متى سنراك؟ ✍️ عبد العزيز الخبشي- المغرب

كانت الشمس قد بدأت تنسحب خلف جبل “مزيات” عندما وصلتُ إلى محطة القرية الصغيرة. كل شيء كان يبدو كما تركته قبل ثلاث سنوات، باستثناء ذلك الشيب الذي غزا رؤوس الرجال عند مقهى “الدموني”، وسيدة عجوز تجلس بجوار دكان البريد تنتظر رسائل لا تأتي.
أعدت ترتيب حقيبتي الصغيرة على كتفي، ومشيت بخطى حذرة كأنني أدوس على أطياف من الذاكرة. كنت أعرف أن البيت هناك، قرب شجرة اللوز اليابسة، وأن الباب الخشبي القديم ما زال يئن كلما فُتح، وما زالت أمي، على الأرجح، تنتظرني خلف ستائر المطبخ تسأل جدتي بصوت خافت:
– “متى سنراه؟”
ويجيء صوت الجدة، خافتاً كأوراد المساء:
– “عندما يتعب، سيعود… الرجال لا يثبتون إلا حين ينكسر شيء فيهم.”
لكنني لم أعد لأنني انكسرت، بل عدت لأنني – أخيراً – أصبحت قادراً على النظر في عينيها دون أن أفر.
حين دفعت باب البيت، لم أسمع سوى صمت ثقيل. رائحة الزيتون، والقهوة السوداء، ونبتة الشيح في الزاوية… كل شيء كان كما هو، وكأنه لا يشيخ. وحدها صورة أبي على الحائط أصبحت أكثر اصفراراً.
دخلت أمي من المطبخ تمسح يديها بمنديل مبلل، ووقفت كأنها تنتظر تأكيداً من السماء. عيناها لم تتغيرا، فيهما ذلك الحزن الهادئ الذي لا يصرخ. حدقت بي طويلاً، ثم قالت بصوتها الذي يشبه حفيف الورق اليابس:
– “أخوك ينتظرك… هناك.”
وأشارت إلى الغرفة التي كانت يوماً لنا نحن الاثنين.
دخلت الغرفة. وجدته جالساً على فراشه، جسده نحيل أكثر مما كان، لكن عينيه تحتفظان ببريق الطفولة.
قال لي:
– “تأخرت.”
لم أجد جواباً. جلست إلى جواره، ومددت يدي بهدوء، لامستُ أصابعه التي بدت كأغصان شجرة شتوية.
– “أردت أن أراك قبل أن…”
صوته تلاشى في هواء الغرفة، كأنه لم يكمل الجملة عمداً.
طوال المساء، جلسنا معاً. لم نتكلم كثيراً. أمي كانت تراقبنا من المطبخ وتدور كطيف خفيف بيننا، تُحضر الشاي، وتفتح النوافذ، وتغلقها ثانية. الجدة كانت قد ماتت قبل عام، قال لي ذلك بصوت متعب، وابتسم قائلاً:
– “توصيني بك كل ليلة، حتى آخر همسة.”
– “وأنا؟ ألم أسأل عنها؟”
– “سألت كثيراً، لكن بصمتك…”
في الليل، حين نام الجميع، خرجت إلى الشرفة. الهواء بارد، وقريتنا التي اعتدت أن أهرب منها أصبحت حضناً دافئاً يغريني بالبقاء. تذكرت طفولتي، والأراجيح الخشبية، وصرخاتنا في الليالي المقمرة.
ثم تسللت إلى غرفة أخي، وجدته مستيقظاً، ينظر إلى السقف.
– “هل تذكر؟”
قالها فجأة.
– “ماذا؟”
– “ليلتنا في الغار، حين ضيعنا الطريق؟”
ضحكت.
– “وكيف لا؟ كنا نرتجف مثل قطط بللها المطر.”
– “كنت تبكي، لكنك قلت لي: لا تخف، سنراهم غداً.”
سكت، ثم أضاف:
– “أنا الذي خفت، لكن كذبتُ عليك.”
أدرت وجهي نحوه. رأيت دمعة صغيرة تتعلق برموشه.
– “لا تخف الآن، أنا هنا.”
ابتسم وقال:
– “أخشى أني سأسبقك مرة أخرى…”
—
مرّت أيام، وأنا أراقبه يتناقص شيئاً فشيئاً، كأن الموت يمسح حضوره برفق لا يخلو من حنان. أمي كانت قوية، لا تشتكي، لكنها تنام متأخرة وتصحو متعبة. كنت أسمعها تهمس عند باب غرفته:
– “متى سنراك؟ متى نراك واقفاً تمشي في الساحة، تصرخ كعادتك؟”
ثم تمسح دمعتها وتدير وجهها حتى لا نراها.
وذات مساء، خرجتُ لشراء بعض الحاجيات، وعندما عدت، كانت أمي تجلس على الأرض، ترتجف، وقد وضعت رأسه في حجرها.
– “غفا، ولن يصحو…”
قالتها بصوت أقرب إلى الدعاء منه إلى الحزن.
بكيتُ كما لم أبكِ منذ سنين. بكيتُ أخي، وصمت الجدة، وانتظار أمي، وطفولتنا التي ضاعت بين المدن والخرائط. بكيت لأني لم أعد قبل أن يفوت الأوان، ولأني كنت أظن أن العودة لا تحتاج موعداً.
في جنازته، سار الجميع في صمت. حتى الجبل انحنى قليلاً كأنه يودعه. وعندما أنزلناه في التراب، نظرت أمي إلى السماء، وقالت بصوت مسموع:
– “الآن فقط… رأيناه.”
ثم انهارت.
—
مرت أشهر. صرت أعيش في البيت. رمّمت الغرفة، وأعدت الحياة إلى شجرة اللوز. زرعت مكان قبره شتلة ورد، كانت الجدة تحبها، وكتبت على شاهد القبر:
“سنراك… حين تشتد الحاجة إلى الحلم.”
أمي لم تعد تذكر الأيام جيداً. تخلط الليل بالنهار، وتجلس قرب النافذة تسألني كل صباح:
– “هل جاء؟ هل دخل علينا دون أن نشعر؟”
فأجيبها:
– “جاء… وهو الآن في كل شيء: في الشاي، في العصافير، في الغيم.”
فتبتسم، ثم تغني لحناً من طفولتنا، وتقول كأنها تخاطب الغياب:
– “متى سنراك؟”
ذات مساء، وأنا أرتب أشياءه القديمة، وجدتُ رسالة في أحد دفاتره. كانت بخط يده، مؤرخة قبل عامين.
كتب فيها:
“أعلم أنك ستعود، لا أدري متى، لكنني متأكد أنك ستأتي. فقط، حين تفهم أن العودة ليست اعتذاراً، بل إيمان بأن الحب لا يموت. متى سنراك؟ حين تقدر أن تقول لي: أنا هنا، ولن أرحل ثانية.”
قرأت الرسالة مراراً. بكيت، ثم ضحكت، ثم خرجت إلى الشرفة.
الليل صامت. لكنني، لأول مرة، شعرت أنه يراني.





