية، فقد كان جاهلًا بأصل مؤسساته وقوانينه وتشريعاته؛ فهذه جميعًا قد جاءت من السماء وابتدرتها الآلهة من أجله. وأكثر من ذلك، فإنه لم يكن يعرف الكثير عن أصل وتطور ونمو المدن التي شيدها أسلافه الأولون، وكان يعتقد أن مدنه التي يسكنها قد بنتها الآلهة في سالف الأزمان وسكنت فيها قبل أن يسكن البشر، وبنت لأنفسها هناك بيوتًا وقصورًا ومعابد. إن الإشارات الموجودة في النصوص الميثولوجية المشرقية حول هذا الموضوع أكثر من أن تُحصى. فمدينة نيبور التي بناها الإله إنليل في مطلع عصر الأسرات هي «صنعة يد الآلهة»، على حد تعبير نص ملحمة جلجامش في لوحها الأول. وبابل العظيمة بمعابدها التي تناطح أبراجها السحاب قد بناها الإله مردوخ، على ما تنقله إلينا أسطورة التكوين البابلية في لوحها السادس. ومدينة إيريدو، أول وأقدم المدن في وادي الرافدين، قد بناها الإله إنكي بيتًا لسكنه. نقرأ في أسطورةٍ سومرية حول هذا الموضوع:
بعد أن تفرقت مياه التكوين،
بعد أن ظهر اسم البركة في السماء،
بعد أن غطت الأعشاب والنباتات وجه الأرض،
رَب الأعماق، الملك إنكي،
إنكي، الرب الذي يقرر المصائر،
بنى بيته من فضةٍ ولازورد.
بعد ذلك يتوجه إنكي إلى نيبور مدينة إنليل، ليحصل هناك على بركات أبيه. وبعد أن يتلقى إنليل هدايا ابنه، يقف بين الإلهة ويشيد بمدينة إنكي:
قال إنليل لآلهة الأنوناكي:
أيها الآلهة الواقفون من حولنا،
لقد بنى ابني بيتًا، الملك إنكي بنى إريدو،
وكجبلٍ رفعها فوق الأرض،
وفي مكانٍ طيب أقامها.
أيريدو، المكان الطاهر الذي لا يدخله أحد،
قد بنيت بفضةٍ وزينت بلازورد،
وبيته في عهده القيثارات السبع، قد كُرس للتراتيل.٢١
فإذا كان للإنسان بعد ذلك أن يباشر بنفسه أي فعل خلاق، فإن الفعل يسير على غرار فعل سابق مشابه قامت به الآلهة. وهو إذ يبني معبدًا أو سورًا أو مدينة، فإنما يفعل ذلك وفق صورة مسبقة رسمتها الكائنات العليا؛ فالملك غوديا السومري قد بنى معبد المدينة في لجش وفق تصميم مرسوم على لوح أطلعته عليه الإلهة نيدابا في الحلم. وعندما قام الملك الآشوري ببناء مدينة نينوى، فعل ذلك وفق الخطة المرسومة في هيئة القبة السماوية منذ الأزمنة السحيقة.٢٢ وفي كتاب التوراة يقوم الرب بإطلاع موسى على صورة المسكن المؤقت الذي سوف يصنعه له: «فيصنعون له مقدسًا فأسكن بينهم، بحسب جميع ما أنا مُريك من شكل السكن وشكل جميع آنيته، كذلك فاصنعوا لي» (الخروج ٢٥: ٨-٩). وبعد ذلك يتلقى داود تعليماتٍ مفصلةً عن تصميم هيكل أورشليم مكتوبة بيد الرب، ثم ينقلها لابنه سليمان الذي شرع بعد ذلك ببنائه (سِفر الحكمة ٩: ٨)، وقبل أن تُبنى مدينة أورشليم بيد الإنسان، كان هنالك أورشليم سماوية من صنع الله، وهي التي تكرر ذكرها في أسفار الأنبياء، مثل سِفر طوبيا ٨: ١٦، وإشعيا ٥٩: ١١، وحزقيال ٦٠، وهي التي رآها يوحنا نازلةً من السماء كالعروس المزيَّنة لرجُلها، في المقطع الذي أوردناه أعلاه من رؤيا يوحنا.
انطلاقًا من هذا الموقف الفكري نفسه، يعزو الإغريق كل إبداع أدبي وفني يصدر عن الإنسان إلى ربات الفنون والموسيقى اللواتي يلهمن الشُّعراء والرسامين والنحاتين، كما يعزو عرب الجاهلية كل إلهامٍ شِعري إلى مصدرٍ ماورائي يتمثل عندهم بجنِّيَّات وادي عبقر. ومن هنا جاءت كلمة «عبقري» التي تدل على الإنسان الفائق الإبداع، والمتواصل مع منبع الحكمة الخفي. وما زلنا إلى يوم الناس هذا نعزو كل إبداعٍ إنساني إلى «إلهامٍ» يأتي من خارج الإنسان ولا ينبع من داخله. وهذه بقية من تلك التركة الميثولوجية التي لا تنظر إلى الإنسان باعتباره صانعًا لماضيه وحاضره، بل باعتباره أداةً لتنفيذ الخطط الإلهية.
هذا التجاهل لحقيقةِ ما جرى في الماضي، واستبداله بتاريخٍ مقدس تكشف عنه الأساطير، قد جعل الإنسان القديم خارج الصيرورة التاريخية، وبدون ذاكرةٍ دنيوية ذات محتوًى له معنًى ومغزى. ولا أعني هنا، أن المجتمعات القديمة لم تحتفظ على الإطلاق بذاكرةٍ دنيوية وإنما أعني بالدرجة الأولى أن هذه الذاكرة الدنيوية في حال وجودها، لم تلعب دورًا في مساعدة الإنسان على فهم حاضره باعتباره نتاجًا صرفًا لأفعاله ومنجزاته الماضيات؛ فالعبرة هنا ليست بما نحفظه عن الماضي، بل في المعنى الذي نسبغه على ذلك الماضي وفي القيمة التي نعطيها له. وليس المهم هو ما نسجله من الأخبار السالفة أو ما نتذكره من إنجازات الجماعات والأفراد، بل اعتقادنا بأثر ما نسجله أو نتذكره على صيرورة التاريخ، وبمدى فعالية المجهود الإنساني كمحركٍ للتاريخ، وبتعبيرٍ آخر: كيف ننظر إلى التاريخ الدنيوي في مقابل التاريخ المقدس.
لقد ابتدأت الكتابة التاريخية كجنسٍ مستقل عن الأسطورة، عندما لم يعد الإنسان القديم يرى في الأحداث الماضية، أو الأحداث الحاضرة، تداخلًا ماورائيًّا من أي نوع. عند ذلك بدأ التاريخ يتجرد من قدسيته، وأخذ الإنسان يبحث في الأسباب والنتائج من خلال روابطها وصِلاتها الدنيوية الواقعية، ووُلد علم التاريخ الذي حل محل الأسطورة في صنع الذاكرة الجمعية، وقاد إلى تعريف الإنسان بدوره الأساسي في صنع نفسه، وبأهمية نشاطه الخلاق على حركة التاريخ. ورغم أن هذه القفزة قد جاءت كنتيجةٍ من نتائج صراع الفلسفة مع الأسطورة في الثقافة الإغريقية، وما نجم عن ذلك من ظهور المؤرخين الإغريق الأوائل؛ إلا أن المقدمات البعيدة لنشوء الكتابة التاريخية قد أنجزتها ثقافة الشرق القديم. فمنذ أواسط الألف الثالث قبل الميلاد، كانت الممالك السورية والرافدية تحتفظ بأرشيفٍ ملكي متنوع الموضوعات، ويحتوي على عددٍ لا بأس به من الوثائق التي تعطي صورةً عن الأحداث الجارية، وعلى بعض الوثائق التي يمكن اعتبارها بحق نموذجًا جنينيًّا للكتابة التاريخية. من هذه الوثائق لدينا نصٌّ يغطي فترةً طويلة من التاريخ البابلي تُقدر بحوالي سبعة قرون، تبدأ بصعود صارغون الأكادي (حوالي عام ٢٣٠٠ق.م.)، وتنتهي بقدوم الكاشيين الذين أنهوا حكم أسرة حمورابي في بابل. وهذه ترجمتي للنص عن الباحث Leo Oppenheim:
صارغون، ملك أكاد، صعد على العرش في عهد عشتار،٢٣ ولم يكن له منافسٌ أو معارض، فنشر هيبته المرعبة فوق كل البلاد. عبر البحر في الشرق، وقهر بلاد الغرب بكاملها، وفي السنة الحادية عشرة من حُكمه جعلها لسانًا واحدًا، وأقام لنفسه نصبًا تذكاريًّا هناك، ثم جلب جزية الأقطار عبر النهر على الأطواف. أسكن موظفي بلاده حوله في مساحةٍ تبلغ خمسة أميال مضاعفة، وسيطر على أرجاء البلاد بلا منازع. حمل على بلاد كالازا فجعلها خرابًا وأطلالًا، ولم يترك مكانًا يعشعش فيه الطير. في زمن شيخوخته قامت المدن المحكومة بثورةٍ عليه، وضربت الجيوش حصارًا حوله في أكاد، ولكن صارغون شنَّ هجومًا عليهم مفاجئًا، فهزمهم وسحق جيوشهم الجرارة. ثم قامت ضده بلاد سوربارنو بقضِّها وقضيضها، ولكنها ما لبثت أن خضعت أمام جبروت قواته، فعمل على توطين قبائلها الرُّحل في الأرض وجاء بممتلكاتهم إلى أكاد. بعد ذلك عمد صارغون إلى إزاحة التربة عن أساسات مدينة بابل، وبنى فوقها بابل أخرى قريبة من أكاد، فثار غضب الإله العظيم مردوخ بسبب هذا التدنيس، وقضى على شعب صارغون بالمجاعة مديرًا وجهه عنهم، وحرم صارغون من الراحة في قبره.
نارام سن، ابن صارغون، حمل على مدينة أبيشال فحاصرها ونقب سورها، ثم قبض بنفسه على ملكها وعلى نبلائها، كما حمل على بلاد ماجان وقبض بنفسه على ملكها.
شولجي، ابن أورنمو، أولى مدينة إيريدو الواقعة على البحر عنايةً كبيرة، ولكنه أخذ ممتلكات بابل ومعبدها ودنسها، فثار غضب الإله مردوخ وحكم على جثمانه بالدنس.
إيرا إميتي، ملك إيسين، وضع البستاني بل أبني على العرش كملكٍ بديل ووضع على رأسه التاج، ولكن الملك مات في قصره وهو يتناول الطعام، فبقي البستاني على العرض وجرى تنصيبه ملكًا.٢٤
إيلي شامو، كان ملكًا على بلاد آشور في زمن سومر آبو ملك بابل، حمورابي، ملك بابل، جمع جيشه وحمل على رم سن ملك أور فقهره، ثم قهر بعدها مدينة لارسا وأخذ ممتلكاتها إلى بابل … شمسو إيلونا، ابن حمورابي وملك بابل، جمع جيشه وسار ضد رم سن، فقهر أور لارسا، وقبض عليه حيًّا في قصره، ثم حمل على … وألقى الحصار عليها … (فجوة واسعة في الرقيم)، غيليما إيلوم … الماء … بنى … ولكن شمسو إيلونا حمل عليه … وملأت جثثهم البحر. بعد ذلك، شن شمسو إيلونا حملةً أخرى على إيليما إيلوم وشتت جيشه.
أبيشي، ابن شمسو إيلونا، قام … فكر في أن يحتجز مياه الدجلة. نفذ خطته بوضع ردمٍ في النهر، ولكنه لم يستطع القبض على إيليما إيلوم.
في أيام شمسو ديتينا، قامت بلاد حاتي بحملةٍ على أكاد، إيا جميل، ملك بلاد البحر، قام بحملةٍ على عيلام. وبعده، قام أولام بورياش أخو كاشتلياش ملك الكاشيين بحملةٍ على بلاد البحر وقهرها. آغوم بن كاشتلياش، دعا جيوشه وحمل على بلاد البحر فقهر در-إيا، وهدم معبد إيا هناك.٢٥
نلاحظ من قراءتنا لهذا النص، أن الكاتب لم يحاول تقديم مسرد متكامل لتاريخ المنطقة خلال الفترة الزمنية التي يغطيها النص، بل اختار بعض العلامات البارزة في ذلك التاريخ تاركًا الكثير من الفجوات الزمنية الواسعة بينها. كما أنه لم يعمل على تحليل الأحداث وفهمها في سياقاتها التاريخية الصحيحة، ومن خلال علاقة الأسباب بالنتائج. وذلك إضافة إلى اعتماد التفسيرات اللاهوتية في النظر إلى أسباب تفكك وانحلال الدول والممالك. ومع ذلك، فإن أمثال هذا النص من نماذج الكتابة شبه التاريخية، هي التي مهدت لجنس الكتابة التاريخية التي ظهرت أولًا في اليونان ثم في أقطار الشرق القديم. فبعد هيرودتس وتوسيديد وغيرهما ممن باشروا الكتابة في الغرب منذ مطلع القرن الخامس قبل الميلاد، ونظروا إلى الأحداث الماضية والحضارة في معزلٍ عن المعنى الديني. فقد ظهر في ثقافتنا المشرقية أيضًا عددٌ من المؤلفين الذين باشروا نوعًا من الكتابة التاريخية المستقلة عن الأسطورة إلى هذا الحد أو ذاك. ومنهم بيروسوس (برغوشا) البابلي، وفيلو الجبيلي، ومانيتو المصري، ولكن الكتابة التاريخية لم تتحول إلى علمٍ مستقلٍّ تمامًا وملتزم بمناهج البحث والتقصي، إلا في الثقافة الغربية الحديثة ابتداءً من القرن التاسع عشر. إن الذاكرة الإنسانية تبعث اليوم على أوسع نطاقٍ ممكن، في محاولةٍ جبَّارة تطمح إلى استعادة الماضي برمته: ماضي الثقافة وماضي الحياة وماضي الكون، لمعرفة مَن نحن، ولماذا نحن على ما نحن عليه الآن، وإلى أين نسير؟
غير أننا يجب أن نتذكر بأن هذا المشروع الإنساني الكبير مَدين بأصوله إلى الأسطورة. وعندما نتذكر ذلك يجب أن نحذر؛ أن نحذر من الانبثاقات اللاواعية للأسطورة وتسربها إلى علم التاريخ متسربلةً برداءٍ علمي يخفي معالمها الأصيلة. فرغم كل المنطلقات العلمية التي تصدر عنها الكتابة التاريخية الحديثة، فإن نوعًا من النزوع الأسطوري الخفي يبقى كامنًا وراء عمل المؤرخين من جهة، ووراء فهم وتفسير قراء التاريخ لما يقدم إليهم من مادة. ويتضح ذلك بشكلٍ جلي عندما يتم بعث التاريخ القديم كجزءٍ من مشروعٍ قومي شامل، حيث يتحول الهوس القومي إلى هوسٍ تاريخي، وبالعكس. ومثالنا على ذلك ما تم إبان صعود الحركات القومية الحديثة شرقًا وغربًا، عندما كتب التاريخ وجرى تفسيره انطلاقًا من الأوضاع الراهنة، وفي عمليةٍ معكوسة؛ أي إن الماضي صار يُقرأ على ضوء الحاضر وليس العكس. وهذا منطلقٌ ميثولوجي صِرف، أشرنا إلى بعض نماذجه في موضعٍ آخر من هذا البحث. وتعبر هذه النزعة نفسها بطريقةٍ خاصة لدى الأمم المستضعفة التي تحاول الاستناد إلى عصورها الذهبية الخالية، من أجل استمداد العون على مواجهة أوضاعها المتردية الراهنة، وتجاوز عقدة النقص وإحساس الاضطهاد والعجز؛ ذلك أن قراءة التاريخ، شأنها في ذلك شأن الأسطورة، ترمي الإنسان خارج اللحظة الراهنة لتضعه في زمنٍ حقيقي غير متخيل،٢٦ يهبه القوة ويعطيه الإحساس بأنه سليل ذلك البطل أو وريث تلك المرحلة الذهبية التي يؤمل استعادتها؛ وبذلك يحيلنا التاريخ الدنيوي، مرةً أخرى إلى التاريخ المقدس وقد أُلبس حلةً جديدة تليق بالعصر.
أخيرًا، هناك سؤالٌ يطرح نفسه عند هذه المرحلة الختامية من بحثنا، هو: إلى أي حدٍّ يمكن للتاريخ المقدس أن يشفَّ عن تاريخٍ دنيوي؟ وهل نستطيع تلمُّس حوادث تاريخية تحت المستوى الظاهر للحوادث الأسطورية؟
لقد قلت في موضعٍ سابق من هذا البحث أن الأحداث والشخصيات التاريخية لا تخلد في الذاكرة الشعبية إلا من خلال الأسطورة. وهذا يعني أننا قادرون على تلمُّس أحداثٍ تاريخية وراء عملية السرد الميثولوجي في العديد من النصوص الأسطورية، التي هدفت من حيث الأساس إلى الانتقال بسلسلةٍ من الأحداث من مستوى الواقع إلى مستوى الأسطورة. غير أن المعلومات التاريخية التي نستطيع استخلاصها من الأسطورة، لا يمكن الركون إليها في عملية إعادة بناء تاريخ ثقافةٍ ما إذا لم تجرِ مقاطعتها مع المعلومات المستمدة من مصادرَ أخرى، كتابيةً كانت أم أركيولوجية، وذلك وفق منهج علمي منضبط. ولكي أجعل هذه المسألة واضحةً أمام القارئ، سوف أعمد إلى عرض واحدٍ من النماذج الأسطورية المشرقية التي قادتني دراستها إلى اكتشاف النواة التاريخية التي قامت عليها حبكتها الميثولوجية. ونموذجنا هنا هو النص السومري المعروف لدى الباحثين بعنوان: إنكي وإنانا، والذي أقدِّم ترجمتي الكاملة له فيما يأتي:٢٧
(١) إنكي وإنانا – نقل تقاليد الحضارة إلى أوروك
في مطلع هذا النص، نجد الإلهة إنانا، المعبود الرئيسي لمدينة أوروك في مستهل عصر السلالات الأولى (مطلع الألف الثالث قبل الميلاد)، تستعد للسفر إلى موطن الإله إنكي رب الأعماق المائية العذبة والمعبود الرئيسي لمدينة إيريدو العريقة، والتي كانت المركز الرئيسي للثقافة العبيدية السابقة على الثقافة السومرية في وادي الرافدين الجنوبي:
إنانا وضعت على رأسها الشوجار، تاج السهول،
ومضت إلى حظيرة الأغنام، جاءت إلى الراعي،
هناك أسندت ظهرها إلى شجرة التفاح،
وعندما أسندت ظهرها برز فرجها بهجة للناظرين،
فرحت إنانا بفرجها الرائع وأثنت على نفسها، ثم قالت:
«أنا ملكة السموات، سوف أزور إله الحكمة،
سوف أمضي إلى الأبسو، المكان المقدس لإيريدو،
وأقدم فروض الاحترام لإله الحكمة في إيريدو،
وأتلو صلاةً لإنكي عند أعماق الماء العذب.»
ثم اتخذت إنانا طريقها وحيدةً.
أما هدف هذه الرحلة، كما يتضح بعد قليل، فهو رغبة إنانا إلهة مدينة أوروك في الحصول على ألواح نواميس الحضارة التي يحتكرها إنكي إله مدينة إيريدو منذ القدم. وتدعو النصوص السومرية هذه النواميس باﻟ «مي–me»، ومَن امتلكها من الشعوب حاز قصب السبق في ميدان الحضارة وانتقل من البدائية إلى المدنية.
وعندما صارت على مقربةٍ من الأبسو،
ذاك الذي اتسعت أسماعه،
ذاك العليم باﻟ «مي»؛ نواميس السماء والأرض،
ذاك الذي يطلع على أفئدة الآلهة،
إنكي؛ إله الحكمة الذي يعرف كل شيء.
نادى خادمه إيسموند:
«هلمَّ يا مُعيني، هلمَّ إليَّ،
إن الفتاة الشابة على وشك دخول الأبسو،
وعندما تلج إنانا إلى الهيكل المقدس،
قدِّم إليها كعك الزبدة لتأكل،
وصُبَّ لها ماءً باردًا ينعش قلبها،
قدِّم أمامها البيرة عند تمثال السبع،
عامِلْها كندٍّ لنا ولِدْ،
حيِّها عند المائدة المقدسة، مائدة السماء.»
صدَع إيسموند بما أُمر به،
وعندما دخلت إنانا إلى الأبسو،
أعطاها كعك الزبدة لتأكلَ،
وصبَّ لها ماءً باردًا لتشرب،
وقدَّم أمامها البيرة عند تمثال السبع،
عاملها بما يليق بها،
وحياها عند المائدة المقدسة، مائدة السماء.
بعد ذلك يأتي إنكي فيستقبل إنانا ويجلس معها إلى المائدة يعاقران الخمر معًا. يُكثر إنكي من الشراب الذي تحثه عليه إنانا على ما يبدو، وتلعب الخمرة برأسه فيأخذ بالتخلي لإنانا عن نواميس الحضارة مُهديًا إياها واحدًا إثر آخر:
إنكي وإنانا شربا البيرة معًا،
شربا مزيدًا من البيرة معًا،
شربا مزيدًا ومزيدًا من البيرة معًا،
بالأكواب البرونزية الطافحة بالشراب،
بأكواب أوراش أم الأرض،
تبادلا الأنخاب وبارى كلٌّ منهما الآخر.
ثم قال إنكي وهو يرفع نخب إنانا:
«باسم قدرتي، باسم هيكلي المقدس،
سأعطي ابنتي إنانا الكهنوت وناموس الألوهية،
أعطيها التاج النبيل الدائم وعرش الملوكية.»
فأجابت إنانا: أنا أقبل بها.
ويتابع إنكي شرب الأنخاب، ومع كل نخبٍ كان يهبها عددًا من النواميس فتقبلها إنانا. فبعد المجموعات الثماني الأولى من النواميس المتعلقة بالكهنوت والألوهية والمعبد وطقوس خدمة الآلهة وما إليها، ينتقل إنكي إلى إهدائها نواميس الشئون الدنيوية كالزراعة والحرف والموسيقى والتعدين والعدالة … إلخ. وعندما تستلم إنانا النواميس جميعها، تقف أمام إنكي وتقر باستلامها النواميس معددةً إياها واحدًا واحدًا:
لقد أعطاني الأب إنكي نواميس الحضارة،
أعطاني ناموس الكهنوت الأعلى،
أعطاني ناموس الألوهية،
أعطاني ناموس التاج النبيل الدائم،
أعطاني عرش الملوكية،
أعطاني الصولجان النبيل،
أعطاني العصا،
أعطاني قضيب وحبل قياس المسافة،
أعطاني الخنجر والسيف،
أعطاني فن ممارسة الحب،
أعطاني فن تقبيل القضيب،
أعطاني فن الدعارة المقدسة،
أعطاني أدوات الموسيقى الصادحة،
أعطاني فن الغناء،
أعطاني فن اللياقة والكياسة،
أعطاني بيوت السكن الآمنة،
أعطاني حرفة حفر الخشب،
أعطاني حرفة صناعة النحاس،
أعطاني … إلخ.
وبعد أن تنتهي من تعداد ما استلمته من نواميس الحضارة تستعد لمغادرة المكان وإنكي ما زال تحت تأثير الخمرة:
تكلم إنكي مع خادمه إيسموند:
«أي تابعي ومُعيني إيسموند،
إن المرأة الشابة ستتوجه إلى أوروك،
وإني أرغب في وصولها سالمةً إلى مدينتها.»
جمعت إنانا النواميس المقدسة،
وحملتها جميعًا في زورق السماء،
وتم دفع الزورق فانساب بعيدًا عن المرفأ،
وعندما زال مفعول الخمرة من رأس شارب البيرة،
وعندما زال مفعول الخمرة من رأس إنكي،
عندما دارت الخمرة من رأس إله الحكمة العظيم،
تطلَّع إنكي في أرجاء الأبسو،
وجالت عينا ملك الأبسو في أنحاء إيريدو.
جالت عيناه في أنحاء أيريدو ثم نادى خادمه:
– «أي تابعي ومُعيني إيسموند.»
– «ها أنا ذا واقفٌ أمامك مستعدٌّ لخدمتك.»
– «ناموس الكهنوت الأعلى، والألوهية،
والتاج النبيل الدائم، أين هي؟»
– «لقد وهبها مليكي لابنته إنانا.»
يكرر إنكي سؤاله أربع عشرة مرةً ليلقى من إيسموند الجواب نفسه. وفي جوابه الأخير قال إيسموند:
– «لقد وهبها مليكي لابنته إنانا،
لقد وهبها النواميس المقدسة جميعها.»
فالتفت إنكي إلى إيسموند قائلًا:
– «زورق السماء المحمل بالنواميس الإلهية،
أين هو الآن؟»
– «إن زورق السماء في الميناء الأول على الطريق.»
– «امضِ إليه. خذ معك تنانين الإينكوم،
دعهم يرجعون زورق السماء إلى إيريدو.»
وصل إيسموند إلى إنانا وقال:
«أي سيدتي، لقد أرسلني الأب إليك،
وإن كلمة الأب إنكي هي كلمة القانون،
كلمات إنكي ينبغي ألا تُعصى.»
فقالت له إنانا:
– «ما الذي قاله الأب إنكي،
وما الذي زاد في قوله إنكي؟
ما هي كلماته، كلمات القانون التي ينبغي ألا تُعصى؟»
فأجاب إيسموند:
«لقد قال مليكي:
دع إنانا تتابع طريقها إلى أوروك،
واستعدْ زورق السماء والنواميس إلى إيريدو.»
فصرخت إنانا:
– «لقد بدل الأب كلمته التي أعطانيها،
لقد نكث بعهده ولم يفِ بوعده،
ولقد خدعني عندما قال،
خدعني عندما أعلن على الملأ:
باسم قدرتي باسم هيكلي المقدس،
وبخدعةٍ أخرى أرسلك إليَّ.»
وما إن أنهت إنانا كلامها هذا،
حتى انقضَّت تنانين الإينكوم وأمسكت الزورق.
وهنا نادت إنانا خادمتها ننشوبور:
– «لقد كنتِ فيما مضى ملكة الشرق،
والآن أنتِ القيمة المخلصة على هيكل أوروك،
فيا معينتي التي تقدِّم النصح الحكيم،
ويا مقاتلتي التي تحارب في صفِّي،
تعالي أنقذي زورق السماء والنواميس المقدسة.»
ننشوبور شقت الهواء بذراعها،
وأطلقت صرخةً تهز الأرض،
قذفت تنانين الإينكوم وأعادتهم إلى إيريدو.
عند ذلك نادى إنكي خادمه إيسموند مرةً ثانية:
– «أي مُعيني إيسموند،
أين زورق السماء الآن؟»
– «إنه في المرفأ الثاني على الطريق.»
– «امضِ وخذ معك خمسين من عمالقة الأورو،
دعهم يرجعون زورق السماء إلى إيريدو.»
انقضَّ العمالقة الطائرون وأمسكوا بزورق السماء،
ولكن ننشوبور أنقذت الزورق من أيديهم.
عند ذلك نادى إنكي خادمه إيسموند مرةً ثالثة:
– «أي مُعيني إيسموند،
أين زورق السماء الآن؟»
– «لقد دخل لتوِّه محطة دولما.»
– «أسرِع، خذ معك خمسين من وحوش اللاباما،
دعهم يرجعون زورق السماء إلى إيريدو.»
أمسك وحوش اللاباما زورق السماء،
ولكن ننشوبور أنقذت زورق السماء من أيديهم،
في المرة الرابعة أرسل إنكي الكوكالجال ذوي الأصوات الثاقبة.
في المرة الخامسة أرسل إنكي الإينونون.
ولكن ننشوبور أنقذت الزورق من أيديهم في كل مرةٍ.
عند ذلك نادى إنكي خادمه إيسموند للمرة السادسة:
– «أي مُعيني إيسموند،
أين زورق السماء الآن؟»
– «إنه على وشك الدخول إلى أوروك.»
– «أسرع، خذ معك حراس قنال الإيتوروبحال:
دعهم يرجعون زورق السماء إلى إيريدو.»
أمسك إيسموند وحرَّاس القنال زورق السماء،
ولكن ننشوبور أنقذت الزورق من أيديهم.
عند ذلك قالت ننشوبور لإنانا:
– «أي مليكتي، عندما يصل الزورق،
عندما يدخل أوروك من بوابة نيجولا،
دعي الماء يرتفع وينداح في مدينتنا،
ولتمخر المراكب البعيدة المدى بخفةٍ قنواتنا.»
فأجابت إنانا ننشوبور:
«في اليوم الذي يصل فيه زورق السماء.
– في اليوم الذي يدخل عبر بوابة نيجولا،
ليرتفع الماء وينداح في شوارعنا،
ليرتفع الماء ويسري في الممرات،
ليخرج الأطفال فرحين مغنِّين،
ولتحتفل كل أوروك،
ليخرج الكاهن الأعلى ويستقبل الزورق بالأناشيد،
وليتلُ الكاهن الأعلى الصلوات الكبرى،
ليذبح الملك الشياه والثيران قربانًا،
وليسكب من كأسه البيرة تَقدِمةً،
لتضج أصوات الطبل والطنبور،
ولتعزف موسيقى التيغي العذبة،
لتعلن البلاد وتعلي اسمي،
وليسبح كل شعبي بحمدي.»
وهكذا كان،
عند ذلك نادى إنكي خادمه إيسموند:
– «أين زورق السماء الآن؟»
– «إن زورق السماء في الميناء الأبيض.»
– «امضِ، فإنانا قد صنعت عجائب هناك،
الملكة إنانا قد صنعت عجائب في الميناء الأبيض،
صنعت عجائب من زورق السماء.»
وفي هذه الأثناء كانت النواميس تنزل من الزورق،
وعندما انتهى إنزال النواميس التي تلقتها إنانا،
تم إعلانها على الملأ وتقديمها لشعب سومر.
وتكلمت إنانا قائلةً:
– «إن المكان الذي حطَّ به قارب السماء،
سوف يُدعى بالميناء الأبيض.
إن المكان الذي قدمت فيه النواميس،
سوف يُدعى بالميناء اللازوردي.»
وهنا نادى إنكي إنانا قائلًا:
– «باسم قدرتي، باسم هيكلي المقدس،
لتبقَ النواميس التي أخذتها في هيكل مدينتك،
ولينصرف الكاهن الأعلى إلى الإنشاد في الحرم المقدس،
لتزدهر أحوال أوروك،
ويبتهج صغار مدينتك،
ليكن شعب أوروك حليفًا لشعب إيريدو،
ولتتبوأ أوروك مكانتها العظيمة.»
وعلى هذا النحو ينتهي النص. فما هو الحدث التاريخي الذي تقدمه هذه الأسطورة على طريقتها؟





