مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات تأريخية

الوضع القانوني للطوائف اليهودية في الإمبراطورية العثمانية✍ إيرما لفوفنا فادييفا-ترجمة أنور إبراهيم

غلاف كتاب يتناول تاريخ اليهود في الإمبراطورية العثمانية مع رسمة لرجل ذو لحية وعمامة أمام معالم معمارية تاريخية.

(١) العصور الوسطى

عاشت الدياسبورا اليهودية في العديد من بلدان العالم منذ أقدم العصور في عزلة، مكوِّنة جاليات إثنودينية قائمة بذاتها. وكان وضعها القانوني في هذا المجتمع أو ذاك تُحدِّده الشرائع الدينية للبلد الذي تسكنه (والتي تميزت بالقسوة الشديدة، وخاصة في العصور الوسطى)، فضلًا عن درجة التسامح في هذا المجتمع ولدى الطبقة العُليا بصفة رئيسية، بوصفها الطبقة التي تُشكِّل السلطة في جميع المستويات. وحتى في أفضل العصور التي عاشها اليهود، وفي سياق أفضل صور ولائهم للحكام، كانوا جميعًا يُعَدُّونَ مواطنين من الدرجة الثانية. كان اليهود يتمتَّعون في ظل إدارة قرطبة، المزدهرة اقتصاديًّا، والتي أصبحت خلافة بعد ذلك (من القرن الثامن إلى القرن الثاني عشر)، بحرية العقيدة والتنقل (لم يكن هناك اضطهاد ديني أو مظاهر للمحاصرة)، بل كانت لهم الحرية في اختيار المهنة التي كانت تتحدَّد قبل ذلك في أغلب الأحوال تبعًا للمهن التقليدية للأسرة، الأمر الذي كان معمولًا به في كل مكان. على أنه، وفي سياق كل ذلك، فقد كانت حياتهم مقيَّدة بمعايير الدولة الإسلامية؛ ومن ثم لم يكن من الممكن اعتبار هذا الوجود مُستقرًّا. وقد لعبت العلاقات الشخصية لوجهاء اليهود وأثريائهم مع السلطة العليا دورًا كبيرًا في هذا النظام، على الرغم من أن هذه العلاقات اتخذت في بعض الأحيان طابعًا متناقضًا؛ إذ إنه كلما ازداد تأثير وعلاقات بعض اليهود لدى البلاط، أصبحت الطائفة بأكملها عرضة لمخاطر كبرى باعتبارها رهينة جماعية؛ فالمذبحة التي تعرَّض لها اليهود في عام ١٠٦٦م في غرناطة «الفاخرة» بدأت باعتبارها تمرُّدًا ضد الوزير اليهودي صاحب النفوذ الواسع.

كانت جموع من المسلمين في القاهرة وغيرها من مدن الشرق الأوسط تقوم من وقتٍ لآخر بهدم السيناجوجات والكنائس التي يَملكها اليهود والمسيحيُّون، مُستغلين سيطرة قوانينهم الدينية، التي تعتبر غير المسلمين مواطنين من الدرجة الثانية. ومع ذلك فيَنبغي علينا أن نُعطي مسلمي العصور الوسطى حقهم؛ فمثل هذه التجاوزات لم تكن تحمل على أيِّ حال طابع الاضطهاد والملاحقة المنظَّمَين، مثلما حدث على امتداد العصور الوسطى في أوروبا المسيحية، التي كانت أيديولوجيا الكنيسة تباركها.

كان التطرُّف في البلاد الإسلامية في ذلك الوقت لا يُقارن، بطبيعة الحال، بالمحارق في زنازين محاكم التفتيش التي أقيمت للمهرطقين اليهود والموريسكيين على يد الملكة إيزابيلا، والتي يُطلق عليها الإسبان الكاثوليك حتى اليوم اسم «القديسة»، بينما لم يَجد كارل ماركس، الذي لم يكن يتحلَّى باللياقة السياسية ولا بالانتماء إلى جذور قومية خاصة، تعريفًا أفضل لهذه المَلكة سوى «البهيمة الكاثوليكية».١

دفعت الأعمال التي قام بها «الملوك المسيحيون»؛ إيزابيلا (١٤٧٤–١٥٠٤م) وفرديناند الثاني (١٤٧٩–١٥١٦م)، زوجها، بآلاف اليهود والمسلمين إلى الفرار. وإذا كان لدى الموريسكيِّين ما يفرُّون إليه (حيث وجدوا ملاذًا لهم عند شركائهم في العقيدة في شمال أفريقيا)؛ فاليهود لم يجدوا أحدًا بانتظارهم في أي مكان. لا تُوجد أعداد دقيقة لليهود الذين تمَّ نفيهم من إسبانيا. الأرجح أن أعداد مَن غادَرُوها إلى البرتغال وفرنسا وإيطاليا وشمال أفريقيا قد بلغ نحو ٣٠٠ ألف نسمة، وهي بلاد لم تُرحِّب بهم مطلقًا آنذاك. لقد جرى اضطهاد اليهود في جميع أنحاء أوروبا، أما في شمال أفريقيا فقد تعرَّض هؤلاء الغرباء للسرقة والإهانة من القبائل المحلية. على أنه، وفي هذه السنوات القاسية على هذا الشعب، إذا به يجد فجأةً مأوًى له في الإمبراطورية العثمانية.٢

سمح السلاطين لليهود المطرودين من الدول الأوروبية، والذين تعرَّضوا للإبادة من جانب المسيحيين، حتى في أثناء محاولاتهم للهروب، بالدخول إلى بلادهم دون قيد أو شرط، وقد عومل اليهود المحليُّون المقيمون في الدولة العثمانية بتسامح أكثر مما كانوا يُعامَلُون به في بيزنطة. وهناك افتراض أن عدد اللاجئين اليهود الذين استقرَّ بهم المقام في الدولة العثمانية بلغ نحو ٤٠ ألف نسمة، لكن هذا العدد سرعان ما تضاعف بفضل اليهود الذين جاءوا فيما بعد من صقلية والبرتغال. وفي نهاية حكم محمد الثاني، ووفقًا لتعداد السكان الذي أُجري في عام ١٤٧٧م، بلغ عدد اليهود في إسطنبول ١٦٤٧ عائلة؛ أي ما يقرب من ٨٠٠٠ نسمة، وذلك بناءً على حسابات خليل إينالجيك.٣ وهكذا أصبحت الإمبراطورية العثمانية ملاذًا بالنِّسبة لعدد كبير من اليهود لعدة قرون. وهناك عبارة تنسب للسلطان بايزيد الثاني (١٤٨١–١٥١٢م) وردت في حديث له مع أحد الأوروبيين تقول: «هل تَعتبرون فرديناند ملكًا حكيمًا لأنه بذل جهودًا ضخمة، لكي يُفلس بلده ويُثري بلدنا؟»٤

على أي نحو كان وضع الطوائف اليهودية التي عاشت قبل ذلك في مناطق البلقان وآسيا الصُّغرى والشرق الأوسط، والقادمين الجدد فيما بين القرنين الخامس عشر والسادس عشر داخل حدود الدولة العثمانية؟

كان الإسلام، الذي حدَّد معايير خاصة لوجود الشعوب التي استقرَّت في الإمبراطورية العثمانية، يسمح، طبقًا للقرآن، بالعيش وحق الامتلاك، جزئيًّا، للمسيحيين واليهود، بشرط الالتزام بالقوانين الإسلامية المعمول بها، ودفع الضرائب المفروضة. وقد تعامَلَت السلطات بقدر من التسامح، تبعًا للقوانين الإسلامية، مع الذمِّيِّين (المسيحيين واليهود) الذين هم من «أهل الكتاب». لكن هذا الوضع لم يكن وضعًا مُستقرًّا؛ ففي ظلِّ الاستبداد الشرقي، الذي كانت الإمبراطورية العثمانية إحدى صوره، لم تكن حياة أي شخص، بما في ذلك حياة السلطان نفسه وأفراد عائلته، مأمونة بسبب تعسُّف وجود بعض الأفراد والجماعات التي كانت تَمتلك في وقت محدَّد تأثيرًا واسعًا. أما فيما يتعلق بمُمتلكات أي فرد من الرعية، سواء كان مسلمًا أو «كافرًا»، فهذه كانت، من وجهة النظر الإسلامية، مِلكًا لله ونائبه على الأرض: السلطان/الخليفة. كانت الثروات الكبيرة تتمُّ مُصادرتها عادةً بعد وفاة أصحابها لصالح خزانة الدولة، وكانت السلطات تَترك للورثة ما تراه ضروريًّا لهم.

كان مسموحًا لغير المسلمين في الإمبراطورية العثمانية بحُرِّية ممارسة العبادة والحياة في إطار الشرائع الدينية الخاصة بهم. وفي عهد محمد الثاني الفاتح الذي فتح القسطنطينية (استمرَّ حُكمه من ١٤٤٤م وحتى ١٤٤٦م، ثم من ١٤٥١م وحتى ١٤٨١م)، عاش أصحاب المِلَل المختلفة من الجاليات غير المسلمة وهم على النحو التالي: اليونانيون – الأرثوذوكس، اليهود (هناك معلومات تشير إلى أنهم نشئوا بشكلٍ رسمي بحلول عام ١٤٩٣م وربما بعد ذلك)، الأرمن – الجريجوريانيون. وقد ازداد أصحاب الملل الأخرى بمرور الوقت، وجميعهم بقوا حتى الانهيار النهائي للإمبراطورية في عام ١٩١٨م.

لم يكن النظام المِلِّي بدعة من جانب الحكام العثمانيين. فقد كان هناك عزل مُشابه للطوائف ذات الإثنيات الدينية في مختلف البلدان قبل تطبيق هذا النظام شمل مناطق آسيا الصغرى والبلقان والشرق الأوسط التي استولى عليها الأتراك. لقد ظلَّ الأتراك، في جوهر الأمر، طوال فترة وجود الدولة العثمانية شعبًا غازيًا، وكانت الحرب والإدارة موجودتين دائمًا في مجال اهتمامهم على نحو استثنائي. لقد بدا نظام الحكم الذاتي الداخلي للطوائف غير المسلمة نظامًا مقبولًا بالنسبة للأتراك أيضًا، وقد طُبِّقَ قبلهم في العديد من الدول الإسلامية، وخاصة أن السكان غير الأتراك كانوا يُمثلون أغلبية بين جميع السكان.

كانت حضارة مدن الشعوب المغلوبة تمتلك تجارة وحِرَفًا مُتطوِّرة أعطت مردودًا كبيرًا من الضرائب إلى الخزانة العثمانية، وإن لم يُشارك الأتراك أنفسهم في هذه الأعمال. أما الأحرار من الرجال غير المسلمين القادرين على العمل فكانوا يدفعون الجزية والضرائب على الأطيان (الخراج). وكانت الطائفة مُلزَمة بدفع الجزية المقدَّرة كما هي، أما الخراج فيُحدد بمقدار ما يملكون من أراضٍ.٥ يتمُّ تجميع الضرائب داخل الطائفة، وعادةً ما تتمُّ جبايتُها من كل فرد تبعًا لقُدرته على الدفع. وكان يجري عتق غير القادِرين على العمل من السكان من الضرائب المفروضة. أما الحاخامات فكانوا يدفعون نصف الجزية أو لا يدفعون، إلى جانب الجزية والخراج، ما يُعرف بالمساهمات المالية «الطارئة» في حالة قيام الحرب بالدرجة الأولى (وهي حالات لم تكن قليلة)؛ حيث إن «الكفار» لم يكونوا يُؤدُّون الخدمة في الجيش. كان من المطلوب أيضًا، سدًّا لاحتياجات الجيش، توريد الخيول وغيرها من الحيوانات لاستخدامها في أعمال النَّقل وفي جر العربات. كما أن غير المسلم الذي يَمتلك حصانًا عليه أن يُسلِّمه إلى الموظَّف أو إلى مبعوث لشخصية مهمة، إذا ما كان بحاجة للحصول على حصان. أما أكثر الأمور مشقَّة بالنِّسبة لغير المسلمين فكان توفير مكان المبيت، الذي كان الموظفون أنفسهم يستخدمونه في أثناء تنقلهم عبر البلاد وتناولهم الطعام فيه على نفقة صاحب النُّزُل.

كان غير المسلمين يُضطرُّون للعمل في بناء القلاع والجسور والطرق. وهؤلاء كانوا يقومون أيضًا بتنفيذ العديد من أعمال السخرة، وقد وصل الأمر إلى حدِّ أن الأشخاص الذين كانوا يتهرَّبون من هذه الأعمال كانوا يُمنعون من ممارسة حِرَفهم. على سبيل المثال، حظرت السلطات على ستة من اليهود بيع الدواء لهذا السبب؛ أي بزعم أنهم رفضوا التعاون مع الجيش. الأرجح أن هؤلاء لم يَرغبوا أن يتبعوا الجيش فيخسروا أعمالهم الخاصة، ولكي يحصلوا على حقِّهم في ممارسة مهنتهم، كان عليهم تنفيذ المطلب الأساسي، فضلًا عن عرضهم على القاضي الإسلامي، ومعهم الموظفون المفوَّضون خصيصى لهذه القضية، يُرافقهم اثنان من الشهود الأتراك لتقديم الاعتذار للسلطات.٦

كان اليهود والقرَّاءون يُجبَرُون على القيام بأعمال الحراسة والخدمة أمام الأبواب، كما كانوا يمارسون الأعمال الشاقة في جميع أنحاء الدولة العثمانية التي كانت تضم حتى الربع الأخير من القرن الثامن عشر القرم، فضلًا عن ليتوانيا وبولندا.

كان محظورًا على اليهود في الإمبراطورية العثمانية، كما في الإمبراطورية الروسية أيضًا، استخدام أشخاص من أيِّ ديانة أخرى. وقد حظر السلاطين أيضًا على غير المسلمين امتلاك عبيد لهم. ومن المعروف في هذا السياق الفرمان الذي أصدره السلطان مراد الثالث (١٥٧٤–١٥٩٥م) في عام ١٥٧٥م. على أنَّ غير المسلمين، بمن فيهم اليهود، كانوا يَمتلكون عبيدًا بشرط دفع الضريبة المقدرة، تشهد على ذلك وثائق الأراشيف اليهودية القضائية، وهو ما لم يَستحسنُه حاخامات اليهود باعتبار أن القانون ينبغي أن يكون نافذًا على الجميع. أما الأتراك فقد ظلُّوا على مدى عدة قرون من هيمنتهم على الإمبراطورية التي أسسوها يؤكدون أن «غير المسلمين لهم الحقوق والامتيازات نفسها وفقًا للقرآن، وأن المسلمين وحدهم هم سادتهم.»٧ كانت هناك تعليمات بارتداء اليهود ملابس وأحذية وأغطية رأس مميَّزة، إلى جانب فرض بعض القيود الأخرى.

يحقُّ للمسلم الزواج من امرأة ذمية، بينما لا يحق للمسلمة الزواج من رجل غير مسلم، كما لا يجوز أن تعمل في خدمته. ولهذا السبب يستطيع المسلم أن يمتلك عبدًا ذميًّا أو أَمَةً، بينما لا يحق للذمي أن يمتلك عبدًا مُسلمًا أو أَمَةً مسلمةً، ويحظر على اليهود والمسيحيين الإقامة في المدن المقدسة في الجزيرة العربية — مكة والمدينة.

عاش اليهود في المدن الأخرى في أحياء مُنفصلة معزولة، أما في الدولة العثمانية فلم يكن بها جيتو يهودي، كما لم تكن أمامهم موانع للسُّكنى في العديد من المدن والأراضي شأن أوروبا.

كان النظام الملِّي العثماني في جوهره نظامًا دينيًّا وسياسيًّا، وكان يُوفِّر لغير المسلمين إمكانية إدارة معظم شئونهم داخل الطوائف. أما رئيس الطائفة فيختاره أعضاء الملة باعتباره قائدًا دينيًّا ومدنيًّا، ويتمُّ اعتماده بعد الانتخاب من جانب السلطات ليُدير شئون الطائفة برعاية منه.

هناك معلومات تُفيد أن كبير الحاخامات في إسطنبول كان معتمدًا بمُبادرة من المهاجرين الإسبان في بداية القرن السادس عشر، وكانت سُلطة كبير الحاخامات في البداية مقيدة بالدرجة الأولى بحدود المدينة.

كان كبير الحاخامات (حاخام – باشي)، مثله مثل غيره من رؤساء الملل غير المسلمة، مسئولًا عن جمع الضرائب، وفي الحالات الاستثنائية يسعى لمصلحة الطائفة أمام السلطات العثمانية، وتتشابه وظائفه جزئيًّا مع تلك الوظائف المنوط بها ممثلو الدول الأجنبية. صحيح أنه كانت هناك حالات، وإن كانت نادرة، كان الباب العالي يتدخل فيها في اختيار رئيس الطائفة ويرفض اعتماد المرشح غير المستحب الذي جرى اختياره.

كان أعضاء الطائفة الدينية يتوجَّهون بشكاواهم وطلباتهم إلى رئيسهم أو إلى المجلس الملِّي، وبعد مُناقشتها في المجلس يقوم رئيس الملَّة بإرسال هذه الوثائق إلى الديوان السلطاني. وفي الأمور التي تمسُّ الزواج والطلاق والميراث والتعليم والأعمال الخيرية، وعند ظهور مشكلات مدنية أخرى، يكون لرئيس هذه الملَّة شرعية مستقلَّة. كان لليهود والمسيحيين مدارس خاصة ومُستشفيات ومحاكم ومصحات عقلية.

وبالرغم من أن شعوبًا مختلفة العقائد عاشت في دولة واحدة، فقد كانوا في واقع الأمر يخضعون لقوانين مختلفة داخل الطوائف، كما كانت لهم عاداتهم وتقاليدهم، الأمر الذي كان سببًا في ظهور خلافات مُستمرة بين هذه الطوائف، ولم تكن هناك طائفة واحدة، رغم ذلك، بإمكانها مخالفة القوانين والعادات التي فرضها الإسلام عليهم.

كان الأتراك يَستغلُّون التوتر القائم بين الطوائف لأغراضهم، على أنهم كانوا يُحاولون أن يُبقوا هذا التوتر تحت سيطرتهم تجنبًا لاندلاع اضطرابات يمكن أن تحدث في لحظة واحدة.

حتى مُنتصَف القرن التاسع عشر لم يكن بإمكان غير المسلم أن يشغل أي وظيفة في السلَّم الإداري؛ ومن ثم فإن الذين خرجوا من هذه الطوائف، بعد أن اعتنقُوا الإسلام، كان بإمكانهم الترقِّي في السلَّم الإداري حتى أعلى المناصب. بعض اليهود والمسيحيين استثنوا من ذلك نظرًا لانضمامهم للخدمة لدى السلطات، وهؤلاء شغلوا وظائفهم باعتبارهم مُترجمين وأطباء وجباة للضرائب ورسوم الجمارك وأحيانًا مُستشارين ودبلوماسيين.

ما ذكرناه سابقًا يُمكن أن يخلق انطباعًا، وكأن الأتراك كانوا يتعامَلُون مع غير المسلمين من السكان وكأنهم أجانب، وخاصة أن رئيس الكُتَّاب (وهو بمَثابة وزير الخارجية) كان هو الذي يُدير شئون أصحاب الملل. هنا نجد في الحقيقة قدرًا من التشابه؛ حيث إن قواعد الإسلام كانت تسمح بقدرٍ نِسبي من التسامح تجاه «الكفار» فقط بشرط خضوعهم التام، لكن هذه القواعد لم تَعترف مطلقًا بحقهم في المساواة مع المسلمين، سواء أكانوا رعايا للسلطات أم أجانب.

أصبحت هذه الدوجما التي طرحها الإسلام في القرنين التاسع عشر والعشرين تحديدًا تُمثِّل حجر عثرة في طريق إعادة إصلاح نظام الدولة الذي استشرى فيه الضعف إلى حدٍّ يُثير اليأس، وكذلك أمام المحاولات المتكرِّرة التي اتخذها النظام لتوحيد التنوع الإثنوديني لسكان الإمبراطورية. هكذا بدَت العقيدة العثمانية، عقيدة وطن واحد للمسلمين وغير المسلمين، عقيدة باطلة.

كانت جماعات السكان الذين عُرفوا بالذميين، «أهل الكتاب»، الرعية، الكفار (المسيحيون أساسًا) واليهود يتعرَّضون للتفرقة الدينية والسياسية والاجتماعية. ولذلك يعدُّ الاعتناق الجماعي للإسلام من جانب المسيحيين في بعض مناطق البلقان، في ألبانيا على سبيل المثال، واحدًا من المؤشرات الدالة على هذه التفرقة وعلى الضغوط السياسية والاقتصادية والاجتماعية. يُمكننا أن نجد بين اليهود أيضًا من عُرفوا بالدونمة (الذين اعتنقوا الإسلام)، وهؤلاء كانوا قلَّة نادرة. كان هناك قانون في الإمبراطورية العثمانية، وفي الدول الإسلامية الأخرى، يَقضي بإعدام كلِّ مسيحي أو يهودي يعتنق الإسلام ثم يرتدُّ عائدًا لدينه السابق من جديد. وقد أُلغي هذا القانون في منتصف القرن التاسع عشر فقط. وقد تبين أن السلاطين المتسامحين مع اليهود كانوا يُصدرون فرمانات عنصرية أيضًا؛ فالفرمان الذي أصدره السلطان محمد الثاني الفاتح كان يحظر ترميم وإعادة بناء السيناجوجات والكنائس المُهدَّمة، وقد ظل هذا الفرمان ساريًا على نحو صارم وقاسٍ حتى منتصف القرن السابع عشر، عندما بدأت السلطات التركية تغضُّ البصر عن الحالات المخالفة. على أن هذا التهاون جاء نتيجة الصراع الطويل والعنيد ورشوة السلطات، ومفاوضات زعماء الطوائف مع هذه السلطات. وقد كان محظورًا أيضًا على أثرياء اليهود ارتداء الحرير والمجوهرات، الأمر الذي كان يشكل بالمناسبة خطرًا على الحياة على وجه العموم في ذلك الزمن.٨

دفع أسلوب التعامل مع غير المسلمين في الإمبراطورية العثمانية الحكومات الأوروبية إلى فرض بنودٍ في بعض معاهدات الاستسلام تُعطي الحق لمواطنيها في عدم الخضوع للتشريعات المحلية، وكذلك امتيازات لم يكن ليحلم بها أصحاب المِلَل.

هذه الامتيازات أو تلك التي أعطيت للطوائف كانت تتوقَّف على نزوة السلطان، وكانت تُمثل تنازلًا من جانب واحد ولا تدخل في المعاهَدات الرسمية الثنائية التي استطاعت الدول الأوروبية أن تفرض فيها نظام الاستِسلام، خلافًا لأصحاب الملل مهضومي الحقوق.

1 2 3 4 5الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading