مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات تأريخية

الوضع القانوني للطوائف اليهودية في الإمبراطورية العثمانية✍ إيرما لفوفنا فادييفا-ترجمة أنور إبراهيم

(٢) العصر الحديث

ما إن امتلكت الدول الأوروبية قدرة عسكرية واقتصادية أكبر مما كان لديها من قبل، حتى ألزمت الباب العالي بمبدأ حماية حقوق السكان المسيحيِّين، وأصرَّت روسيا على حقوق الشعوب التي تَعتنِق العقيدة الأرثوذوكسية، وهذا المبدأ تحديدًا كان وراء جميع حروبها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وعلى مدى هذين القرنين راح الأتراك يَفقدُون جزءًا وراء الآخر من الأراضي. أما فيما يتعلَّق بالسكان اليهود، الذين كانوا غير مقبولين من الجميع، فإنَّ أيًّا من الدول الأوروبية لم يولهم أدنى اهتمام. الواقع أنه، وبعد اندلاع الثورة الفرنسية الكبرى في عام ١٧٨٩م، تخطَّى مختلف فئات السكان، الذين لم يكونوا يَمتلكون حقوقًا من قبل، بمَن فيهم اليهود، تخطَّوا كثيرًا من العقبات حتى حصلوا جميعًا بالتدريج على المساواة الرسمية أمام القانون، شأنهم شأن غيرهم من المواطنين.

وقد عثر المؤرخ أ. ل. فاينشتين، الذي كان يعمل في الأرشيف الوطني في باريس؛ حيث قام فيه على دراسة الصحافة الفرنسية في سنوات الثورة، عثر على وثائق تدلُّ على تعاطُف الأتراك اليهود مع الثورة الفرنسية التي «أعطَت حق الجنسية لإخوانهم». على أن شركات التجارة في المشرق العربي لم تُولِ أهمية خاصة لمثل هذه المعلومات. كانت باريس تخشى أي تعقيدات في علاقاتها بالباب العالي؛ فالإمبراطورية العثمانية كانت تَبيع القمح لفرنسا مما دفع السلطات الفرنسية لاتخاذ جانب الحذر، وإلا فقد كان من المُمكن أن تفقد فرنسا هذا القمح. أما الباب العالي فقد أحجم بدوره عن اتخاذ أي أعمال عدوانية تجاه فرنسا، على الرغم من عدم تعاطفه مع الأحداث الثورية في أوروبا.١٩

تحتوي الوثائق العُثمانية على معلومات تفيد أنه على الرغم من أن أفكار الثورة الفرنسية وأصداء أحداثها قد وصلت إلى إسطنبول، فإنَّ الفكرة الفلسفية التي أنجبَت هذه الثورة والحركات الثورية في البلدان الأخرى، لم تكن معروفة للغالبية العظمى من سكان الإمبراطورية العثمانية. جزء صغير فقط من أرستقراطيي مولدافيا وفالاخيا٢٠ ومن الأثرياء الفناريين (يونانيو إسطنبول الذين يسكنون حي الفنار)، الذين كانت لهم علاقات مع الأجانب وبعض المسيحيِّين واليهود الآخرين، الذين كانوا على معرفة باللغة الفرنسية، فضلًا عن علاقاتهم بأرباب السفن والتجارة اليونانيين، الذين كانوا يَدعمون العلاقات التجارية مع أوروبا، وأخيرًا الموظَّفون المسلمون، الذين كانت تَربطهم علاقات عمل مع الأجانب ومع الفناريِّين. هؤلاء كان لديهم تصور ما حول أفكار الثورة الفرنسية الكبرى. أما الجزء الأساسي من سكان الإمبراطورية، سواء من المسلمين، أو من غيرهم، فكانوا لا يعلمون إلا النَّزر اليسير عن الأحوال في أوروبا. كما أن الكثير من سكان إسطنبول لم يكونوا على دراية بما يحدث في السفارة الفرنسية في باي أوغلو؛ حيث علَّق أنصار الثورة شارة الزهرة الثلاثية بعد أن عرفوا بالاستيلاء على الباستيل، الأمر الذي أثار الترجمان النمساوي وراحوا يعبرون عن فرحتهم.٢١

على أثر الانهيار الواضح للإمبراطورية، قام أكثر كبار الموظفين العثمانيين ثقافةً في القرن التاسع عشر بالعمل على إجراء الإصلاحات في المجال العسكري بالدرجة الأولى، ثم في مجالات التشريع والتعليم وفي هياكل الدولة؛ وذلك بدعم من السلاطين، وليس بتأثير أفكار الثورة الفرنسية على الإطلاق. وقد تبيَّن آنذاك أن تحديث الدولة الإسلامية، الثيوقراطية في جوهرها، عمل معقَّد للغاية يَستلزم عقودًا طويلة. وكانت المحصلة هي تدهور الإمبراطورية، وقد وُوجه الإصلاحيون بمقاومة شديدة في المجتمع، وعندما سعى غير المسلمين (ما عدا اليهود) إلى الاستقلال التام، قامت الدول الأوروبية، وخاصة روسيا، بمُساعدتهم على ذلك بالطرق الدبلوماسية، فضلًا عن القوة العسكرية، ساعين إلى حصول اليونان ودول البلقان السلافية على حريتها.

لم تكن لدى الغالبية العظمى من الموظفين العثمانيين أية رغبة في الإصلاحات، بل راحت تعمل على مقاومتها سرًّا. كان رجال الدين، ومعهم جماهير السكان المسلمين، يرون في الإصلاحات ابتعادًا عن الدين الإسلامي، وخيانة، وهدمًا لأصول الدين والحياة. وقد اعتبَرُوا السلطان الإصلاحي محمود الثاني (١٨٠٨–١٨٣٩م)، وكان من أمٍّ من الكريوليين٢٢ من جزيرة مارتينيك، كافرًا، وكان من المُمكن، بطبيعة الحال، قتله، لولا أنَّ الأسرة العثمانية، التي ينتمي إليها، كانت تُعتبَر سلالة مقدسة بالنِّسبة لهم، وقد كان الرجل في هذه اللحظة لا يزال مُمثلها الوحيد.

لم يكن رجال الدولة العثمانيون في النِّصف الأول من القرن التاسع عشر يرون مسألة مساواة المسيحيِّين واليهود بالمسلمين أمرًا ذا أهمية كبرى، وإنما هو أمر يرتبط بإصلاح المؤسسات الحكومية، أضف إلى ذلك أنَّ هذه المسألة أصبحت فيما بعد جزءًا لا يتجزَّأ من السياسة الرسمية العثمانية، وذلك في سياق التدخُّل الدائم واللَّحوح من جانب الدول الأوروبية.

أما الجديد الذي جاء نتيجة الخبرة التي تراكَمَت عبر قرون طويلة في مجال الشئون الوظيفية فكان الأمر الصادم الخاص بإلغاء قيام السكان غير المُسلمين بدفع نفقات الموظفين ورواتبهم في أثناء تنقلاتهم عبر البلاد، وهي النَّفقات التي كانت مفروضة عليهم من قبل. وقد جاء في الفرمان الذي أصدره محمد الثاني في هذا الشأن: «أنَّ على جميع الشخصيات الرسمية أيًّا كانت مناصبهم: وزراء، ميرميرانات،٢٣ وهلمَّ جرًّا، الذين يتحتَّم عليهم السفر عبر الإمبراطورية، أن يشتروا حاجاتهم الضرورية من المؤن الغذائية من أموالهم الخاصة، أما الفقراء فليسوا مُلزمين بتموينهم بلا مقابل.» وقد انتهى الفرمان بالتوجُّه إلى السلطات من جميع الرُّتَب بطلب «تجنيب جميع مواطني السلطان، سواء المسلمين أو الرعية، الظلم والجور الذي ترسَّخ في المعاملات الإدارية، والذي يَتنافى في جميع العصور مع الشرائع الإسلامية المقدَّسة، ويتعارض وإرادة السلطان الشخصية.»٢٤

في يناير من عام ١٨٣٤م أعلن عن مرسوم آخر يحظر التعسُّف في جمع الأموال في المحاكم والمبالَغة في الضرائب التي نصَّ عليها القانون لدفع رواتب الموظَّفين وكذلك مبعوثي الحكومة.٢٥

وفي واقعة غير مسبوقة، من وجهة نظر المسلمين، اتخذ السلطان موقفًا مفاجئًا؛ ففي اليوم الأول من شهر رمضان دعا إليه كلًّا من بطريرك القسطنطينية والحاخام الأكبر واثنَين من البطاركة الأرمن (بطريرك الكاثوليك وبطريرك الأرمن الجريجوريانيين)، وأنعم عليهم بأوسمة الشرق المُزينة بالماس. عن هذا الموقف يتحدَّث أ. ب. لوتينيف، السفير الروسي لدى إسطنبول، قائلًا: «لقد أثار هذا الموقف دهشة الجميع … باعتباره دليلًا على نية السلطان في الأخذ بنظام يَكفُل التسامح والمساواة تجاه جميع رعاياه.»٢٦

إلى محمود الثاني تُنسب الكلمات التالية: «إنني أميز بين رعاياي؛ فالمسلمون في المسجد، والمسيحيون في الكنيسة، واليهود في السيناجوج، ولكنني، إلى جانب ذلك، لا أُفرِّق بينهم بأي شكل من الأشكال. إن علاقتي بهم وشعور العدالة موجود لديَّ تجاههم جميعًا وبالقوة نفسها، وهم جميعًا في الحقيقة أبنائي.»٢٧

في الثالث من نوفمبر عام ١٨٣٩م، إبان حكم السلطان عبد المجيد الأول (١٨٣٩–١٨٦١م)، صدر مرسوم جولخان (خطي شريف). وقد ضمن هذا المرسوم لغير المسلمين الحياة الكريمة وسمح لهم بالملكية، وهو ما لم يكن مُتاحًا لهم من قبل. إنَّ تطبيق قرارات على هذا النحو من الراديكالية بالنِّسبة لدولة إسلامية بدا آنذاك مهمَّة غير واقعية؛ إذ كانت تمس وبأكبر قدر من الحساسية التقاليد الدينية لدى المسلمين. على أنَّ الفصل بين المبادئ المدنية والدينية في الدولة كان ما يزال أمرًا بعيدًا. وعلى أيِّ حال فإن هذا المرسوم تحديدًا، على الرغم مما جاء في مقدمته التي تؤكِّد صحة أركان الإسلام الخالدة، كان بمثابة الصدمة بالنِّسبة للمسلمين. وقد تمَّ اعتماد مبادئ مرسوم جولخان وتطويرها في خط همايوني الصادر في عام ١٨٥٦م.

كان إعلان التسامح الديني هو أساس هذا المرسوم:

«سوف يتَّخذ الباب العالي إجراءات فعَّالة لكي يوفر لكل دين، مهما بلغ عدد أتباعه، الحرية الكاملة لإعلانه.

وإنَّ أيَّ تمييز أو وصف يُقصَد به إهانة جزء من رعاياي أمام الآخرين بسبب دينهم أو نعتهم أو أصولهم، سوف يتم حذفه إلى الأبد من جميع الوثائق الإدارية. وسوف تعاقب القوانين بكلِّ حزم على عادة السب أو الإهانة من جانب الأشخاص العاديِّين أو من أصحاب السلطة من جميع الرتب.

لكلِّ شخص الحق في مُمارسة شعائره الدينية بكل حرية، وألا يتعرَّض للاضطهاد بسبب عقيدته، وألا يُرغم على تغيير ديانته.

ولمَّا كان تعيين واختيار الموظَّفين وكذلك جميع المسئولين الآخرين يتوقَّف بشكل مُباشر على إدارتنا العليا في الإمبراطورية؛ فقد قرَّرنا السماح لكل رعايا إمبراطوريتنا، دون أي تَفرقة قومية، بالعمل بالوظائف العامة حسب ما يتمتَّعون به من مواهب واستحقاقات، وبناءً على القواعد المرعية المطبَّقة على الجميع على قدم المساواة.

سوف يُسمَح لجميع رعايا إمبراطوريتي دون تمييز بالالتحاق بالمدارس الحكومية والعسكرية؛ وذلك إذا ما انطبقت عليهم شروط السن واجتياز امتحانات القبول المحددة في نظم هذه المدارس.

إضافة إلى ذلك، سوف يُسمحَ لكل طائفة أن تؤسس مدارسها العِلمية والفنية والصناعية الخاصة بها، أما أساليب التدريس واختيار المدرسين لهذه المدارس فتتم تحت إشراف المجلس المختلط للتعليم الشعبي؛ يُعين أعضاؤه بواسطة سلطتنا العليا.»٢٨

وكما ذكرنا من قبل، فإن غالبية التصريحات التي وردت في المراسيم العليا لم تتحقق عمليًّا.

لم يجرؤ الأتراك على تسليح المسيحيين. لقد كان تأسيس وحدات عسكرية مستقلة على أساس التمييز الإثني الديني بالنسبة لهم عملًا انتحاريًّا، أما العمل تحت إمرة القادة المسلمين فأمر كان المسيحيُّون يرفضونه. أما اليهود فكانوا يُفضلون دفع بدل نقدي مقابل عدم الخدمة في الجيش العثماني، وهو أمر يَكفله القانون.

في عام ١٨٤٠م أصدرت الحكومة قانونًا جنائيًّا جديدًا مُسترشدة في معظم ما جاء فيه بالقواعد القانونية الأوروبية، على الرغم من أنَّ القواعد السابقة، سواء المسيحية أو اليهودية، ظلَّت سارية على أساسٍ طائفي.

في عامَي ١٨٦٢م و١٨٦٣م صدر ميثاق يُنظم الطوائف المسيحية، واستهدف هذا القانون الحد من نفوذ رجال الدين لدى هذه الطوائف وزيادة أهمية المؤسَّسات المدنية.

وقد حصل اليهود العثمانيون على ميثاق مُماثل في عام ١٨٦٥م، لكنه لم يُثِر أي حماس لدى طوائفهم. وكان مشروع إعادة التنظيم الداخلي للطوائف غير المسلمة قد أعلن أيضًا في خط همايوني في عام ١٨٥٦م. كانت الحكومة تستهدف القضاء على التناحر الديني والصراعات بين الطوائف من أجل ضمان الأخوَّة العثمانية والمساواة بين الرعايا وقد عاشت الحكومة بضعة عقود أسيرة لهذه الأوهام.

وفي عام ١٨٦٨م تمَّ تأسيس مجلس الدولة العثماني (شورى إي ديفليت) برئاسة الوزير-الرئيس، وذلك على نموذج مجلس الدولة الفرنسي. وقد اشتمل المجلس في عام ١٨٧٣م على أربعة أقسام: تشريعي، إداري، تحكيمي وآخر للشئون الاجتماعية (سرعان ما تم إغلاقه). من بين ستة عشر مستشارًا في هذا المجلس، كان هناك ثلاثة يُمثِّلون الطوائف غير المسلمة وهم اليونانيون واليهود والأرمن.

في العاشر من مايو ١٨٦٩م ألقى السلطان عبد العزيز (١٨٦١–١٨٧٦م) خطابًا في الاجتماع الأول للمجلس أكَّد فيه طبيعة هذه المؤسسة الجديدة بقوله: «أيًّا كانت العقيدة التي يَعتنقها رعايانا، فكلُّهم أبناء وطن واحد. إنَّ الاختلافات الدينية لا ينبغي أن تكون سببًا للشقاق بين الرعايا العثمانيين؛ حيث إنَّ لدينا حرية العقيدة.»٢٩

هذه التصريحات لم يَشُبها أي قصور، بينما لم تَصِل الحكومات المجاورة، في روسيا مثلًا، حتى إلى مستوى إصدار مثل هذه التصريحات.

على أنه سرعان ما دبت الخلافات في هذا المجلس ليتعرَّض للتعديل، حتى إنَّ بعضًا من الظرفاء أطلقوا عليه اسم «مجلس موافقون» (شورى إي إيفيت على وزن شورى إي ديفليت).

كان فؤاد باشا، أحد أكبر الإصلاحيِّين العثمانيين في القرن التاسع عشر، والذي شغل منصب الصدر الأعظم عدة مرات، كان مهتمًّا بشدة بالوضع المزري الذي تردَّت إليه الإمبراطورية. كان يرى أن مصالح الدولة فوق كل الدوجمات والخرافات التي عفا عليها الزمن. كتب فؤاد باشا يقول: «إذا قام أي باشا بالصلاة إلى الله وفقًا لشريعة موسى أو امتثالًا للعهود المسيحية، فإنَّ هذا لا يُعد سببًا لكي نَحرم أنفسنا من الفائدة التي تعود علينا نتيجة عمله. أما إذا كان هذا الباشا نفسه يحلم بالإمبراطورية البيزنطية أو يسعى لخدمة مملكة كيليكيا، غير مُعترِف بوحدة وطننا، فإنه يكون عندئذ قد توقَّف عن أن يصبح خادمًا مخلصًا وينبغي أن يتم إقصاؤه.»٣٠

وقد أولى زميله ورفيق فكرِه عالي باشا الاهتمام نفسه لمبدأ المساواة الذي رُفع إبان الثورة الفرنسية – «كل فرد حر ويقف على قدم المساواة مع أي فرد آخر.» وفي هذا السياق يُؤكِّد عالي باشا على أن أوروبا ليس لديها تَفرقة دينية على أساس قانوني.

في القرن التاسع عشر عمل كثير من المسيحيِّين، غالبهم من اليونانيين والأرمن، في خدمة الباب العالي، وقد شغل بعضهم منصب الوزير. أما اليهود فقد ظلُّوا في هذه الفترة، في واقع الأمر، بمنأى عن عملية تحديث الطوائف غير المسلمة، تلك العملية التي راحت تَستجمع قوتها.

وكانت علامات انهيار الطوائف اليهودية داخل الإمبراطورية العثمانية قد لوحظت منذ القرن السابع عشر على خلفية نهوض وتعاظم قوة الوحدة المسيحية التي تجمعها أفكار الاستقلال القومي. ومن بين أسباب التدهور التدريجي للسكان اليهود يُمكن أن نذكر الضرائب الباهظة التي فُرضت عليهم في تلك الفترة، والهجوم الدائم عليهم من قبل الإنكشارية (بالنَّهب والحرق)، ناهيك عن غياب زعماء لهم من ذوي النفوذ. لقد تخلى اليهود عن مكانتهم في الاقتصاد للأرمن واليونانيِّين، وخسروا في معركة المنافسة الحامية.

لقد وقفت الاضطرابات الداخلية في الإمبراطورية العثمانية حجر عثرة في طريق تحديث الحياة الطائفية. على أيِّ حال فقد أسهمت الدعوات إلى التضامن من اليهود الشامل بعض الشيء في التخفيف من حدة التباعُد الذي دام طويلًا بين طائفتي السفارديم والأشكيناز.

لقد بدأ اليهود في تعلم اللغة التركية لكي يتمكَّنوا من شغل الوظائف الحكومية طبقًا للمَراسيم السلطانية.

ظلَّت الفجوة الاجتماعية الثقافية بين اليهود العثمانيين والمسيحيين قائمة إلى قيام ثورة تركيا الفتاة في عام ١٩٠٨م، بالرغم من عدم وجود أي تمييز قانوني لليهود. وقد أكَّد أول دستور تركي صدر في عام ١٨٧٦م على المساواة بين جميع الرعايا العثمانيين. ومن بين أعضاء أول برلمان عثماني كان هناك بعض اليهود، كما دخل اثنان من اليهود إلى مجلس الشيوخ، واثنان آخران إلى مجلس الدولة، وبالمناسبة، تمَّ تعيين أحد اليهود أيضًا سكرتيرًا بالمجلس. على أن المسيحيين العاملين بالجهاز الحكومي كانوا، بطبيعة الحال، أكثر بكثير. نظرة إلى الجدول الذي يُبيِّن النسبة بين أعداد المسلمين وغير المسلمين في الوظائف الحكومية في الفترة العثمانية المتأخِّرة تكشف لنا أن اليهود كانوا يشغلون فيها منزلة مُتواضعة، وكذلك كانت أوضاعهم في المراتب الدنيا من البيروقراطية العثمانية.٣١

رُتب الموظفينمسلمون تقليديونمسلمون إصلاحيونيونانيون
رتبة الوزير١١٢٣
الرتبة العليا٤٩٧
الرتبة الأولى للطبقة الأولى١٣٢٣١٣
الرتبة الأولى للطبقة الثانية١٨٢٠١٧
الرتبة الثانية للطبقة الأولى٢٢١٥١٣
الرتبة الثانية للطبقة الثانية١٦٥١٧
الرتبة الثالثة١٠٩١٠
رُتب الموظفينأرمنيهودعرب مسيحيونأوروبيون
رتبة الوزير٤١٧
الرتبة العليا٦٢٩٣٣
الرتبة الأولى للطبقة الأولى١٥١٤١٧
الرتبة الأولى للطبقة الثانية٢٣١٧١٤
الرتبة الثانية للطبقة الأولى١٥١٧
الرتبة الثانية للطبقة الثانية١٢٢٥
الرتبة الثالثة١٢٨٤٣١٧

كان الأرمن في زمن السلطان عبد الحميد الثاني (١٨٧٦–١٩٠٩م) يعملون بصفة أساسية بوصفهم خبراء في إدارة القصر وفي أعمال الخزانة، بينما بلغ اليهود في القرن السادس عشر في البلاط عددًا لا يستهان به. وفي وزارة الخارجية كان هناك ١٠٧ من غير المسلمين: ٣٠ يونانيًّا، ٥٢ أرمينيًّا، ١٢ يهوديًّا (سفارديم وأشكيناز وقرَّاءون)، ٧ عرب مسيحيين من لبنان وسوريا. علاوة على ذلك كان هناك ستة أوروبيين، لا يحملون الجنسية العثمانية؛ أي يُعدُّون من الأجانب، من بينهم كاثوليكيُّون من المشرق العربي.٣٢

وفي نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين بلغ عدد الطوائف اليهودية في الإمبراطورية العثمانية حوالي ٤٠٠ ألف فرد.٣٣ في تلك الفترة بدأت هجرة اليهود إلى الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول، وفي الوقت نفسه بدأت هجرتهم أيضًا من روسيا ورومانيا وبلدان البلقان الأخرى؛ حيث كان اليهود يُعانون من المذابح والنهب، ومن جراء القوانين المناهضة لهم. انتشرت الأفكار المُعادية للسامية على نطاق واسع بين اليونانيين، فضلًا عن انتشارها أيضًا بين الأرمن وأبناء البلقان والسلاف.

وكثيرًا ما كان العداء يدبُّ لأسباب مختلفة بين أبناء هذه الشعوب على أنه بمجرَّد نشوب خلاف بين أحد منها وبين اليهود كان الجميع يَتضامَن مع أعداء الأمس، تمامًا كما يفعل العرب في أيامنا هذه. إنَّ العرب يُكرِّرون الوشايات نفسها المعادية لليهود، ويستخدمون تكتيك الهجمات، التي استعاروها من المسيحيِّين؛ فقد كانوا يسعون للاستفزاز وارتكاب المذابح في توقيت أعياد اليهود أو المسيحيِّين.

وكما ذكرنا من قبل فإنَّ المغزى الأكبر للكراهية المتبادلة بين اليهود والمسيحيِّين، إلى جانب الأفكار الدينية التي راجت لدى المسيحيِّين، إنما تعود أسبابها إلى المنافسة التجارية وخاصة في مقدونيا وغرب الأناضول؛ حيث عاش عدد كبير من اليونانيِّين.

كان المسيحيون يتَّهمون اليهود بالسحر والفساد ونشر الأمراض، التي كان اليهود أنفسهم يُعانون منها بطبيعة الحال بدرجة لا تقلُّ عن الآخرين. وكان من الأمور المُعتادة تمامًا بالنسبة للمسيحيين قيامهم باحتقار اليهود والسخرية منهم ومقاطعة التجار اليهود ووضع العوائق أمام النشاط الاستثماري لهم والتمييز العنصري (كان المسيحيون يُحاولون عدم قبول اليهود في العمل بحُجة أنهم يُحرِّمون العمل يوم السبت، وهلمَّ جرًّا).

كانت العلاقة بين اليهود والأتراك أكثر هدوءًا. وعلى الرغم من أنَّ فكرة «فرية الدم»٣٤ كانت منتشرة أيضًا بين الأتراك، فإننا نجد في وثائق التحالف اليهودي المشترك معلومات تُفيد أن السلطان عبد الحميد نفسه لم يكن مُقتنعًا تمامًا بأن اتِّهام شعب كامل باستخدام دم الأطفال المسيحيين هو فرية مُطلَقة. على أن الحوادث في الأوساط التركية، وكذلك الصدامات التي كانت تقع على أرضية الاقتصاد والسياسة، كانت نادرة للغاية.٣٥

على أنَّ الأمور في شرق الأناضول، حيث عاش الأكراد بشكلٍ مكثَّف، قد سارت على نحو مُغاير. في ديار بكر وأورفا وماردين وغيرها، وفي بعض المدن الأخرى، راح الأكراد يَضطهدون الطوائف اليهودية، واضطرُّوهم إلى دفع ضرائب تفوق ما كانوا يَدفعونه من ضرائب للسلطات التركية. وكانت مُحاولات الاحتجاج يتمُّ إخمادها على الفور وبكلِّ قسوة. كان البلطجية يتصرَّفون بوقاحة أكثر، مُعتمدين على إفلاتهم من العقوبة.

مع نهاية القرن التاسع عشر، تعرَّضت الطوائف اليهودية في ولاية ديار بكر للتدمير، وراحت أعدادهم تتناقص عامًا وراء الآخر على نحو ملحوظ.

لم تكن الأحوال في ماردين تسير على نحو أفضل، فبحُلول عام ١٩٠٦م لم يتبقَّ من الجالية اليهودية الصغيرة المكوَّنة، بناءً على الإحصاءات التي أجريت في مطلع القرن العشرين، من خمسمائة شخص، سوى يهودي واحد كان يقوم على حراسة السيناجوج. لم يمسَّه أحد بسوء، والفضل في ذلك يرجع إلى أنَّ سكان المدينة كانوا يُقدِّرونه باعتباره عَرَّافًا. العديد من اليهود، الذين غادَروا شرق الأناضول، توجَّهوا إلى فلسطين والموصل وإلى غرب الأناضول، حيث لم تُواجههم فيها مشاكل كبيرة. لم يَنتقِل اليهود من العديد من المناطق الأوروبية والآسيوية في تركيا بسبب الملاحقة والاضطهاد فحسب، وإنَّما لأسباب أخرى أيضًا. ففي الفترة من عام ١٨٨٩م وحتى عام ١٩١٢م، بلغ عدد المهاجرين من تركيا الأوروبية ٤٦٠٤ يهود متجهين إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بينما بلغ عدد المهاجرين منهم من تركيا الآسيوية ٣٢٣٠ نسمة.٣٦

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading