مقالات نقدية

سُكْرُ اَلْفَجْرِ فِي كَأْسِ اَلْحُّبِ: قراءة في مقولة الشاعرة التونسية آمال بوحرب – عبد العزيز الخبشي- المغرب

“أَيُّهَا الحُبُّ، قُلْ لِي: أَيْنَ تُرَاقُ خَمْرَة الفَجْرِ؟” هكذا تُسائل الشاعرة التونسية آمال بوحرب جوهر الوجد الإنساني من بوابة الحب، لا باعتباره مجرد علاقة وجدانية عابرة، بل ككائنٍ حيّ يتجاوز الحضور البشري إلى بعد رمزي أوسع، فيصير “الحب” ذاته مخاطَبًا، لا شعورًا يُخاطِب. تندرج هذه المقولة في سياق شعريّ وجوديّ يتوسل طابع الاستبطان والتأمل الفلسفي، لتشكّل جملة واحدة حبلى بالتوترات الرمزية واللغوية التي تدعو القارئ إلى الوقوف لا أمام صورة شعرية، بل أمام معمار دلاليّ متكامل، تُستدرَج فيه الذات المتأملة إلى تخوم السؤال الأنطولوجي، عبر مسلك جمالي ينهل من الموروث الصوفي، ويتقاطع مع الحس الحداثي في تفكيك العلاقة بين اللغة والعالم، بين العاشق والمعنى.

منهجياً، نجد أنفسنا أمام ضرورة استحضار منهج مركّب، يقوم على التحليل البنيوي للغة النص، دون إغفال الامتدادات التأويلية التي يتيحها المنهج الرمزي والصوفي، حيث تتجاور الدوال في فضاء شعري يؤسس لشحنة دلالية غير مستقرة، تُبقي القارئ في حالة من التردد الخلّاق. فالسؤال الشعري هنا لا يبحث عن جواب بقدر ما يؤسس لمساحة من القلق المعرفي، تجعل من القصيدة طقسًا وجوديًا.

نبدأ بالمنادى: “أَيُّهَا الحُبُّ”، وهي صيغة تجريدية تحوّل المفهوم إلى كائن، والجميل أن الشاعرة لم تخاطب حبيبًا أو معشوقًا بعينه، بل اختارت أن تنادي “الحب” ذاته، ما يمنح النص بُعدًا فلسفيًا يجعل من العلاقة الوجدانية سؤالًا حول ماهية الشعور الإنساني في أصفى تجلياته. وهذا التشييء للمجرد، أو إضفاء الكينونة على مفهوم معنوي، يُستقى من التقاليد الصوفية التي ما انفكّت تُخاطب المعاني بصيغة الكائنات، كما في تراث الحلاج أو ابن عربي. لكن بينما كان الصوفي يخاطب الحق، تخاطب الشاعرة آمال بوحرب الحبّ، بما هو امتداد أرضيّ لمعنى سماويّ، أو ربّما وهمٌ بهيّ يخاتل الوجود.

أما الشطر الثاني: “أَيْنَ تُرَاقُ خَمْرَةُ الفَجْرِ؟”، فيُصعد الاشتغال الرمزي إلى مداه الأقصى. إن “خمر الفجر” تركيبة مفعمة بالصور المتداخلة: الخمر دلالة النشوة والغياب، لكنها هنا تُنسَب إلى “الفجر”، أي لحظة النور الأول، أو ميلاد الضوء من رحم الظلمة، ما يمنحها بعدًا طهوريًا، يُناقض البُعد المألوف للخمر كلذة تغيب بالعقل. هكذا نكتشف أن الشاعرة تعيد تركيب الحواس والرموز، فيجعل من الخمر ما يُراق عند لحظة إشراق، ويجعل من النور فعل سُكرٍ وتخلٍّ عن الصحو المعتاد. واللافت أن الشاعرة لا تسأل “لماذا”، بل “أين”، ما يحيلنا على البُعد المكاني في الشعور، أي على سؤال عن موقع التجلي، عن المكان الذي يصير فيه الحبّ ذروةً من نشوة، وعن تلك اللحظة التي يلتقي فيها العاشق بالمعنى. بهذا، يصبح السؤال بحثًا عن موضع استثنائيّ خارج التكرار، عن فسحة تقع على هامش اليومي، تُراق فيها “خمرة” ليست مادية، بل وجودية وشعورية.

تتداخل هنا دلالات “الخمرة” في الموروث العربي، بين التصوف واللغة الحسية. فالخمر في لغة ابن الفارض هي رمزية الحق والمعرفة الإلهية التي تُسكر الوعي وتكشف الحُجب، وهي كذلك رمز للفتنة الجمالية كما عند أبي نواس والمتنبي. لكن الشاعرة آمال بوحرب لا تقف عند الموروث، بل تنقله إلى حداثة اللغة، فتضع “الخمرة” في لحظة الفجر، أي في اللحظة التي يُفترض فيها أن تنقشع الغشاوة، لا أن تشتد. هنا المفارقة الشعرية تتجلّى في أن السُكر لا يقع ليلًا بل فجرًا، في لحظة الانبعاث، وكأن الحقيقة لا تُكتشف إلا في لحظة من سُكر الحواس، لا من صفاء العقل.

يتضمن النص أيضًا تحويلاً في علاقة الإنسان بالزمن. فالفجر، عادة، هو بداية، لكن هنا يُصوّر ككأسٍ تراق، أي كنهايةٍ، كفقد. وكأن الشاعرة تُشير إلى أن الجمال لحظة عابرة، تُراق كما تُراق الخمرة، وتُستهلك بسرعة، قبل أن تدرك الذات عمق التجربة. فالحب، في هذا السياق، ليس قصة تُروى، بل لحظة تُسكَر وتُفقد، لحظة تذوب كما يذوب الضوء في وهج النهار. وهذا التوتر بين البدايات والنهايات، بين النور والسُكر، يفتح أفقًا تأويليًا يمزج بين الزمن الشعري والزمن الوجودي، ويجعل من النص تأملاً في المصير العاطفي والمعرفي للإنسان: أين نُولد؟ أين نُضيء؟ وأين يُراق الحبّ، إذا ما جاء على هيئة فجرٍ في كأسٍ من سُكر؟

ومن الزاوية البنيوية، تُظهر المقولة توازنًا إيقاعيًا واضحًا، مع اعتماد على الصيغة الخطابية (نداء + استفهام)، ما يمنحها توترًا دراميًا داخليًا. فالمتلقي لا يكتفي بالتلقي، بل يُستدعى للمشاركة، ويُدفع إلى السؤال بدوره. “قل لي” ليست مجرد طلب، بل هي صيغة وجودية لإنقاذ الذات من التيه، وفي الآن ذاته اعتراف ضمني بأن الحب يملك من الإجابة ما لا تملكه الذات المتسائلة. وهنا تتكرس سلطة الحب كمرشد، لا كعاطفة، ككائن خارج الذات يملك مفاتيح الفهم، ما يعيدنا إلى البنية الصوفية للمخاطبة، حيث الحبّ هو الدليل والغاية، وهو مَن “يُسقي”، لا مَن “يُروى”.

إن قصيدة آمال بوحرب بهذا التركيب تُمثل تجربة شعرية مكثفة، تُعانق الحس الميتافيزيقي وتُضيء بهجة الاكتشاف اللغوي. في جملة واحدة فقط، تُقيم الشاعرة معمارًا جماليًا يختصر رؤيا كاملة عن الحب بوصفه سُكرًا لا يُضبط، ونورًا لا يُدرك، وكأسًا تُراق لا تُمسك، ما يجعل من هذه المقولة نصًا مفتوحًا، تتداخل فيه التجربة الذاتية بالتراث الجمعي، وتتشابك فيه الصورة الشعرية بالهواجس الفلسفية الكبرى للإنسان: أين نُولد؟ أين نُضيء؟ وأين يُراق الحبّ، إذا ما جاء على هيئة فجرٍ في كأسٍ من سُكر؟

بهذه الرؤية، يغدو الشعر سؤالًا معلقًا، وجوابًا معرّى من الغرور، وتغدو اللغة أداة حفرٍ في جدار المعنى، لا مرآةً تكتفي بعكس الانفعالات العابرة.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading