رَأَينا ما يكفي✍حميد الساعدي

رَأَينا ما يكفي…
صارَ الحزنُ عندنا
أقدمَ من الأسماء
ما عادَ أحدٌ
يُحصي خساراته على مهل
الخسارةُ هنا
تدخلُ البيتَ بلا استئذان
تجلسُ على الأريكةِ
وتشربُ الشاي
كأنها واحدةٌ من العائلة.
رأينا ما يكفي
لكي لا نصرخَ كلما سقطَ شيء
الأشياءُ لا تسقطُ وحدها
وراءَ كلِّ حجرٍ يتدحرجُ
عمرٌ كامل
وراءَ كلِّ نافذةٍ ترتجفُ
قلبُ أمٍّ
ما زالَ يصدّقُ أنَّ الطرقَ
قد تُعيدُ أبناءَها.
رأينا الصباحاتِ
وهي تخرجُ من الليلِ
بوجهٍ شاحب
ورأينا الأرصفةَ
تحفظُ وقعَ الغائبين
أكثرَ ممّا تحفظُ خطانا.
رأينا ما يكفي
حتى صرنا
نُخفي فواجعَنا بلباقةٍ
ونقولُ عن الخراب:
”سيمضي“
مع أنّهُ
كانَ قد علّقَ معطفَهُ
منذُ أعوامٍ
على الجدار.
رأينا الأمهات
يا الله
كم رأينا الأمهات
وهنَّ يكبرنَ دفعةً واحدة
كأنَّ العمرَ
لا يُقاسُ بالسنين
بل بعددِ الذينَ
لم يعودوا.
رأينا دجلةَ
يمرُّ مثقلاً
كشيخٍ يعرفُ أكثرَ مما ينبغي
يحملُ في مائهِ
أصواتَ المدنِ التي انطفأت
ويُخفي في ضفّتَيه
بكاءً قديماً
لا يشيخ.
رأينا ما يكفي
لكي نعرف
أنَّ الوطنَ
ليس هذا النشيدَ الذي يُقال
بل هذه الغصّةُ
حينَ نذكرُه
وهذا الخوفُ
عليهِ… مِنه.
ننهضُ
ونفتحُ أبوابَنا للضوء
مع أنّ الليلَ
ما زالَ واقفاً عند العتبة.
رأينا ما يكفي
لنشيخَ قبل أوانِنا
ولنصيرَ أكثرَ فهماً
للصمتِ
من الكلام.





