الأسطورة والتاريخ✍فراس السواح
لم تظهر المستوطنات الزراعية في وادي الرافدين الجنوبي حتى وقتٍ متأخر من الألف السادس قبل الميلاد. ففيما بين أواخر الألف السادس وأوائل الألف الخامس تبدأ المستوطنات الزراعية الأولى بالظهور في هذه المنطقة التي دُعيت فيما بعدُ سومر، وتأخذ بالتشكل ملامح الثقافة التي عُرفت بالثقافة العُبيدية أو ثقافة تل العُبيد، نسبةً إلى أول مواقعها المكتشَفة. ورغم أن هذه الثقافة قد استمدت اسمها من موقع تل العُبيد؛ إلا أن مدينة إريدو كانت أهم وأكبر حواضرها. وقد بلغت هذه المدينة في نهاية فترة حضارة تل العُبيد حجمًا كبيرًا بمقياس ذلك العصر، حيث نافت مساحتها عن عشرت الهكتارات ووصل تعداد سكانها إلى أربعة آلاف نسمة. وهذا أكبر تجمع سكاني حققته الحضارة الإنسانية حتى ذلك الوقت في أي مكان من العالم. أعطت الحضارة العُبيدية فنونًا متقدمة تجلت في الفخاريات الملونة ذات الطابع المتميز والدمى الطينية، وصناعة الأختام. كما تجلَّت في العمارة الراقية التي وضعت الأسس الأولى للعمارة السومرية اللاحقة. وقد تم اكتشاف عددٍ من آيات العمارة العُبيدية متمثلةً بمعابد الإله إنكي المعبود الرئيسي لهذه المدينة. وفي مجال التكنولوجيا، يبدو أن الحضارة العُبيدية قد قدمت عددًا من الابتكارات المهمة وخاصة في مجال الري والفِلاحة والحرف اليدوية. ومن المرجح أن يكون المحراث والعجلة قد ابتُكرا خلال هذه المرحلة.
واستمرت آثار الثقافة العُبيدية قائمةً من حوالي عام ٥٣٠٠ق.م. إلى حوالي عام ٣٣٠٠ق.م. وهنا بدأ الآثاريون يتلمَّسون حلول ثقافة جديدة محلَّها دُعيت بحضارة أوروك. ففي مدينة أوروك تم اكتشاف أولى المصنوعات اليدوية التي أشَّرت إلى بداية هذه الثقافة الجديدة، وكانت أوروك أكبر وأهم مواقعها خلال هذه الفترة التي استمرت إلى حوالي عام ٢٩٠٠ق.م. وقد استطاعت التقنيات الأثرية تتبُّع الانتقال الحضاري من مرحلة العُبيد، حيث كانت إريدو مركز الثقافة في سومر، إلى مرحلة أوروك ١، عندما تحول الثقل الحضاري من إريدو إلى أوروك. كما أمكن لعلماء الآثار تلمُّس التغييرات الواضحة في النواتج المادية التي أشَّرت إلى ذلك الانتقال؛ وذلك من خلال الأساليب الفنية المتبعة في تشكيل الأختام، والأنماط المعمارية والمصنوعات اليدوية وما إليها. ومن أهم الملاحظات الأركيولوجية الخاصة بموضوعنا هنا، أن مدينة إريدو التي استمرت قائمةً خلال فترة أوروك قد تبنَّت الأنماط المعمارية والفنية والأركيولوجية الجديدة. أما أوروك التي كانت عُبيدية الطابع حتى ذلك الوقت فقد أخذت منذ عام ٣٦٠٠ق.م. بإظهار التقاليد الثقافية التي اصطلح الأثاريون على تسميتها بالتقاليد الأوروكية.٢٨
وهذا بالضبط ما حاولت أسطورة إنكي وإنانا أن تنقله إلينا؛ فإنانا الإلهة الرئيسية لمدينة أوروك قد حصلت على نواميس الحضارة من إنكي الإله الرئيسي لمدينة إيريدو. وبانتقال النواميس غابت ثقافة إريدو لتحل محلها ثقافة أوروك. نحن هنا أمام حالةٍ فريدة من تطابق مضمون التاريخ المقدس مع مضمون التاريخ الدنيوي.
ولكن مع التذكير بأن الأسطورة هنا تبقى أمينة للتاريخ المقدس؛ لأنها لا تعطي الإنسان أهميةً تُذكر في صنعِ حضارته وتقرير مصيره.
١ Ernst Cassirer, The Philosophy of Symbolic Forms, New Haven 1977, vol. 2, pp. 104-105.
٢ انظر النص الكامل ومراجعه في مؤلفي «مغامرة العقل الأولى».
٣ Alexander Heidel, The Babylonian Genesis, Phoenix Books, Chicago 1970, p. 63.
٤ من أجل هذا الملخص انظر مساهمة كريمر بفصله عن الميثولوجيا السومرية في الكتاب الذي أشرف على تحريره وساهم فيه عددٌ من الاختصاصيين:
S. N. Kramer, edt. Mythology of the Ancient World, Anchor Books, New York.
وانظر أيضًا مساهمة جاكوبس بفصله عن الميثولوجيا الرافدية في كتاب:
H. Frankfort, edt. Before Philosophy, Pelican Books, London, 1964.
٥ S. N. Kramer, Sumerian Mythology, Harper and Row, New York 1961, pp. 59–61.
٦ J. Vaiud, Egyptian Mythology (in: Larousse Encyclopedia of Mythology, Hamlyn London 1977, p. 11).
٧ من أجل المادة المعلوماتية عن دور حياة أوزيريس، انظر المرجع السابق، ص١٦–١٨.
٨ أقفز هنا فوق قصة خلق الإنسان لأنها مكررة، وقد وردت في الإصحاح الأول.
٩ حول الدلائل العلمية القاطعة على عدم وجود مملكة داود وسليمان، بل حتى على استحالة أن تكون قد وُجدت، راجع مؤلفي:
فراس السواح، آرام دمشق وإسرائيل، في التاريخ والتاريخ التوراتي، دار علاء الدين، دمشق، ١٩٩٥م.
١٠ أخرجه الترمذي في جامع التفسير ٨/٣١٠٨ برقم ٣١٠٨ عن ابن رزين.
١١ يتكرر هذا الحديث في كلام الصوفية. قال السخاوي في كشف الخفاء: قال القاري إن معناه صحيح ومستفاد من قوله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ: أي ليعرفون، على رأي ابن عباس.
١٢ أي إن القرآن الكريم لم يحدد زمان ومكان وقوع أحداث القصص القرآني. فنحن لا ندري فعلًا أين تقع عاد إرم ذات العماد، أو ثمود الذين جابوا الصخر بالواد، ولا الزمن الذي تم فيه تدمير هاتَين المدينتَين، استنادًا إلى النص القرآني وحده. كما أننا لا نستطيع مهما دققنا في نصوص القصص القرآني أن نعرف الفترة الزمنية الفاصلة مثلًا بين بعثة النبي موسى وبعثة عيسى؛ فهذه الفترة قد تكون مائة سنة وقد تكون ألفًا.
١٣ قارن مع مطلع الإينوما إيليش: «عندما في الأعالي لم يكن هناك سماء. وفي الأسفل لم يكن هنالك أرض، لم يكن (من الآلهة) سوى أبسو أبيهم، وممو، وتعامة التي حملت بهم جميعًا، يمزجون أمواههم معًا.» والمقارنة هنا لا تهدف إلى إظهار تأثر التصورات اللاهوتية المسيحية بالتصورات الرافدية، بل إلى التنويه بوحدة الفكر الإنساني وتشابه آليات التفكير عند الإنسان، بصرف النظر عن الزمان واختلاف البيئة والمكان.
١٤ قارن أيضًا مع ما تلا مطلع الإينوما إيليش: «في ذلك الزمن خلق الآلهة في أعماقهم لخمو ولخامو ومنحوا لهما اسميهما. وقبل أن يكبر لخمو ولخامو جاء إلى الوجود أنشار وكيشار، ثم أنجب … إلخ.»
١٥ الملخص الذي أقدمه هنا يعتمد على العرض المفصل للاهوت المسيحي في كتاب:
Alan Watts, Myth and Ritual in Christianity, Thames and Hudson.
١٦ قارن مع تمرد الجيل الثاني من الآلهة على الثالوث البدئي، في الإينوما إيليش.
١٧ قارن مع الإينوما إيليش في فصل المياه البدئية إلى سماء الأرض، وما تلا من خلق مظاهر الطبيعة والحياة، انتهاءً بالإنسان.
١٨ إن قيام آدم بتسمية المخلوقات جميعها عملية ذات دلالتين؛ الأولى أن آدم قد ابتكر اللغة، والثانية أن آدم بتسميته للمخلوقات قد اكتسب السيطرة عليها؛ لأن معرفة اسم كائنٍ ما هي مفتاح التحكم به في المعتقدات القديمة. وهذه نقطة سنتحدث عنها في حينها.
١٩ S. N. Kramer, Sumerian Mythology, op. cit., pp. 53-54.
٢٠ Ibid., pp. 51-52.
٢١ Ibid., pp. 62-63.
٢٢ ميرسيا إلياد: أسطورة العَود الأبدي، ترجمة نهاد خياطة، دار طلاس، دمشق، ١٩٨٧م، ص٢٤.
٢٣ يرد تعبير «عهد عشتار» الوارد هنا في أكثر من نصٍّ بابلي، ولكن دلالته ما زالت غامضةً.
٢٤ عند خسوف القمر، كان الملك السومري يتنازل عن عرشه مؤقتًا لواحدٍ من عامة الشعب؛ لأن وقت الكسوف كان شؤمًا على الملك. كما كان ملوك بابل يتنازلون عن العرش بضعة أيام لواحدٍ من عامة الشعب خلال أعياد رأس السنة، والسادة يخدمون عبيدهم أيضًا، وذلك كجزءٍ من ممارسةٍ طقسية تهدف إلى استحضار حالة الفوضى التي كانت سائدةً قبل أن يحل مردوخ النظام في الكون.
٢٥ Leo Oppenheim, Babylonian Historical Texts, (in: J. Pritchard, edt. Ancient Near Eastern Texts, Princeton 1969, pp. 260– 267).
٢٦ وهذا ما يميز بشكلٍ جذري بين قراءة الرواية وقراءة التاريخ.
٢٧ انظر:
D. Wolkstein and S. N. Kramer, Inanna, Harper and Row, New York 1983, pp. 12–27.
٢٨ انظر هذه المعلومات التاريخية والأركيولوجية بتفصيلٍ أكثر في كتاب:
Charles Redman, The Rise of Civilization, Freeman, San Francisco, 1978.





