العين التي لا تبكي: قراءة تحليلية في دلالة الحزن الممتنع – عبد العزيز الخبشي- المغرب


عبد العزيز الخبشي- المغرب
في عبارة مقتضبة لا تتجاوز شطرين، يكتب الأستاذ علي اللبان: “ويحدث أن يبكي في كل شيء إلا عيناي… صباحكم ابتسامة”، ليمنحنا نصاً مكثفاً ينتمي إلى ضفاف الكتابة الوجدانية الرمزية، ولكنه في العمق يفتح باباً واسعاً على معمار نفسي وسوسيولوجي وثقافي دقيق، يحتاج إلى قراءة متعددة الأبعاد لفهم تشابكه، واستجلاء دلالاته الكامنة خلف الصيغة البسيطة الظاهرة.
أول ما يستوقفنا في هذا القول هو المفارقة الشعورية التي تقوم عليها الجملة. فأن “يبكي في كل شيء” إلا في عينيه، هو إعلان عن انفصال مقلق بين الداخل والخارج، بين الشعور وانفعاله الفيزيائي الطبيعي، بين الذات وحقيقتها الجسدية. بكاء داخلي، مسترسل، في الأشياء، في الذاكرة، في الجدران، في التفاصيل، في كل ما يمكنه أن يُجسّد الحزن، لكنه لا يمر عبر القناة الأكثر صدقا ووضوحاً: العين. وهنا يتجلى البعد الرمزي الأقوى: “العين” ليست مجرد عضو بيولوجي للبكاء، بل هي في التراث العربي والإسلامي رمز للصدق، والإفصاح، والوجدان العميق، ونافذة الروح. فامتناعها عن البكاء هو ليس فقط كبتاً للدموع، بل رفضٌ شعوري عميق للإفصاح، ومقاومةٌ ثقافية للحزن الظاهر، وتحكمٌ إرادي أو قسري في الانفعال.
من الزاوية النفسية، هذا الامتناع قد يُفهم باعتباره شكلاً من أشكال الإنكار أو الكبت، حيث تتخذ النفس آليات دفاعية لتفادي الانهيار. البكاء الطبيعي يمثل عادة تصريفاً صحياً للمشاعر، خاصة عند الأزمات أو في لحظات الحزن العميق، لكن حين يُمنع هذا التصريف، ويتحول إلى حالة داخلية غير قابلة للتعبير الفيزيائي، فإننا أمام ذات تواجه عتبة الخطر النفسي. فهي تتألم، لكنها لا تسمح للحزن أن يُرى، لا لعدم وجوده، بل لأنه ربما تجاوز القدرة على الترجمة. لقد تحولت العين إلى سجن يضبط الحزن ويقيده، وربما إلى قناعٍ اجتماعي يلعب دور الحارس على الحقيقة الداخلية.
من منظور سوسيولوجي، تبرز هنا مسألة التمثلات الثقافية المرتبطة بالبكاء والضعف، خاصة في المجتمعات الذكورية أو التقليدية حيث يتم تحميل الجسد، وخصوصا العين، رمزية القوة أو الانكسار. في هذه المجتمعات، يُربّى الإنسان، غالبا الرجل، على أن البكاء ضعف، وأن “الرجل لا يبكي”، وأن حبس الدمع فضيلة تربوية، لا تعبيراً عن التصلب بل عن الرجولة. في ضوء هذا التمثل، يصبح امتناع العين عن البكاء ليس فقط فعلاً نفسياً، بل استجابة ثقافية تلقاها الفرد منذ الطفولة، وتشربها حتى صارت لا شعوراً مقنّعاً، يجعل الحزن في كل شيء، إلا في “العين”، لأنها بوابة الظهور الاجتماعي، والهوية العامة، ومساحة “الشرف الرمزي” للذات.
الجانب الرمزي للعبارة غني أيضاً بحمولات أدبية وشعرية. إذ لا تخفى على القارئ المدقق النزعة الشعرية التي تسكن هذا القول، فهو يكاد يكون بيت شعر مكتمل، أو على الأقل حكمة عميقة مغلفة بلغة شفافة. هناك إيقاع داخلي، وجرس حزين، وتشظي وجداني، يعيد إلى الذهن ما قاله الشاعر محمود درويش: “أحنّ إلى خبز أمي… وقهوة أمي… ولمسة أمي”، حيث تستحيل الأشياء اليومية إلى حاملات للوجدان. علي اللبان يجعل الأشياء تبكي، في دلالة على أن الحزن تسرب إلى كل الموجودات، ما عدا تلك العين التي كان من المفترض أن تكون المنفذ الطبيعي لذلك البكاء. بل الأدهى، أن كل شيء بات يتكلم بلغته، يتبنى وجعه، ويعبر عنه، وكأن الذات قد أصبحت شبحاً، يُبكي من حوله بينما هو ممتنع عن ممارسة الطقوس الإنسانية العادية في الحزن، ما يكشف عن غربة داخلية هائلة، وانفصال بين الروح والجسد، أو بالأحرى بين الشعور والتعبير.
أما البُعد الثقافي العام، فيمكن قراءته من خلال العلاقة المعقدة التي تربط الحزن في المجتمعات العربية بمفاهيم الكبرياء والتماسك والصبر. فالموروث الديني والاجتماعي يشجع على الصبر، ويمنح الامتناع عن الشكوى قيمة أخلاقية. من هنا، فإن عبارة اللبان لا تصف فقط حالته الشعورية، بل تعبّر عن موقف ثقافي متجذر، يُعلي من كتمان المشاعر، ويُقوّم الانفعالات على أساس الأخلاق الجماعية. فالعين التي لا تبكي ليست عديمة الحزن، بل حارسة له، تعاقب الذات على الإفصاح، وتُدرّبها على التحمل، بما يضعنا أمام مأزق ثقافي طويل الأمد: كيف تتحول الفضائل الاجتماعية إلى أمراض نفسية؟ وكيف يتواطأ الخطاب الثقافي مع المأساة الفردية في سبيل صناعة صورة قوية للذات؟
وتأتي الخاتمة المدهشة “صباحكم ابتسامة” لتضيف بعداً أخلاقياً وربما تهكمياً. فبعد هذا التوصيف المعتم للحزن الذي لا يُترجم، وبعد هذا البكاء الذي لا يمر من العين، يُهدينا الكاتب “ابتسامة”، وكأنها تحية مستحيلة في وجه العبث. لكنها قد تكون أيضا رسالة مقاومة: رغم كل شيء، سأُهدي العالم ابتسامة. هي ابتسامة الصبر، لا الفرح، ابتسامة المجرب، لا الساذج، ابتسامة من تعلم كيف يخفي دمعه حتى عن نفسه. وهنا تكمن روعة الكتابة، في قدرتها على التكثيف دون بتر، وعلى القول دون فضح.
بهذا التحليل المتعدد الزوايا، يمكن اعتبار عبارة علي اللبان نصاً مكثفاً يختزل التوترات بين البكاء والثقافة، بين الجسد والمجتمع، بين الحزن والتمثلات القيمية، وبين الانفصال الداخلي والابتسامة المهداة للآخرين، وهي كلها معارك يومية يخوضها الإنسان المعاصر بهدوء ظاهري ودموع مؤجلة.





