خصال انسان عراقي غير طائفي يحترم غيره – سيار الجميل-كندا
معاناة الدولة والمجتمع من مشكلة بنيوية في العراق المعاصر
1/لماذا اثارة هذا ” الموضوع” ؟
أكاد أشبه وباء الطائفية في المجتمع كمرض السرطان الذي ينخر جسم الانسان من دون أن يدري صاحبه بمن يفتك في جسمه. هكذا نجد “الطائفية” تأكل المجتمع من دون أن يشعر بسمومها المميتة. واليوم ، يتمّ التبادل بالذات بتهمة “الطائفية “بسهولة وبلا وعي من يختلف في الرأي او يتباين عنك في أسلوب الحياة والتفكير، أو من يقوم بنقد أخطائك أو سلك سلوكاً سياسياً مغايراً أو آمن بأفكار أو مفاهيم لا تؤمن بها .. الخ ولما كان الطائفي لا يفكّر الّا من دواخل أقبية أو من بطون كهوف مظلمة، فسيبتعد حتماً في تفكيره ومشاعره عن الوطنية أولاً وعن وحدة مجتمعه ثانياً وعن العمل من أجل مصير أولاده وأحفاده ثالثاً. وان لم ينصحك أحد اليوم ، فسوف يدينك المستقبل ان علمت بأنك تعيش في اطار ظاهرة مرضية طارئة صعبة لا محلّ لها من الاعراب هذا الزمن. انّ المشكلة بنيوية لها عدّة أوجه وهناك من يريد عدم اثارتها خوفاً من الفتنة، وهناك من ينساق وراء عواطفه لتبرير منطلقاته ، ولكن الأخطر يتمثّل باثارة الناس عند نتائج أي حدث من دون التفكير بأسبابه وينعدم تشخيص من يثير المجتمع طائفياً واذا كان الانسان قد تشبّع منذ صغره بالمشاعر المضادة وأحاسيس الكراهية فسيكبر معه ذلك ويبقى كذلك حتى مماته.
2/ فاشية المفاهيم المتعصبّة
سابقا، كان مجرّد ذكر مفردة” سنّة وشيعة” في العراق يثير القرف في النفس.. وأوّل مرّة في حياتي أسمع كلمة “طائفي” متداولة ببساطة .. كان في العام1979، وكنت صديقاً لمثقف من بغداد وهو يصف أحد العراقيين بأنه “طائفي يؤمن بالخرق والشعوذة”! قلت له: ولكنه ابن وطن، ولم اقتنع برؤيته ومرّت السنوات حتى العام 2003 لأكتشف أنّ حقيقة المجتمع العراقي قد انفضحت، وبدأت أفهم انعكاسات المتغّير الجذري الذي حدث في ايران على مجتمعنا، وكانت قد بدأت الكتابات في الصحف واصدار المؤلفات، اذ كان الأمر الطائفي مستتراً قولاً وفعلاً ومن الاستحالة سماعه في العراق على أيام طفولتنا وصبوتنا وشبابنا على الأقل منذ العام 1921 حتى1979 رسمياً ولا اعرف الدواخل شعبياً .. ربما نجده في بعض الاوساط الخاصة والمحدودة والمختلطة شعبوياً في بيئات معينة ومجالس خاصة وليس شعبياً على المستوى العام ، ولكنه انتشر على درجات حتى تفاقم الأمر، وكان مقرفاً سماعه في الاوساط الثقافية وحتى الاجتماعية ، نظراً لأنّ أيّ عراقي يحترم نفسه ووطنه لا يمكنه البتة أن يصنّف الناس مذهبياً أو طائفياً الّا في أوساط شعبوية ، وهذا عكس ما كان يجري في لبنان مثلاً ، اذ عاش المجتمع العراقي متآخياً الى حدّ كبير في الظاهر على الأقل وهو يختلف في ذلك عن ايران والهند والباكستان ولبنان ولم يشهد أية صراعات داخلية طائفية طوال تاريخه الحديث قط .. وربما وجد عند بعض المتعصّبين. لقد تشّرب المجتمع في مناطقة المختلطة بعادات وتقاليد كلا الطرفين وجرت زيجات وانساب بينهما بكلّ انسجام .. كان المثقف والمهني والموظف والمدني والعسكري العراقي السوي يفزع من هذه “الكلمة”، بل من المعيب ان يتحدّث بهكذا لغة يعتبرها قميئة وتقسّم المجتمع وتخون الوطن الّا لدى أفراد معينيين ينبذهم المجتمع .. ولكن بدأ التراشق بها علناً واخذ بعض الموتورين والملالي والاعلاميين والمؤلفين الطائفيين يستخدمونها بتبجّح ولغايات سياسية وانتقامية وتتماشى مع مؤدلجات الاسلام السياسي المحدّد طائفياً ،واذا كنّا نعتبر استخدامها نقصاً دنيئاً لدى المستشرقين والصحفيين الغربيين.. فقد بات العراقيون واللبنانيون والسوريون يوظفونها علناً وزاد في الطين بلة ما جرى من انقلاب السايكلوجيات اثر1979، فترى هناك من البعثيين والقوميين والناصريين والشيوعيين الراديكاليين المرّوجين أنهم من التقدميين الانسانيين.. ينقلبون ليتحدثوا باسم (شيعة وسنة)بأقنعة طائفية.وتبلورت المشكلة في اللاوعي الجمعي الكامن والمؤجج للطائفية، ولكن المفهوم بقي سبّة اجتماعية، ولا يتقبّله الأسوياء ذوي الانتماء الوطني. فما سرّ هذا التناقض المريب المحيّر سايكلوجيا؟ فالظاهر هو غير الباطن، ولكن تشير الدلالات بأن الظاهرة طارئة وتزول ان انتفت عواملها السياسية وعناصرها الدخيلة ليعود المجتمع يحترم بعضه بعضاً .. ولابد أن اشيد هنا بحجم الوطنيين المخلصين الذين حاربوا هذه الظاهرة وهم من شتى الوان الطيف .
3/ كارثة 1979 : جناية التاريخ والمستقبل
انّ انعكاسات السياسة التي اتبعت في المنطقة بعد العام 1979 والتي اعتبرتها أخطر سنة في القرن العشرين ممثلة بـ ” تصدير الثورة” من ايران ، فكانت عاملاً قويّا باثارة فتن وحروب اذاعية باردة ثم اندلعت حروب ملتهبة وطويلة واتبعت سياسات عقيمة وفشلت مساعي السلام وخرقت مواثيق وعهود وقتل الالاف من الشباب ونزف العراق وايران دماء قانية وبدأ المجتمع ينقسم شيئاً فشيئاً، وبدأت الكتابات والاذاعات ومقالات الصحف في الخارج تؤجّج الوازع الطائفي وينعكس ذلك على الدواخل وهذا يستقطب هذا والاخر يستقطب ذاك وبدأت الملاحقات لمنتسبي الاحزاب الدينية كلها . ولما كان العراق مثلاً يعيش تحت هيمنة سلطة دكتاتورية شرسة مع فراغ سياسي مدني حقيقي اخذ يتودّد الى الاسلام الصوفي السني لركوب الموجة مقابل الاعدامات بأثر رجعي للاسلام الدعوي الشيعي فعّمق المسافة بين جزئيات النسيج الاجتماعي وخصوصاً بين الطيفين الواسعين ،مما أجج الانقسامات الخفية التي ستظهر على السطح مباشرة بعد سقوطه عام2003،وكانت الطائفية قد نضجت تماماً مع صناعها وعرابيها بواسطة مؤتمراتهم وتصريحاتهم. وانساق المثقفون على استحياء في بداية الأمر ليغدو لاحقاً انقلاباً كسيحاً في الانتماءات الايديولوجية من التنظيمات البعثية والراديكالية الى الاحزاب الدينية والطائفية.
4/ خصال مثقف عراقي غير طائفي
اعلم بأنّ المثقف غير الطائفي لا يمجّد طائفته، ولا يتعالى على الآخرين بتقاليده أو بمذهبه ، فهو انسان طبيعي منفتح على الآخرين ومتجرّد من انتماءاته الماضوية وتربوياته المتوارثة وتقاليده البالية ، ويحترم نفسه ولا يشتم المخالفين له، ويقف على مسافة واحدة من كلّ الاديان والمذاهب وأطياف المجتمع . ولا يطعن بمن يختلف معه، ولا يترّصد غيره، ولا يثير مشكلاته ولا يعيد انتاجها ليل نهار، ولم يسبّح أبداً بموروثاته ولا يستخدم البتة صفات التجريح التي تثير الاشمئزاز !! وان لا تكون الهوية المذهبية أكبر من انتمائه الوطني وتاريخه، وان لا يجّرح بالآخرين ولا يعلن كراهيته لهم أو يخفيها منافقاً أمامهم، أو حاقداً عليهم من ورائهم ويدرك أنّ المواطنة والهوّية تسبقان الانتماءات الخاصة . وأن لا يقلّل من قدر أبناء وطنه ، ولا ينال منهم بتهميشهم أو اقصائهم أو اضطهادهم ، وأن لا يثير مشكلات تتعلق بالمذاهب والتقاليد الطائفية ،ولا يجترّ أحداث الماضي المثيرة للخلاف والجدل مهما كان الماضي عقيماً ، وأن لا يكره تاريخ غيره وهو يعيش في زمن الثورة الرقمية . وعلى المثقف غير الطائفي أن لا ينكأ الجروح ولا يستملح القروح ، وأن يبتعد دوماً عن اشعال الفتن، وأن لا يردّد دوما نحن وأنتم ! وأن لا يستخدم “التقّية ” فيستبدّل لبس الأقنعة كي لا يعرف أحد باطنه من ظاهره فالزمن قد تغّير .. وهي أساليب موروثة يصعب التخلّص منها عند من أبتليَ بها ، وهناك من يجتازها ويكون عابراً لها من الأذكياءوالمخلصين لوطنهم ومجتمعهم من الذين يكتشفونها بسرعة ليقفوا ضدّها دون ممارستها .. وما أكثرهم . ..
5/ الخلاصة : طريق المستقبل
لقد أبتليت مجتمعاتنا في المشرق العربي بهذا البلاء، فكّل من ينتقد هذا “الجانب”نقداً صريحاً اتهموه بـ “الطائفية” التي يتوسّدون عليها اذ يتصّورون أنه ضدهّم، ويتهّمونه بها باعتبارهم من الأنقياء . وان وجدت بعضهم ينتقد هكذا حالة، تجده متخوّفاً متردّداً مبرّراً ولم يكن صريحاً أو واضحاً أو طارحاً ادانته بقوة ورجولة كما أشهد ذلك عند بعض الوطنيين الحقيقيين! انّ التعصّب الطائفي يأكل العقل والوجدان ومهما كنت مناصراً لهم ومحترما لمشاعرهم لكنك تبقى متهمّاً ! وكلّ هذه الخصال لم تكن معلنة عند الأجيال السابقة وربما كانت خفيّة، ولكنها اليوم مستشرية بكلّ شراسة. ومن المؤكد أن هناك من سينصفني وهناك من سيتهمني كالعادة وهذا ديدن الضعفاء والسفهاء، علما بأن أعز ألاصدقاء العراقيين هم من كل ابناء الطيف لا يميزهم عندي الا اخلاقياتهم ووطنيتهم وسمو ثقافتهم وطيب مشاعرهم وروعة ابداعاتهم .ومستواهم المعرفي . واخيرا ، ينبغي القول ان كل من يعارضني في مثل هذا ” الطرح” فطلبي منه ان يتأمل طويلا ويعيد التفكير في مقول القول لأن الغاية الاساسية يمثلّها الحدّ من هذا الداء الذي يتبادله الطرفان، وهو كامن في النفوس بعيداً عن المظاهر والمسميّات المألوفة: التمدّن والتقدّمية والعلمنة والحداثة.. وعندما ينتقد المرء فهو لا يروج لبضاعة واحدة اولا وهو لا ينال من الاخر ولا من تاريخه ورموزه ثانيا ..أتمنى مخلصا أن تتخلّص مجتمعاتنا من هذا الوباء القاتل وتعود الى سابق أزمنتها متآخية متعايشة متصاهرة ترنو الى التمدن وتوحدها المواطنة وتسمو بثقافتها العربية الرائعة ويسود الاحترام بين عناصرها وقد خليت من التعصّبات والجهالات ومن العادات الباليات وان يزول أيّ طائفي يروّج لمذهبه وطائفته، وأن يتوقّف عن التقليل من شأن الآخرين وأن ينمحي التجريح والتهميش والتمييز والاستحواذ والتجاوزات وأن لا يتفاخر أي انسان بمذهبه هذا على حساب ذاك أو بالعكس . وأن لا يتدخل رجال أية طائفة دينية بشؤون الدولة أو شؤون المجتمع وأن يكون المجتمع المتنوّع مدنياً ويبقى في رعاية الدولة شريطة أن تكون مؤسسّات الدولة في خدمة المجتمع من خلال دستور وطني مدني وبرلمان يمثّل الشعب أصدق تمثيل ووجود قضاء عادل وأن لا تنحاز السلطة الى أي طرف من الاطراف وأن يعامل كل العراقيين معاملة واحدة وان لا يفرّق بين هذا او ذاك الا الكفاءة والأهلية وحسن السلوك وبعكس ذلك فان الطائفية ستبقى متورّمة وملتهبة حتى ان انفصل الفرقاء بعضهم عن الآخر .. .






