مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

تفكيك الجسد واستعادة الذات: قراءة نقدية موسعة في قصيدة “الأنثى والثعبان” لكريمة الحسيني – عبد العزيز الخبشي- المغرب

صورتان في إطارين ملونين، واحدة لامرأة ترتدي نظارات شمسية وتبتسم، والأخرى لرجل يرتدي بدلة وربطة عنق، مع خلفية ملونة.

القصيدة

إلى حدِّ البارحة

كنتُ سأنتزعُ قلبي

وأخرجُ إلى العالم

امرأةً أخرى

تتنفَّسُ من صدرها الذي لا يضخُّ دماً

بين رئتَيها فراغٌ كبيرٌ وصفيرٌ

كلَّما تنفَّستْ ظنَّتْ أنَّ العالمَ لعبة مُجزَّأة

لا تتقنُ تركيبَها.

لم تنتبهْ أنَّ وراء كلِّ جزءٍ رقماً

عليها فقط ترتيبها

وسيكونُ العالمُ بين يديها

وتأخذُ نفساً عميقاً كلَّما انتصرت.

إلى حدِّ البارحة

كنتُ سأنتزعُ نهدي

وأجلسُ على الشاطئ

أرسم من خيوط الدخان

حكايات في أحضان الغيم

لا أحدَ من المارِّين أمامي سيشتهي لثمي

أو النظرَ في وجهي

سيضحكون ربّما

أو سيقولون باستهزاء : امرأةٌ بلا نهدٍ

كانت مُعلَّقةً في السماء

كما قالت جدَّاتُنا

المرأةُ الغاويةُ

تُعلَّقُ بمشابك من ثديها

إلى حدِّ البارحة

كنتُ سأقطعُ شفتيَّ

وأمشي بأسنانٍ مكشوفةٍ

شفتي السُّفلى بارعةٌ في الجُرم

وشفتي العُليا

لا تعصي أوامرَ أختها السُّفلى

إلى حدِّ البارحة

كنتُ سأُلقي بأنوثتي

في فمِ الثعبان

وأمشي كهيكلٍ عظميٍّ

خرجَ للتوِّ من المجازر

بلا قلبٍ

بلا نهدٍ

بلا شفاهٍ

بلا مشاعرٍ

كريمة الحسيني – تونس.

تندرج قصيدة “الأنثى والثعبان” للشاعرة التونسية كريمة الحسيني ضمن الكتابة الشعرية النسوية الحديثة التي تجعل من الجسد فضاءً للصراع الرمزي، ومن اللغة وسيلةً لتعرية البنيات الثقافية العميقة التي تحاصر المرأة وتعيد إنتاج صورها النمطية. إنها قصيدة تتجاوز البوح الذاتي إلى مساءلة الوجود الإنساني نفسه، حيث تتحول الأنوثة من معطى بيولوجي إلى سؤال فلسفي وثقافي يتصل بالحرية والهوية والكرامة.

واللافت أن النص لا يتحدث عن المرأة باعتبارها فرداً معزولاً، بل باعتبارها تمثيلاً لجماعة كاملة من النساء اللواتي يحملن إرثاً ثقيلاً من الأحكام المسبقة والتصورات الموروثة. فالأنا المتكلمة تتحول تدريجياً إلى ضمير جمعي يختزن ذاكرة الأنثى في الثقافة العربية والإنسانية على السواء.

منذ العنوان، تضعنا الشاعرة أمام ثنائية رمزية شديدة الثراء: “الأنثى” و”الثعبان”. فالأنثى تحيل إلى الحياة والخصوبة والحب والجمال، بينما يحضر الثعبان بوصفه أحد أكثر الرموز التباساً في الذاكرة الإنسانية. فهو في الموروث الديني رمز للإغواء والخطيئة، وفي الأساطير القديمة رمز للتحول والتجدد والحكمة الخفية، وفي التحليل النفسي يمثل القوى الدفينة والرغبات المكبوتة.

ومن ثم فإن العنوان لا يؤسس لصراع خارجي بين كائنين مختلفين، بل لصراع داخلي بين صورتين متقابلتين داخل الذات نفسها: صورة الأنثى كما تريد أن تكون، وصورتها كما صاغتها المخيلة الاجتماعية عبر قرون طويلة من التمثلات والأساطير والخرافات.

تعتمد القصيدة على التكرار البنائي لعبارة:

 “إلى حدِّ البارحة”

وهو تكرار يمنح النص إيقاعاً اعترافياً خاصاً، ويؤسس لزمن نفسي أكثر منه زمناً كرونولوجياً. فالبارحة هنا ليست يوماً مضى، بل مرحلة كاملة من المعاناة الوجودية.

إنها تشير إلى لحظة التردد التي تسبق التحول، وإلى المسافة الفاصلة بين ذات كانت تستسلم لصور القهر، وذات بدأت تدرك إمكان إعادة بناء نفسها. ولذلك يبدو التكرار وكأنه دقات متتالية على باب الوعي قبل الانبعاث.

يفتتح النص بالفعل الصادم:

 “كنتُ سأنتزعُ قلبي”

ويحمل القلب هنا دلالات تتجاوز العضو البيولوجي إلى كونه مركز المشاعر والرحمة والحنين والحب.

وتكشف هذه الصورة عن رغبة دفينة في التخلص من هشاشة الإحساس التي تجعل الإنسان عرضة للخذلان والألم. فالمرأة لا تريد التخلص من القلب لأنه مصدر للحياة، بل لأنه أصبح مصدراً للنزيف العاطفي المتواصل.

غير أن الشاعرة سرعان ما تكتشف أن انتزاع القلب لا يقود إلى التحرر، بل إلى الفراغ:

 “بين رئتَيها فراغٌ كبيرٌ وصفيرٌ”

ويتحول الفراغ هنا إلى استعارة وجودية كبرى.

فالإنسان الذي يتخلى عن عاطفته لا يتحول إلى كائن قوي، بل إلى كائن أجوف يفقد قدرته على التواصل مع العالم. وهنا تلامس القصيدة أسئلة فلسفية عميقة حول معنى الإنسانية نفسها: هل يمكن النجاة من الألم دون التضحية بالقدرة على الحب؟

ثم تنتقل الشاعرة إلى رمز الثدي:

 “كنتُ سأنتزعُ نهدي”

والثدي في المخيال الإنساني ليس مجرد عضو جسدي، بل رمز مركزي للأمومة والخصوبة والعطاء.

غير أن النص يكشف المفارقة المأساوية التي تجعل المجتمع ينظر إلى هذا الرمز المزدوج بوصفه موضوعاً للشهوة من جهة، وموضوعاً للرقابة الأخلاقية من جهة أخرى. وهكذا يصبح الجسد الأنثوي سجناً رمزياً لا تستطيع المرأة الإفلات من أحكامه.

ويتجلى هذا البعد بوضوح في استدعاء الموروث الشعبي:

 “المرأة الغاوية تُعلَّقُ بمشابك من ثديها”

وهي صورة قاسية تنتمي إلى المخزون التخييلي للجماعة.

إن الشاعرة هنا لا تستعيد الحكاية الشعبية لغايات زخرفية، بل تكشف كيف تحولت الثقافة الشعبية في كثير من الأحيان إلى أداة لإعادة إنتاج الخوف من المرأة وربط أنوثتها بالخطيئة والعقاب. إننا أمام نقد ثقافي عميق للذاكرة الجمعية التي كثيراً ما مارست العنف الرمزي ضد الجسد الأنثوي.

وفي المقطع الثالث تتجه القصيدة نحو الشفاه:

 “كنتُ سأقطعُ شفتيَّ”

وتمثل الشفاه في النص أكثر من مجرد عنصر جمالي.

إنها رمز للكلام والرأي والاعتراف والرغبة والاحتجاج. ولذلك فإن قطعها لا يعني تشويه الجسد فقط، بل يعني أيضاً إعدام الصوت ومصادرة الحق في التعبير.

وحين تقول الشاعرة:

 “شفتي السفلى بارعة في الجرم

وشفتي العليا لا تعصي أوامر أختها السفلى”

فإنها تمنح الشفاه طابعاً تشخيصياً.

وتبدو الذات هنا وكأنها تخوض محاكمة داخلية ضد اللغة نفسها، لأن الكلام كان دائماً سبباً في الإدانة أو سوء الفهم أو الألم. فالمرأة في كثير من المجتمعات تُلام إن صمتت وتُلام إن تكلمت، ولذلك تتحول الشفاه إلى رمز للمأزق الوجودي الذي تعيشه الذات الأنثوية.

ويبلغ النص ذروته الدرامية في قوله:

 “كنتُ سأُلقي بأنوثتي

في فم الثعبان”

وهنا ينتقل الصراع من مستوى الأعضاء إلى مستوى الهوية.

فالأنوثة لم تعد مجرد خصائص جسدية، بل أصبحت حمولة ثقافية كاملة تتضمن نظرة المجتمع وتوقعاته وأحكامه المسبقة. ولذلك فإن الرغبة في التخلص منها هي في جوهرها رغبة في التحرر من تاريخ طويل من التنميط والاختزال.

أما الثعبان في هذا السياق فلا يؤدي دور المفترس فقط.

إنه يمثل أيضاً سلطة الرموز الكبرى التي ابتلعت المرأة عبر التاريخ: سلطة الأسطورة، وسلطة التأويل الديني المغلق، وسلطة الأعراف الاجتماعية، وسلطة الصورة النمطية التي تجعل المرأة سجينة جسدها مهما بلغت إنسانيتها.

وتأتي الصورة الأخيرة:

“وأمشي كهيكلٍ عظميٍّ

خرجَ للتوِّ من المجازر”

لتختزل مأساة الذات كلها.

فالهيكل العظمي هو ما يتبقى من الإنسان بعد أن تُسلب منه عناصر حياته ومعناه. والمجازر هنا ليست مجازر الحرب فقط، بل مجازر رمزية ونفسية وثقافية تُرتكب يومياً في حق الروح الإنسانية عندما تُجبر على إنكار ذاتها.

من الناحية الأسلوبية، تتميز القصيدة بلغة شفافة لكنها مشبعة بالتوتر الدلالي. فالمفردات بسيطة ظاهرياً، غير أن العلاقات التي تنسجها فيما بينها تفتح آفاقاً تأويلية واسعة.

كما تعتمد الشاعرة على اقتصاد لغوي لافت يجعل كل كلمة تؤدي وظيفة رمزية دقيقة، وهو ما يمنح النص كثافة شعرية عالية رغم خلوه من الزخارف البلاغية التقليدية.

وتقوم الصور الشعرية على ما يمكن تسميته بـ”جمالية التشويه الإرادي”، حيث يتحول الجسد إلى موضوع للتفكيك الذاتي: انتزاع القلب، اقتلاع الثدي، قطع الشفاه، إلقاء الأنوثة في فم الثعبان.

غير أن هذا التشويه ليس تعبيراً عن كراهية الجسد، بل عن الاحتجاج على نظرة المجتمع إليه. فالشاعرة لا ترفض جسدها، وإنما ترفض القراءة الثقافية التي اختزلتها فيه.

كما تقوم بنية النص على حركة تصاعدية دقيقة تبدأ بالقلب ثم الثدي ثم الشفاه ثم الأنوثة بأكملها.

وهذا التدرج يكشف انتقال الصراع من المستوى العاطفي إلى المستوى الجسدي ثم اللغوي ثم الوجودي، وهو ما يمنح القصيدة وحدة عضوية متماسكة ويجعل نهايتها نتيجة منطقية لمسارها الداخلي.

وفي ضوء النقد النسوي الحديث يمكن اعتبار القصيدة نصاً يقاوم ما يسميه النقاد “تشييء المرأة”، أي اختزالها في جسدها ووظائفه ورموزه.

لكن أهم ما يميز النص أنه لا يسقط في خطاب شعاراتي مباشر، بل يجعل الشعر نفسه أداة للمقاومة، ويحوّل الألم الفردي إلى سؤال إنساني شامل حول الحرية والهوية وحق الإنسان في أن يُرى كذات كاملة لا كجسد فقط.

كخلاصة، فإن “الأنثى والثعبان” ليست مجرد قصيدة عن المرأة، بل هي قصيدة عن الإنسان عندما يُدفع إلى التفكير في التنازل عن أكثر عناصره جوهرية هرباً من القهر. لقد استطاعت كريمة الحسيني أن تكتب نصاً بالغ العمق، تتشابك فيه الرموز الثقافية مع الصور الحسية والانفعالات النفسية، لتنتج قصيدة تنتمي إلى الشعر بقدر ما تنتمي إلى الفلسفة وعلم النفس والنقد الثقافي. إنها قصيدة تكشف أن أخطر أشكال العنف ليست تلك التي تصيب الجسد، بل تلك التي تجعل الإنسان يفكر في محو ذاته كي يتجنب الألم، قبل أن يكتشف أن الخلاص الحقيقي لا يكون بإلغاء الذات، وإنما بإعادة امتلاكها والدفاع عن حقها في الوجود الكامل.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading