دهشة الانتظار وكسْر الطفولة: قراءة في قصيدة ‘لا أتقن العبور’ لكريمة الحسيني✍️القراءة النقدية : عبد العزيز الخبشي


عنوان القصيدة: لا أتقن العبور.
—
لا أتقن العبور
مازلت أقف هناك
حيث تركني أهلي
أترقب عودتهم
محملين بالضحكاتِ والفرحِ
ولباس العيد واللعبِ
أنتظرُ… وأنتظر
ولم يأتوا
يا ويحَ قَلبي
ويا ويحَ دَهري
كيف خان العيد أهلي
بعثر شملي
وأسكتَ فرحي
أسكت فرحي
كريمة الحسيني- تونس
في قصيدة “لا أتقن العبور”، تسجل الشاعرة كريمة الحسيني لحظة وجدانية مشبعة بالحزن والانكسار، عبر استرجاع ذاتي لطفولة منكسرة، واحتفال غائب، وذاكرة مجروحة لا تزال عالقة في نقطة واحدة من الزمن، عند “الوقوف”، وليس العبور. النص يحمل قوة دلالية مركزة، تتجسد في صور بسيطة، لكنها دامغة في أثرها النفسي، مستندة إلى اقتصاد لغوي يعمّق الدلالة ويكثف الوجع. وفي هذا التحليل، سنعتمد المنهج النفسي والمنهج البنيوي، مستفيدين من أفق التأويل الذي يتيحه تحليل التمثلات الرمزية والصور الشعرية.
—
1. المعجم العاطفي والبنية النفسية للقصيدة.
تنفتح القصيدة بمفتاح شعوري واضح: “لا أتقن العبور”، وهي عبارة تنوس بين الفشل في تجاوز الماضي، والعجز عن التكيف مع الحاضر، أو التخلي عن لحظة حاسمة كانت فيها الذات تنتظر الفرح، لكنها لم تنله. هذه الجملة الاستهلالية تعلن عن تمركز الذات في لحظة انكسار، وتعطيل للزمن؛ إذ يتحول الزمن من سيرورة طبيعية إلى تكرار عبثي للانتظار، ما يُدخل النص في أفق التراجيديا النفسية.
البيت الثاني: “مازلت أقف هناك”، هو توكيد لهذا التمركز الزمني والنفسي في لحظة ماضية لم تستطع الشاعرة تجاوزها. الوقوف هنا ليس موقفًا جسديًا فحسب، بل موقف نفسي وجودي: رفض للعبور، أو عجز عنه، بسبب خذلان قديم خلّف شرخًا في بنية الذات.
إن تواتر أفعال الانتظار – “أترقب”، “أنتظر” – يرسّخ صورة الطفلة العالقة على حافة حلمٍ مكسور. الطفلة في القصيدة ليست صورة ماضٍ تم تجاوزه، بل هي ما زالت حاضرة كندبة في كينونة المتكلمة، تعيش في النص بكل ما تحمله من شوق وخيبة.
—
2. البنية الزمنية وإشكالية التوقف.
الزمن في النص غير خطي؛ يتوقف عند لحظة لم تكتمل: “لحظة عيد”، “لحظة انتظار”، “لحظة أمل”، لكنها لم تتحقق. هذه المفارقة الزمنية بين الأمل بالقدوم والخذلان بالفقد، تنعكس في تكرار الأفعال المنقوصة (“أنتظر… ولم يأتوا”)، ما يشير إلى ثبات الحاضر وتآكل المستقبل، وارتكاس الذاكرة في الماضي.
فالقصيدة كلها تقف في نقطة واحدة: “هناك”، تلك النقطة النفسية التي تركها فيها “أهلي”، ومعهم رحل العيد والفرح والألوان. “هناك” تتحول إلى رمز مكاني، لكنه أكثر من مكان، إنها نقطة القطيعة بين عالم الطفولة (المليء بالضحكات) والعالم اللاحق المليء بالصمت والخذلان.
—
3. الصورة الشعرية والرمز: العيد كجثة معلّقة.
العيد، وهو رمزٌ ثقافي مركزي في النص، لا يظهر كبهجة، بل ككذبة كبرى، إذ تقول الشاعرة: “كيف خان العيد أهلي”. الخيانة هنا لا تخص الأشخاص فقط، بل تطال الزمن الرمزي الذي يُفترض أن يجلب الفرح. فالعيد الذي هو عادةً زمن التئام وفرح جماعي، تحوّل إلى “مذبح للفرح”، خان الجماعة، و”بعثر الشمل”، و”أسكت الفرح”.
والعيد، من حيث كونه رمزًا للانتماء العائلي والديني والاجتماعي، يتحول في النص إلى لحظة كشف وانكشاف، إذ يظهر فشل الجماعة (الأهل) في الوفاء بالعهد، وفشل الطقوس في تحقيق وظيفتها: الإدماج والاحتفاء. يصبح العيد “جثة” من المعنى، خاليًا من ضحكاته وألبسته وألعابه.
—
4. الطفلة/الذات: بين البراءة والخذلان.
الشخصية الرئيسية في النص هي “الطفلة” التي تقف وحيدة في عالمٍ لم تعد تفهمه. تحضر هنا ثنائية البراءة/الخذلان بشكل صادم. فالطفلة، رمز الطهارة والنقاء، تُترك وحيدة في موقف انتظار أبدي، تحلم بما لا يأتي، وتحرم من أبسط مظاهر الاحتفال: الضحك، اللباس، اللعب.
ولا تحيل هذه الصور إلى حرمان مادي فقط، بل إلى فقد وجداني عميق، فالأهم هو غياب الجماعة (الأهل)، وانكسار صورة الطمأنينة والانتماء التي كانت ترتبط بهم. لقد هُجرت الطفلة، لا فقط من طرف الأهل، بل من طرف المعنى، من طرف النظام الاجتماعي والطقوسي الذي كان يُفترض أن يحتضنها.
—
5. الإيقاع والتكرار: تأبيد الانتظار.
من الناحية الإيقاعية، تتميز القصيدة بانسياب هادئ لكنه مشحون. فالجمل قصيرة، متلاحقة، تُحدث أثرًا درامياً داخلياً، يُشبه ضربات قلب متسارعة بفعل الخذلان. ويلاحظ تكرار فعل “أنتظر” مرتين، وتكرار “أسكت فرحي” كخاتمة، ما يعكس تمركزًا حول الشعور ذاته، وعدم القدرة على تجاوزه، بل تأبيده عبر التكرار.
إن التكرار هنا ليس حشوًا بل آلية بنيوية ونفسية في آن، تؤكد على استعصاء النسيان، وعلى فشل الذات في التحول أو الانفكاك من الأسر الرمزي لتلك اللحظة القاتلة.
—
6. المنظور الذاتي وشعرية الاعتراف.
القصيدة تكتب من منظور ضمير المتكلمة “أنا”، لكنها ليست “أنا” فردية محضة، بل “أنا” تجمع بين الطفلة والراشدة. فالتجربة التي تروى هي ماضوية، لكن الأثر حاضر، ما يجعل النص يشبه شهادة وجدانية أو اعتراف شعري، تتكلم فيه الراشدة عن الجرح الذي لم يلتئم في طفولتها. هذا ما يضفي على النص طابعًا حميميًا بليغًا، ويقرّب القارئ من التجربة لا كحدث خارجي، بل كمعاناة داخلية قابلة للمشاركة والتعاطف.
—
7. المسكوت عنه وبلاغة الاختزال.
ما لم يُقَل في القصيدة هو ما يملأ فراغاتها. لا نعرف لمَ غاب الأهل، ولا ما الذي حدث بالضبط، ولكن الصمت الذي يلف هذا الغياب يُنتج أثرًا بالغًا. فبلاغة النص لا تكمن في ما تُصرح به الشاعرة، بل فيما تخفيه بذكاء مؤلم، لتترك للقارئ مهمة التفسير والتأويل.
ربما يكون الغياب موتًا، أو فقرًا، أو تهجيرًا قسريًا، أو قطيعة، أو خيانة اجتماعية… لكن أياً كان السبب، فإن الفراغ الذي يخلّفه هذا الغياب هو ما يشكّل جوهر القصيدة. بلاغة الحسيني هنا تتجلى في اختزال المعاناة إلى صور بسيطة: طفلة تنتظر، ضحكات لم تأتِ، فرح أسكِت.
—
خاتمة: القصيدة كمرآة للجرح الجمعي
في الأخير، لا يمكن اعتبار هذه القصيدة مجرد تأمل ذاتي في ذكرى شخصية، بل هي تتجاوز الخاص إلى العام. إنها ترصد أثر الخذلان العائلي والاجتماعي على الكائن الهش، وتنتقد ضمنيًا هشاشة البُنى التي تُفترض حمايتها. قصيدة “لا أتقن العبور” هي صوتٌ من أصوات الطفلات المهمشات والمنسيات في هامش العالم، اللواتي ينتظرن في صمت، ويُسكت فرحهن، دون أن تلتفت إليهن الاحتفالات الرسمية.
إنها قصيدة مقاومة بالصمت، عبر طفلة رفضت عبور الجرح، لأنها تعرف أن الطرف الآخر من الجسر قد لا يحمل شيئًا غير المزيد من الانتظار.





