مقالات نقدية

هايكو الانفصال: بين تمزيق اللغة واقتلاع الذاكرة

صورة لرجل في بدلة رسمية وقميص أزرق، مع نظارات، يظهر ابتسامة خفيفة على وجهه. الخلفية بلون فاتح.

هايكو للشاعرة التونسية كريمة الحسيني: 

يمثل هذا النص القصير، المنسوب إلى الشاعرة كريمة الحسيني، نموذجاً لقصيدة هايكو عربية تستثمر خصوصيات هذا الشكل الشعري الآتي من اليابان لتفجر فيه شحنة انفعالية مكثفة، ولتجعله حاملاً لقول شعري حديث، يتمرد على الامتثال العاطفي ويجهر بتجربة ذاتية مشبعة بالألم الواعي والانفصال الإرادي. فمنذ الوهلة الأولى، تضعنا الجملة الأولى “مزّقت آخر قصائدي عمدا” أمام مشهد يتجاوز الدلالة الحرفية لفعل التمزيق ليصبح فعلاً وجودياً يقترن بوعي الكتابة وفعل النفي والانعتاق. فالقصيدة ليست مجرد ورقة، بل هي مرآة ذاتية، ومزقها ليس سوى إعلان عن موت رمزي لاختيار جمالي وشعوري سابق، أو انكسار حاسم في مسار تجربة شعرية وعاطفية معاً. هنا تترسخ الوظيفة التعبيرية للغة، حيث لا تخاطب القصيدة الآخر، بل تلتفت إلى الذات وتعلن انكسارها وتمردها في آن، وهذا ما يمنح التمزيق بعداً درامياً داخلياً، يتجاوز الإحباط العابر ليغدو لحظة تحول.

يتصاعد هذا التوتر الشعوري في الجملة الثانية “اقتلعت ألف قُبلة و ألف حبّة خال”، حيث يتحول الفعل الشعري من التمزيق إلى الاقتلاع، بما يحمله من دلالة عنيفة وجذرية، فالشاعرة لا تكتفي بإلغاء أثر الكتابة، بل تقتلع الرموز الأثيرة للحبّ والشغف من كيانها ذاته. القبلة وحبة الخال، بما هما من علامات حسيّة وعاطفية، تتحولان هنا إلى رمزين للرغبة والحنين واللذة، واقتلاعهما معاً يشي برغبة واعية في نفي الأثر، وكنس الذكرى، والتطهر من شوائب تجربة سابقة. الرقم “ألف” لا يستعمل هنا كإحالة حسابية بقدر ما يعبر عن الغزارة، عن فيض التجربة العاطفية التي غدت عبئاً على الذات، والتي لا يمكن مواجهتها سوى بفعل الجرح والمحو. وهكذا، تنزاح اللغة إلى مسار رمزي، تتحول فيه العلامات الجسدية إلى تجلٍّ لشعور نفسي داخلي بالغ التوتر، وتخوض الذات غمار تطهير داخلي لا يخلو من عنف ومرارة، مما يشي بأن هذا النص يتغذى من بلاغة الصمت أكثر من بلاغة القول.

أما الجملة الثالثة “لم يعد يستهويني الشوق ولا الانتظار”, فهي إعلان صريح عن الانفصال الشعوري مع المفردات التي كانت ذات يوم لبّ الشعر والوجود معاً: الشوق، والانتظار. إنها لحظة إقلاع نهائي عن كل ترقّب، عن كل رغبة في الآخر، عن كل استعداد عاطفي للانفتاح. وهنا تبرز مأساوية الموقف الشعري، فالفعل لم يكن تفاعلاً مع نهاية مفروضة، بل قطعاً إرادياً مع كل ما يحيل على الرغبة في التواصل والحضور. إنه انسحاب كلي من مناخ العاطفة، وعبور إلى حالة من اللامبالاة الشعورية. بهذا المعنى، تنتمي القصيدة إلى لحظة ما بعد الحب، ما بعد التعلق، حيث تتحول الذات إلى كيان يحاول أن يتجرد من كل ما كان يستلبه. في هذا الإعلان، لا نجد احتفاء بالحرية، بقدر ما نواجه ببرودة داخلية، بموت شعوري ناعم، بأثر الفقد وقد بلغ ذروته القصوى.

جمال هذا النص يتأتى من التوتر القائم بين شكل الهايكو الذي يُفترض فيه التلميح والرقة والتقشف، وبين محتواه الشعوري المشبع بحدة الفعل وجذرية القرار. فهو يختصر في ثلاثة أسطر ما يعادل زمناً نفسياً طويلاً من الانكسار، والتمرد، والانفصال، ويؤسس لعلاقة جديدة مع الذات والكتابة والعاطفة. وبهذا، تكون الشاعرة قد استعارت قالباً تقليدياً لتصوغ فيه قولاً شعرياً حديثاً، يتغذى من المأساة، ويرتد على اللغة ذاتها، ليعلن قطيعة مع كل ما كان من قبل.

كما أن النص يستثمر آلية الحذف والتكثيف بوصفها تقنية شعرية، فيقدم مشهداً دون تفاصيله، لكنه يترك للقارئ أن يملأ الفجوات بالحدس والتأويل. لا نعرف لماذا تمزق القصائد، ومن يكون الحبيب، وما الذي حدث، لكننا ندرك، في الآن ذاته، أن ما وقع بالغ الكثافة لدرجة أنه لا يُحكى، بل يُعلن عنه من خلال شذرات مقتضبة مشبعة بالألم. وهذا ما يمنح النص بعده الحداثي، حيث يغدو ما لم يُقل جزءاً من المعنى، وتصبح الفجوة بين الجمل هي التي تولّد الإحساس الحقيقي بالانكسار والقطيعة.

إلى جانب هذا، ينهض النص على استعارات داخلية توظف الجسد والكتابة كحقلين دلاليين متوازيين: القصائد والقبل، الحروف وحبة الخال، كلها تتشابك ضمنياً لتكوّن بنية شعرية ترسم معالم حبّ سابق جرى تفكيكه. فالجسد هنا لم يعد موضوعاً للرغبة بل غدا ساحة للانفصال، كما أن الكتابة لم تعد سبيلاً للبوح بل موضعاً للنفي، وكأن الشاعرة تمارس عملية تطهير ذاتي عبر العنف الرمزي للّغة.

من الناحية الجمالية، يلفت الانتباه تناغم الإيقاع الداخلي للنص، فرغم غياب الوزن الخليلي أو التفعيلة، فإن تكرار بنية الجملة الفعلية، واستعمال الأرقام المضخمة، وتوازن العبارات الثلاث، يمنح القصيدة إيقاعاً هادئاً ومتناسقاً، يتماهى مع ثقل المعنى، ويجعل من القراءة طقساً تأملياً. وفي هذا، تبرز قدرة الشاعرة على شحن اللغة البسيطة بكثافة رمزية وأثر شعوري عميق، دون اللجوء إلى الزخرفة أو التعقيد.

إننا، في النهاية، أمام نص شعري مكثف، يتجاوز الوظيفة التزيينية للغة نحو بعدها الوجودي، ويترجم قلق الذات الأنثوية، لا بوصفها ضحية تجربة عاطفية، بل باعتبارها فاعلاً شعرياً يملك سلطة القرار، ويعيد تعريف العلاقة مع اللغة والعاطفة والكتابة من موقع الألم والوعي. نص ينهل من مرجعيات الحداثة الشعرية، ويفتح القول الهايكوي على أفق سردي مختزل، تكون فيه الذات هي الموضوع، والفقد هو المحرك، واللغة هي سلاح البقاء.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading