الأسطورة والتاريخ✍فراس السواح
بعد الانتهاء من خَلق العالم، جاء الآلهة إلى إنكي طالبين منه أن يخلق لهم مَن يحمل عنهم عبء العمل ويقوم على خدمتهم، فيقوم إنكي بخلق الإنسان، يساعده في ذلك أمه نمو، المياه الأولى، وننماخ الأرض/الأم. تغرف نمو قبضة من طين مياه الأعماق ثم تعجن الطين وتشكله تحت إشراف إنكي وبالتعاون مع ننماخ. وبعد الانتهاء من صنع نموذج الإنسان الأول تقوم ننماخ بإعطائه صورة الآلهة، على حد تعبير النص: «علقت عليه صورة الآلهة». واحتفالًا بهذه المناسبة أقام إنكي وليمةً عامرة دعا إليها بقية الآلهة. وبعد أن شرب إنكي وننماخ الكثير من الخمرة، قامت ننماخ بصنع ستة نماذج بشرية من الطين نفسه ولكنها تحمل عاهات مختلفة، وتحدت إنكي أن يجد لها عملًا مناسبًا ومكانًا في المجتمع، ففعل إنكي ذلك على أكمل وجه. ثم إن إنكي قام من جهته بصنع نموذج لبشريٍّ واهن لا يستطيع حتى تحريك ذراعه، واسمه بالسومرية يعني «إن أيامي موغلةٌ في البُعد». ويوحي لنا هذا الاسم بأن إنكي قد خلق الشيخوخة وأرذل العمر. تحدى إنكي ننماخ أن تجد لمخلوقه هذا وظيفةً ومكانًا في المجتمع ولكنها أخفقت وثار غضبها عليه، فلعنته لعنةً عظيمة غاصت به إلى أعماق الأرض. أما بقية النص فغير واضحة للقراءة.٤ ورغم ذلك فإن رسالته واضحة تتعلق بتفسير أصل الشيخوخة، مثلما تعلقت رسالة أسطورة إنكي وننخرساج بأصل المرض. فإذا كان الإنسان قادرًا على التعامل مع عاهاته وتشوهاته، فإنه يبقى عاجزًا عن فعل أي شيء تجاه الشيخوخة التي لم تستطع الإلهة الأم فعل شيء إزاءها، بعد أن أظهرها إنكي إلى الوجود.
ويبدو أن الإله إنكي كان أكثر الآلهة فعالية في زمان التأصيل. فلدينا أكثر من نصٍّ يصف نشاطاته في التأصيل والتأسيس، وأهمها النص المعروف لدى الباحثين بعنوانه: إنكي ينظم العالم. في هذا النص، نجد إنكي يطوف أرجاء العالم ويقرر لكل قطرٍ مصائره وينشر فيه التقاليد الحضارية، مُظهرًا إلى الوجود كل ما هو نافعٌ ومفيد لحياة الإنسان. عند الجزء الواضح للقراءة من اللوح الفخاري، يصل إنكي إلى بلاد سومر فيعلي من شأنها فوق الأقطار جميعها. ثم يقف عند مدينة أور (التي كانت عاصمة سومر خلال فترة تدوين هذا النص)، فيقرر لها مصائرها ويجعل منها درة البلدان. ثم يتابع إلى بلاد ملوحا فيباركها، وإلى نهر دجلة والفرات فيملؤهما ماءً نقيًّا، ويخلق فيهما السمك، وعلى الشطآن ينثر القصب ويوكل به الإله إينبيلولو. ثم يلتفت إلى البحر فينظم شئونه ويوكل به الإلهة سيرارا. ثم إلى الرياح فيوجهها في مساراته ويوكل بها الإله إشكور، صاحب القفل الفضي الذي يضبط بواسطته هطول المطر. ثم إلى شئون الزراعة وما يتصل بها من أدواتٍ فيخلق المحراث والنير، ويوكل الإله إنكمدو بالقنوات والسواقي. وفي المدن يهتم بالعمران فيقيم للآجر إلهًا خاصًّا، ويحفر الأساسات ويرفع الجدران، ويعين الإله شداما للإشراف على أعمال البناء، ثم يملأ السهول بالعشب والمرعى، وينثر فيها قطعان الماشية ويعين لشئونها الإله سوموقان. ثم يملأ الحظائر باللبن والزبدة ويعين عليها الإله الراعي دوموزي. وعند هذه النقطة يتشوه النص ويغدو غير قابل للقراءة.٥ غير أن هذا الجزء الواضح من النص يكشف عن هوية أسطورتنا باعتبارها تاريخًا مقدسًا متكاملًا للحضارة الإنسانية ولمنطقة سومر على وجه التحديد. وهذا التاريخ الحضاري لا يقوده الإنسان بل الفعالية الإلهية التي توجه التاريخ؛ فالإله إنكي هو الذي ابتدر الزراعة وهو الذي صنع أدواتها الأولى، وهو الذي حفر قنوات الري، وهو الذي صنع الآجر وأشاد البيوت والمدن … إلخ. أما الإنسان فليس إلا عنصرًا منفعلًا في هذا العالم لا يمارس إلا الدور الذي ترسمه له الآلهة.
وفي الميثولوجيا المصرية، نستطيع متابعة مراحل التاريخ المقدس نفسها، أي من السرمدية إلى الزمن الكوزموغوني إلى زمن الأصول والتنظيم في مطالع التاريخ.
تتمثل السرمدية في الأوقيانوس المائي البدئي نون، والذي يعادل الأمواه الثلاثة المتمازجة في الإينوما إيليش. فوق هذه المياه المبدئية كانت تحوم روحٌ لا شكل لها ولا هوية، ثم تركزت في داخل هذه الروح تدريجيًّا كل أشكال الوجود، وصار اسمها آتوم. والاسم في اللغة المصرية يعني العدم، ويعني في الوقت نفسه الاكتمال. وفي لحظةٍ معينة انبثق آتوم من هذه الكينونة الأولى وتجلى تحت اسم رع، ومعه ابتدأ الزمن الكوزموغوني. فقد أنجب رع توءمين هما الهواء شو والرطوبة تفنوت. وأنجب هذان الزوجان بدورهما السماء نوت والأرض حبيب، ومن وزاج السماء والأرض وُلد أوزوريس وإيزيس وسيت.٦
مع الانتهاء من الزمن الكوزموغوني، ندخل زمن الأصول الذي يلعب فيه الإله أوزيريس الدور الرئيسي. كان أوزيريس أول ملك في الأرض. وقد كرَّس نفسه منذ البداية لتنظيم شئون العالم مبتدئًا مهمته في مصر، حيث أبطل العادات الهمجية السائدة، وعلَّم الناس كيفية صناعة الأدوات الزراعية واستخدامها في استنبات القمح والشعير، كما علَّمهم أكل الخبز وشرب النبيذ والجعة وبناء البيوت والموسيقى، وأسس للديانة الأولى وعلم البشر عبادة الآلهة. وبعد أن أرسى التقاليد الحضارية في مصر، أوكل زوجته إيزيس بحكم البلاد وسافر إلى آسيا وبقية أرجاء المعمورة، ليعلِّم البشر في كل مكان ما علَّمه للمصريين، مستميلًا إليه الناس باللين والمحبة، ناشرًا تعاليمه بواسطة الأغاني والموسيقى، ثم قفل عائدًا إلى مصر وحكمها بالعدل والقسطاس.٧ عند هذه النقطة ينتهي الطور الأول من حياة أوزيريس ويبدأ الطور الثاني؛ ذلك أن هذه اليوتوبيا التي صنعها هذا الإله لم تكن لتدوم طويلًا. لقد دخل الشر المسرح الكوني ممثلًا بالإله سيت الأخ التوءم لأوزيريس. كان سيت يكن لأخيه حسدًا وضغينة منذ البداية، ويعمل خفيةً على تخريب كل ما يبنيه. وفي السنة الثامنة والعشرين من حكم أوزيريس، دبر سيت له مكيدةً فقتله غيلة ووضع جسده في صندوقٍ خشبي ألقاه في النيل الذي حمله إلى البحر. فتقوم زوجته إيزيس بالبحث عن الصندوق في كل مكان، وتجده أخيرًا في مدينة جبيل الكنعانية وتعود به إلى مصر حيث تخبئه مؤقتًا في مستنقعات الدلتا. يعرف سيت بعودة الصندوق فيبحث عنه ويجده، ثم يمزق جسد أوزيريس إلى أربع عشرة قطعة يوزعها في طول البلاد وعرضها. ولكن إيزيس تهبُّ ثانيةً للبحث عن أجزاء زوجها فتجدها وتجمع بعضها إلى بعض ثم تنفخ فيها الحياة. يُبعث أوزيريس من الموت ولكنه لا يفضِّل البقاء في عالمٍ دب فيه الفساد، ويهبط مختارًا إلى العالم الأسفل ليغدو حاكمًا هناك وقاضيًا يحاكم الموتى في دنياهم الثانية، بينما يتابع ابنه حورس مقارعة عمه سيت، ويستمر الصراع بين القوتين الكونيتين، قوة النور والخير وقوة الظلام والشر.
في هذه الأسطورة المصرية، نقف مرةً أخرى أمام رؤية الإنسان القديم للتاريخ باعتبارها تجليًا لفعاليات الآلهة في الزمن، وللوضع الراهن للإنسان باعتباره نتاجًا لما باشرته القوى الإلهية في الأزمنة الميثولوجية التي تلت الخلق والتكوين. غير أن الميثولوجيا المصرية تضيف إلى هذه الرؤية للتاريخ عنصرًا جديدًا لم نألفه في الميثولوجيا قاطبةً قبل ظهور الزرادشتية؛ فالإنسان محكومٌ بصراعٍ كوني بين قوة الخير وقوة الشر، انطلق عقب الخلق والتكوين وابتداء تاريخ الإنسان والآلهة. وعلى الفرد أن يختار الوقوف إلى جانب إحدى هاتَين القوتَين ويعبِّر من خلال سلوكه في الحياة عن خياره وموقفه. وبما أن الإله الذي استهل تاريخ الإنسان ووضع الملامح العامة لأصول التحضر البشري، هو نفسه الإله الذي تحوَّل إلى حاكم في العالم الأسفل وقاضٍ يحاسب الموتى على ما قدَّموه في الحياة الدنيا، ويقرر مصيرهم بين النعيم والجحيم، فإن التاريخ بأكمله يغدو مجالًا لامتحان البشر في عالم الصراع الكوني هذا، ويغدو الخلق والتكوين وصيرورة الزمن مجرد مقدمة للوقفة الأخيرة التي يقفها الميت أمام الميزان المنصوب في قاعة أوزيريس المدعوة بقاعة العدالة.
هذه الفكرة المصرية عن معنى التاريخ وغاياته، سوف تظهر بأشكالٍ شتى في المعتقدات المشرقية ابتداءً من الزرادشتية في القرن السابع قبل الميلاد، وما تلاها من الديانات المعروفة تاريخيًّا باسم الديانات السماوية؛ فهنا لا يتوقف التاريخ المقدس عند زمن الأصول وما يعقبه من تداخلاتٍ عرضية للمشيئة الإلهية في حياة المجتمعات الإنسانية (الطوفان السومرية، هلاك مدينة أور … إلخ)، بل ينسحب هذا التاريخ على كامل صيرورة الزمن بدءًا من التكوين وانتهاءً بالقيامة الأخيرة، التي تؤشر لنهاية الزمن وعودة الحيوانات إلى السرمدية التي نشأت عنها.
ترسم الميثولوجيا التوراتية صورةً للسرمدية السابقة على التكوين، أشبه بالصورة التي رسمتها الميثولوجيا المصرية، عندما كانت روحًا بلا هوية أو شكلًا تحوم فوق المياه الأزلية. ففي البدء لم يكن سوى لجَّة ماء وظلمة وروح الرب يرف فوق سطح الغمر (التكوين ١: ١-٢). ثم تقرر الألوهة الخروج من حالة الكمون هذه، فتُظهر نفسها من خلال خلق مظاهر الكون الذي يكتمل في خمسة أيام. وفي اليوم السادس يقوم الإله، الذي وعى نفسه الآن من خلال الكون الذي صدر عنه، يخلق الإنسان؛ ذلك أنَّ فعل الخلق نفسه، وظهور الكون عن الخالق، لا يكفي في حد ذاته لكي يستكمل الإله الخالق إظهار نفسه. فلقد صار الآن ذاتًا واعية، وهو في حاجةٍ إلى ذاتٍ واعية مثله؛ لأن الكون بكل عظمته يبقى خلقًا أصمَّ، وليس بمقدوره أن يعكس عظمة الخالق وحضوره في الزمن. أما الإنسان، فإنه المخلوق الوحيد الذي يتمتع بالوعي، والذي بمقدوره أن يحس بذلك الحضور الفائق للإله ويتملَّى عظمته. وهكذا ظهر الإنسان، وكان خلقه بمثابة آخر الفعاليات المبدعة للألوهة في الزمن الكوزموغوني. وبعد خلق الإنسان استراح الخالق في اليوم السابع الذي يقع على الحد الفاصل بين الزمن الكوزموغوني والزمن التاريخي.
بعد ذلك تبدأ فعاليات الألوهة في زمن الأصول وبدايات التاريخ. ونقرأ في الإصحاح ٢ من سِفر التكوين: «كل شجر البرِّية لم يكن بعدُ في الأرض، وكل عشب البرِّية لم ينبت بعدُ؛ لأن الرب الإله لم يكن قد أمطر على الأرض، ولا كان إنسان ليعمل على الأرض. ثم كان ضباب يطلع ويسقي كل وجه الأرض٨ … وغرس الرب الإله جنةً في عدن شرقًا ووضع هناك آدم الذي جبله. وأنبت الرب الرب الإله من كل شجرةٍ شهية للنظر وجيدة للأكل، وشجرة الحياة في وسط الجنة وشجرة معرفة الخير والشر.» يلي ذلك قصة خلق المرأة الأولى من ضلع آدم، ووصيته لهما أن يأكلا من كل شجر الجنة إلا شجرة معرفة الخير والشر. يليها قصة إغواء الحية لحواء بالأكل من ثمار الشجرة وكيف أعطت آدم ليأكل منها أيضًا، وما تبع ذلك من خسرانهما للجنة وطردهما إلى الأرض ليعملا فيها وذريتهما.
من قراءة قصة الأصول هذه نلاحظ كيف تم القفز فوق معظم تفاصيل الأصول التي ركزت عليها الميثولولجيا المشرقية السابقة في مقابل التركيز على أصلٍ واحد، هو: أصل الخطيئة؛ لأن التاريخ من وجهة نظر التوراة هو تاريخ للخطيئة بامتياز، ويسير عبر النمط المتكرر التالي: خطيئة ← عقاب جماعي رادع ← توبة ← خطيئة … إلخ. إن كل ما يتلو خروج آدم وحواء من الجنة والدخول في زمن الأرض، ليس إلا إبانة عن المشيئة الإلهية في التاريخ. فمن قابيل وهابيل، إلى تكاثر الناس وتجمُّعهم في بابل وتشتيتهم في بقاع الأرض، إلى الطوفان العظيم، إلى اختيار الإله لشعبه الخاص، ومسيرة هذا الشعب عبر كل المصائب والمحن التي أحاقت به بسبب خطاياه، وصولًا إلى دمار الهيكل الأول، وما تلاه من سبيٍ فعودة فدمارٍ ثانٍ، جميعها فصول في ميثولوجيا توراتية تفصح عن مقاصد الإله في حياة الناس. ويتخذ كل حدث فيها معناه ومغزاه من هذه الصلة التي لا تنفصم مع الإرادة الإلهية. من هنا، فإن ميثولوجيا الأصول هنا، ليست وقفًا على الإصحاحات الأولى من سِفر التكوين، بل تنسحب على فصول الكتاب جميعها، والذي يمكن اعتباره بحقٍّ كتابًا في ميثولوجيا الأصول، ومثالًا على التاريخ المقدس بامتياز. إن قارئ التوراة المطلع على تاريخ منطقة الشرق القديم، يلاحظ بسهولةٍ تامةٍ كيف تجاهل محررو الأسفار التوراتية تاريخ هذه المنطقة برمته، ولم يركزوا إلا على تلك السلسلة من الأحداث التي قادت إلى تشكيل مملكة داود وسليمان (التي نعرف الآن بشكلٍ مؤكد أنها لم توجد في يومٍ من الأيام)،٩ ثم إلى انهيارها، فإلى قيام مملكتَي إسرائيل ويهوذا؛ فالسبي الآشوري والبابلي؛ فالعودة من أجل انتظار المسيح، ملك اليهود الأرضي الذي سيمهد الطريق لحلول مملكة الرب التي يديرها الإله بشكلٍ مباشر.
هذه السلسلة من الأحداث لا تتخذ معناها من خلال السياقات الحقيقية لتاريخ المنطقة، ولا من خلال علاقة النتائج بأسبابها الفعلية، بل من خلال سلسلة من السياقات الميثولوجية القائمة على تداخل المشيئة العلوية في التاريخ. إن ما يُدعى بالتاريخ التوراتي ليس في حقيقة الأمر إلا مجموعة فصول في ميثولوجيا توراتية، تبدأ بالتكوين وخطيئة الإنسان الأولى، وتنتهي بقيام ملكوت الرب على الأرض.
وفي المعتقدات الإسلامية نستطيع تتبع مراحل التاريخ المقدس في كتاب الله وسنَّة رسوله. لدينا حديثٌ شريف يعبر أبلغ تعبيرٍ عن حالة الكمون التي كانت عليها الألوهة قبل أن تتجلى من خلال فعل الخلق؛ فقد سئل رسول الله ﷺ: «أين كان الله قبل أن يخلق خلقه؟ فأجاب: كان في عماء، ما فوقه هواء وما تحته هواء، وخلق عرشه على الماء.»١٠ والعماء في اللغة هو الغيم الرقيق الأبيض. وهذه الألوهة المتسربلة بالسرمدية، قد أعلنت عن نفسها وتجلَّت من خلال فعل التكوين الذي جعلها حاضرةً ومعروفة في وعي المخلوق. نقرأ في حديثٍ شريف قدسي: «كنت كنزًا مخفيًّا لا أُعرف. فخلقت الخلق، فبه عرفوني.»١١
ولدينا آية كريمة تشرح الأحوال الثلاثة المتعاقبة للألوهة، من السرمدية إلى الزمن الكوزموغوني إلى التاريخ. نقرأ في سورة هود ٧: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا. فمنذ الأزل، لم يكن سوى الذات الإلهية والماء المخلوق. ثم خلق الله السموات والأرض في ستة أيام. وبعد الخلق يبدأ التاريخ، وهدفه زج الإنسان في الامتحان الكبير بين الخير والشر لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، في انتظار نهاية الزمن، يوم القيامة الذي يشهد تدمير الكون وحشْر الناس جميعًا إلى ربهم من أجل الحساب. لقد خلق الله الإنسان ووهبه الحرية في الاختيار بين الخير والشر، اللذَين تمايزا بعد عصيان إبليس وخطيئة آدم: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا* قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (الشمس: ٧–١٠). من هنا فإن حركة التاريخ تدور حول محورٍ قوامه: الرحمن والإنسان والشيطان، فكلما طغى الشيطان قومًا فزاغت قلوبهم عن معرفة الله وعبادته، جاءهم نذيرٌ من عند ربهم يردهم إلى جادة الصواب. ويتتابع تاريخ الإنسان بكامله وفق نمط متكرر: هداية ← غواية ← رسالة سماوية ← هداية … إلخ. وقد يتبع الرسالة السماوية في حال استمرارهم العصيان عقاب سماوي عاجل: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (الإسراء: ١٥)، وَكَم مِن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (الأعراف: ٤)، وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (الشعراء: ٢٠٨)، وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (الكهف: ٥٩).
ورغم أن القرآن الكريم قد سرد أحداث الماضي، منذ الخليقة إلى البعثة المحمدية، دون أن يضعها في سياق كرونولوجي، حيث بقي القصص القرآني معلقًا في فضاءٍ تاريخيٍّ وجغرافيٍّ تام.١٢ إلا أن وجهة النظر القرآنية في التاريخ واضحة كل الوضوح. إنه صيرورة تدفعها رحمة الخالق الذي جعل الإنسان حرًّا في اختيار مصيره، ولكنه بقي في الوقت ذاته حريصًا على هدايته وحسن آخرته: يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ۚ مَا يَأْتِيهِم مِن رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (يس: ٣٠)، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (الملك: ٢).
تعطف هذه الآية الكريمة الأخيرة على سابقتها التي تقول: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا؛ فالتاريخ الذي ابتدأ بالخلق والتكوين وظهور الموت وتمايز الخير والشر، يسير في اتجاهٍ خطِّيٍّ حثيث نحو نهايته في يوم القيامة والحساب، وهدفه اختبار الإنسان ومعرفة مدى التزامه بالمهمة الموكلة إليه على الأرض كخليفة للخالق. وليس الحساب إلا إعادة للتوازن الذي أخلَّ به البشر عبر التاريخ من خلال أفعال الإنسان الخبيثة. غير أن ما يميز هذا التاريخ المقدس الذي يشف عن مقاصد المشيئة الإلهية في عالم البشر، عن مثله في المعتقد التوراتي، هو أن مسرح المشيئة الإلهية لم يعد مقتصرًا على شعبٍ مختار واحد، وإنما اتسع ليشمل الإنسانية جمعاء. ومعرفة هذا التاريخ هي نوعٌ من العظة، تساعد الأفراد والجماعات على التوافق مع أهدافه وغاياته.
وفي المسيحية، تتخذ واقعة التجسد، تجسد الألوهة في التاريخ من خلال يسوع ابن الإنسان، مكان البؤرة في تاريخ الكون وتاريخ البشرية. وانطلاقًا من هذه الواقعة تجري قراءة التاريخ صعودًا نحو الخلق والتكوين وهبوطًا نحو نهاية العالم. وسوف أقدِّم فيما يأتي لمحةً موجزة عن هذا التاريخ المقدس، كما رسمه آباء الكنيسة في العصور الوسطى، اعتمادًا على الإشارات المتفرقة في الأناجيل وفي كتابات الرسل. إن مَن يقرأ أعمال أولئك الآباء المؤسسين، من أمثال القديس أوغسطين وتوما الإكويني وديونيسيوس، يلاحظ إلى أي حدٍّ كان الفكر المسيحي في العصور الوسطى يتجاهل (أو لعله لم يكن يعرف) كل ما يقع خارج هذا التاريخ المقدس من أحداث العالم.
ففي البدء كان الكلمة. والكلمة كان عند الله. الله كان الكلمة. به كان كل شيء وبغيره لم يكن شيء مما كان — على ما نقرأ في مطلع إنجيل يوحنا.
في غياهب السرمدية، كانت الألوهة منكفئة على ذاتها، ومنطوية على ثلاثة كياناتٍ إلهية، هي الأب والابن والروح القدس. وبقدر ما كانت هذه الكيانات مستقلة بعضها عن بعض، بقدر ما كانت متحدة في الجوهر مشكِّلة كلًّا لا ينفصم هو الإله السرمدي الواحد. ومنذ الأزل كان الابن يتولد على الدوام من الأب، والروح القدس يصدر عن كليهما. وكان الابن موضوع حب الأب، والروح القدس هو الحب الذي يسري بين القطبين مغلقًا دارة الألوهة المكتملة المكتفية.١٣ ورغم أن الله في تناغمه السرمدي هذا كان في غنى عن خَلق كل ما سواه؛ إلا أن دارة الحب المنكفئة على ذاتها قد فاضت، حتى جاء وقت قرر فيه الله أن يُظهر إلى الوجود أول أشكال خلقه، فصدر أمر الكلمة، ونشأ عن أمر الكلمة صنف من المخلوقات الخالدة هم الملائكة. توضَّعت هذه المخلوقات في أفلاك حول الذات الإلهية، كنقاط ضوء تعكس أشكالًا لا حصر لها من ذلك الإشعاع المركزي الذي وهبها الحياة.١٤ ومنذ البداية، أوكلت لهؤلاء الملائكة مهمة مزدوجة؛ الأولى هي التنعم بمجد الخالق، والثانية هي التوسط بينه وبين الكون المخلوق الذي سيظهر بعدهم إلى الوجود.١٥
ولقد جاء الملائكة إلى الوجود ككائناتٍ حرة الإرادة؛ لأنه بدون الحرية لم يكن لهؤلاء أن ينجزوا مهمتهم التي خُلقوا لها، وهي المقدرة على الحب؛ فالحب الذي هو جوهر الألوهة لا معنى له إذا لم يوهب عن حريةٍ وعن اختيار. وقد كان الله على علمٍ أكيد بكل ما تنطوي عليه هذه الحرية من مخاطر؛ لأن الكائن الحر في أن يحب هو حرٌّ أيضًا في أن يكره، وما من شيءٍ يضمن الكيفية التي ستُستخدم بها حريته. وأكثر من ذلك، فقد كان الله على علمٍ أيضًا بأن نعمة الحرية هذه سوف تُستغل من قِبل البعض في العصيان وفي مخالفة المشيئة الإلهية، ولكن الغاية الأخيرة المزروعة في صلب مخطط الخلق، كانت على درجةٍ من الروعة تجعل مثل هذه المخاطر مسوغة. وهكذا كان. فمن بين الملائكة المقربين في الفلك الأول، ظهر ملاك استخدم حريته في التمرد والعصيان، وأحدث شرخًا في ذلك الكمال البدئي.
كان اسم ذلك الملاك لوسيفر. والاسم يعني ناشر الضياء. وكان الأكثر جمالًا وبهاءً بين رهط الملائكة وذروة في كمال صنعة الخالق. أمعن لوسيفر النظر إلى قلب الثالوث المقدس، وأخذ يشارك الألوهة معرفتها للمستقبل، ثم رأى ما أدهشه وسبَّب له صدمةً كبيرة، رأى أن الله كان يعد مكانًا أعلى منزلةً لمخلوقٍ جديد مصنوع من جسدٍ مادي، وأن هذا المخلوق سوف يفوقه في سلَّم المراتب السماوية. وأكثر من ذلك، فإن امرأة ستغدو ملكةً عليه وعلى بقية الملائكة (أي السيدة مريم بعد صعودها إلى السماء)، وأن الإله الابن سوف يحل في جسدٍ بشري من جنس هذا المخلوق الجديد. عند ذلك، وبدافعٍ من حريته الكاملة، قرر تفضيل مجده الملائكي على الغاية الإلهية، والعصيان على تقديم الطاعة لمَن هو أدنى منه مرتبةً، وذلك رغم علمه بما سيجرُّه عليه هذا العصيان من لعنةٍ أبدية. أعلن لوسيفر تمرده، ووقف إلى جانبه وتبعه آلاف من الملائكة الآخرين،١٦ بعد أن نقل إليهم ما عرف من أمور المستقبل، وتولوا مديرين وجوههم عن بؤرة النور الأعظم، فقادهم إلى تخوم الظلمة التحتية التي تترامى فوق العدم، حيث تحوَّل لوسيفر إلى إبليس وأتباعه من الملائكة الساقطين إلى شياطين. ثم رسم إبليس له ولهم مهمتهم المقبلة وهي معاكسة عمل الخالق وتخريب ما هو صالح، وعلى وجه الخصوص إفساد الإنسان الذي كان عليهم في الأصل إجلاله وتقديره.
بعد ذلك، تستمر خطة الخلق انطلاقًا من الماء، وهو أول ظهور مادي غير متمايز. فمن الماء صنع الله السماء والأرض وبقية مظاهر الكون والطبيعة في ستة أيام انتهت بخلق الإنسان.١٧ أخذ الخالق حفنةً من تراب الأرض وصنع منها آدم على صورته ثم نفخ في أنفه نسمة الحياة، فجاء نموذجًا للإنسان الكامل الذي أراده خالقه. وقد وهبه الله حرية الإرادة مثلما وهبها للملائكة من قبله، وجعله سيدًا على الأرض وعلى مخلوقاتها جميعها. وجاء إليه بكل ما يدب على الأرض أو يطير في السماء أو يسبح في الماء، فعرضها أمامه صنفًا صنفًا فأعطى آدم لكل صنفٍ اسمه.١٨ وبما أن آدم كان خليفة الله على الأرض، فقد غرس من أجله في الأرض جنةً تُناظر الجنة السماوية، وفجَّر فيها نهرًا ينقسم إلى أربعة فروع، وأنبت في وسطها شجرة الحياة وشجرة معرفة الخير والشر. ثم خلق الله المرأة من ضلع آدم لتكون له رفيقًا، وأمرهما أن يأكلا من شجر الجنة جميعه ولا يقربا شجرة المعرفة؛ لأنهما إن أكلا منها سيلحقهما الموت عاجلًا أم آجلًا، ولكن الإنسان استعمل حريته في معصية خالقه، مثلما فعل لوسيفر والملائكة الساقطون من قبله، وأكل من الشجرة المحرمة بتحريضٍ من إبليس الذي تسلل إلى الجنة في هيئة حية، فكان عقابه الطرد من الجنة إلى الأرض القاحلة ليعمل فيها ويكد من أجل لقمته. ومنذ ذلك الوقت ظهر الألم والمرض ودخل الموت في نسيج الحياة، بسبب خطيئة الإنسان الأصلية.
لقد كان الله على علمٍ منذ البداية أن الحرية التي مُنحت للوسيفر وللإنسان، سوف تُستخدم في المعصية التي تزرع بذرة الفساد في صميم الخلق. من هنا فقد أضمر الله منذ البداية أيضًا خطةً لتصحيح ذلك كله، من شأنها تقديم الخلاص للإنسان وللعالم. لقد قرر أن يتجسد في الوقت المناسب في العالم المادي كأحد مخلوقاته، ويدخل في دورة الحياة والموت التي صنعها بنفسه؛ لكي يقدم للعالم خلاصًا ويحرره من اللعنة القديمة. وهكذا تجسدت الألوهة في زمن الناس، وهبط الإله الابن من السماء فعاش على الأرض ردحًا في جسد يسوع الناصري المولود من السيدة العذراء، وكابد شقاء البشر وتعرَّض للعذاب الذي انتهى بالموت على الصليب؛ وبذلك افتدت الذبيحة الإلهية، وهي القربان الكامل، الإنسان، وفتحت أمامه باب الخلاص والدخول إلى الأبدية. من هنا، كانت واقعة التجسد مركز التاريخ؛ تاريخ الكون وتاريخ الإنسان.
خلال الفترة التي جرى خلالها تشكيل وبلورة اللاهوت المسيحي على يد آباء الكنيسة، وخصوصًا فيما بين القرن الثامن والقرن الرابع عشر الميلادي، كانت قراءة التاريخ بالنسبة للفكر الغربي تعني فقط التأمل في رمزية هذه الرواية المقدسة. وانطلاقًا من هذا الموقف الفكري، فقد جرت قراءة كتاب التوراة (الذي صار الآن يدعى بالعهد القديم) بشكلٍ معكوس؛ أي ابتداءً من قدوم المسيح، واعتُبرت كل أحداثه بمثابة صور مسبقة ونبوءات لما تلاها، فقصة الخلق وسقوط الإنسان لم تُقرأ على ضوء مضامينها الميثولوجية، بل على ضوء اللاهوت المتطور لعقيدة التثليث، ولمبادئ الخلق والتكوين التي رسمها كبار اللاهوتيين. أما بقية المفاصل الرئيسية في الرواية التوراتية فقد وُضعت في تقابلٍ وتناظر مع أحداث العهد الجديد، باعتبارها ممهدة ومفسرة لها. فشجرة المعرفة تقف في تقابلٍ مع شجرة الصليب. ويسوع هو آدم الثاني الذي به يحيا الجميع، في مقابل آدم الأول الذي به مات الجميع. ومريم العذراء هي حواء الثانية التي حملت بثمرة البقاء، مقابل حواء الأولى التي حملت بثمرة الفناء. وحادثة الخروج من مصر التي حملت خلاصًا أرضيًّا لشعب إسرائيل، تقابل حادثة بعث المسيح الذي حمل خلاصًا روحيًّا للإنسانية. وتضحية إبراهيم بابنه إسحاق وقبول هذا لها، تقابل تضحية الإله الأب بابنه وقبول هذا لها. ومملكة داود وسليمان التي تشكِّل ذروة الرواية التوراتية، تقابل ملكوت الرب المقبل الذي سيحققه السيد المسيح في نهاية الأزمان … إلخ.
انطلاقًا من هذه الرؤية إلى التاريخ، لم يكن الفكر الغربي المسيحي ينظر إلى الأحداث السابقة على المسيحية، إلا باعتبارها فترةً مظلمة لم يعرف الناس خلالها الله إلا من خلال ظلال قاتمة لا تعكس مجده الحقيقي، بما في ذلك كامل المدة التي تغطيها أحداث العهد القديم؛ فالتاريخ يبدأ بآدم، ثم يبدأ بداية أخرى جديدة بالمسيح. وليس الزمن الفاصل بين هاتَين البدايتَين إلا عصر جاهلية إنسانية، حيث كانت البشرية تنتظر المخلص. لقد عكس قدوم المخلص مبدأ السبب والنتيجة في الصيرورة التاريخية. فبدلًا من أن يُقرأ الحاضر على ضوء الماضي باعتباره نتيجة منطقية له، صارح الحاضر (أي تجسد المسيح) سببًا لكل الأحداث الماضية التي صارت تُفهم على ضوئه.
نعود الآن من هذه الجولة التي استعرضنا خلالها عددًا من نماذج التاريخ المقدس، لنقول بأن كل ما سقناه أعلاه، يشير إلى رغبة الإنسان القديم في الاحتفاظ بنوعٍ من الذاكرة الجمعية التي تعطي وجوده في هذا العالم امتلاءً ومعنى. فهذه الفترة القصيرة التي يحياها الفرد أو الجيل ليست معلقةً في الفراغ، بل إنها نقطةٌ في سياق طويل ذي مغزى حفظته الأساطير؛ فالأسطورة تزود الإنسان بذاكرةٍ تاريخية تعطيه إحساسًا بوجود مسوِّغ لحياته، وبدون هذه الذاكرة يصير الإنسان إلى حالة أشبه بالموت؛ لأن نسيان الماضي هو نوعٌ من أنواع الموت؛ فالموت نسيان، والموتى الهابطون إلى العالم الأسفل، في الميثولوجيا الإغريقية، يشربون في طريقهم من نبع النسيان لكي يقضوا حياة الآخرة بدون ذاكرة؛ أي بدون تاريخ. غير أن ما يفرق الذاكرة الجمعية الأسطورية عن الذاكرة الجمعية الأخرى التي يصنعها علم التاريخ، هو محتوى كل منهما (كما ألمحنا إلى ذلك في البداية)؛ فالتاريخ الأسطوري لا يحفل بغير الأحداث الناجمة عن تداخل عالم الآلهة بعالم البشر، وهو يغفل الأحداث الدنيوية العادية ولا يرى فيها ما يستحق العناية بجمعها وحفظها وتذكرها. فإذا قُيِّض لحادثةٍ ما أو شخصيةٍ ما أن تخلد في الذاكرة، فإن ذلك لن يتأتَّى إلا عن طريق أسطرتها، وارتفاعها من مستوى الواقع إلى مستوى الحدث الميثولوجي. فملوك المدن الإغريقية القدماء من أمثال يوليسيس وآغاممنون ومينيلاوس، وأبطالها الخالدون من أمثال أخيل ويوليسيس، لم تصل أخبارهم أسماع الإغريق إلا بعد إلباسهم حلة ميثولوجية أصيلة. ومن بين جميع ملوك سومر القدماء، لم تحتفظ الذاكرة الشعبية إلا بسيرة جلجامش ملك مدينة أوروك، الذي خلد من خلال الأسطورة لا من خلال التاريخ، ومثله الملك سيف بن ذي يزن عند عرب ما قبل الإسلام، والملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة لدى الأنكلوساكسون.
إن الأشخاص التاريخيين والأحداث التاريخية بشكلٍ عام، لا ترسخ في الذاكرة الجمعية للإنسان القديم إلا لفترةٍ وجيزة من الزمن، لا تلبث بعدها أن تتلاشى أو يتغير وجهها بفعل الأسطورة. ففي دراستنا لنص دمار مدينة أور السومرية (انظر فصل الأسطورة والمعنى)، رأينا كيف تم انتزاع هذه الحادثة من سياقها التاريخي ومن جملة ترابطاتها الواقعية، ونقلت إلى المستوى الميثولوجي؛ فالنص لم يذكر أية معلومات عن هوية الجيش الغازي، ولا عن المقدمات التاريخية التي قادت إلى حصار المدينة واستباحتها، بل اكتفى بوصف الدمار الذي حل بالمدينة، والمحاولات اليائسة التي قامت بها إلهة المدينة وإلهها من أجل إقناع مجمع الآلهة بالتراجع عن قرارهم في تدمير أور. وينطلق محررو التوراة من الموقف الفكري نفسه، عندما يصفون دمار أورشليم وترحيل أهلها إلى بابل، تاركين القارئ في جهلٍ تام بالظروف والملابسات التاريخية التي أدت إلى حصار المدينة وتدميرها؛ لأن هذه المصيبة قد حلت بقرارٍ إلهي من الرب عقوبةً على آثام يهوذا وعصيانهم. والحادثة برمتها ليست موضع تأمُّل تاريخي بل تأمُّل ديني. وبما أن هذه المدينة لن تعود إلى سابق عهدها أبدًا، فإن الرؤى المسيحية اللاحقة تختتم الأسطورة بنزول أورشليم جديدة من السماء لتتحقق على الأرض. نقرأ في رؤيا يوحنا ٢١: ٢ «وأنا يوحنا رأيت المدينة المقدسة، أورشليم الجديدة، نازلةً من السماء من عند الرب، مهيأةً كالعروس المزينة لرجُلها.»
إن عناية الإنسان القديم بالتاريخ المقدس وتجاهله للتاريخ الدنيوي، قد دفعه إلى تجاهل دوره تمامًا في حركة التاريخ، فهو يعزو إلى الآلهة كل المنجزات الحضارية والابتكارات التكنولوجية التي قادت عملية الارتقاء والتقدم؛ فالإله لا الإنسان كان أول فلاح وأول راعٍ، وأول من حلب البقر وصنع الزبدة والجبن، وأول من طحن وخبز الخبز، وأول من صنع المحراث. نقرأ في نصٍّ سومري يحكي عن أصل الحبوب وأصل تأهيل الماشية، فيرجعها إلى الإله لهار الذي كان أول مَن ربَّى الماشية، وأخته أشنان التي كانت أول مَن زرع الحبوب:





