الوضع القانوني للطوائف اليهودية في الإمبراطورية العثمانية✍ إيرما لفوفنا فادييفا-ترجمة أنور إبراهيم
كان من الممكن إلغاء الامتيازات أو التسهيلات التي تُقدَّم إلى هذه الطائفة أو تلك في أي وقت. ومن المعروف أن محمدًا الثاني أصدر لائحة خاصة أعفى بمقتضاها اليهود من بعض الضرائب على بيع اللحوم وتبادل النقود وغيرهما من الإعفاءات من هذا النوع؛ وذلك بغرض التخفيف على القادمين منهم في مكان إقامتهم الجديد. ظلت هذه التسهيلات، التي أنعم عليهم بها هذا السلطان سارية طوال عهده فقط، بعد ذلك كان من المُمكن للحاكم القادم أن يُجدِّدها أو يلغيها.
أدَّت توجُّهات الدولة العثمانية تجاه المواطنين غير المسلمين، والتي استمرَّت لعدة قرون، إلى أثر كبير في واقع الأمر في حماية هؤلاء المواطنين من أي عدوان خارجي، وأحيانًا من أي عدوان داخلي. لقد وضع المفهوم الإسلامي للدولة الذميين على هامش الحياة، وكانت القوانين الإسلامية تُوضع موجَّهة إلى «المؤمنين» وتتجاهَل كلَّ مَن لا يَنتمي إليهم. ولهذا تحديدًا لم تستطع هذه الإمبراطورية الإسلامية الكبرى، بسبب هذه القوانين الدينية وطريقة تفكيرها التي كانت تتماشى ومصالح الطبقة العليا فيها، توحيد السكان المُتنافِرين داخلها على أساس قيَم عامة ما، ومن ثَمَّ فقد باتت مَقضيًّا عليها بالانهيار والفناء.
على أنه، وحتى في غياب المساواة الدينية والاجتماعية، فسرعان ما أصبح وضع اليهود في الدولة العثمانية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر أفضل قانونيًّا وأحيانًا عمليًّا، من وضع اليهود في معظم بلدان أوروبا، حيث تعرضوا هناك للاضطهاد الديني، بل وللإبادة الجسدية أيضًا في أحيان كثيرة. في النصف الأول من القرن الخامس عشر بدأت السلطات العثمانية في تسجيل سكان الإمبراطورية، ولكنَّ التعداد على نحو منتظم لم يبدأ إلا منذ النصف الثاني فقط من هذا القرن على فترات من عشرة إلى عشرين عامًا. وفي الحقيقة فإن هذه الإحصاءات لم تكن إحصاءات شاملة بالمعنى المعروف للكلمة اليوم.
لقد وضعت هذه السجلات العثمانية هدفها الأول جباية الضرائب من السكان، وكان التسجيل في الوحدة الإقليمية الإدارية (السنجق) يستمرُّ من عام إلى عامين، ولم يكن يجري في جميع المناطق دفعة واحدة، وإنما على نحو تدريجي، وفي كل إقليم على حدة. أما السجلات التي وصلت إلينا فهي غير مُكتملة بالمرة بحيث يمكن الاعتماد عليها في معرفة التعداد الدقيق للسكان في فترة محدَّدة. لقد لعبت المصادفات دورًا كبيرًا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر في النمو المتواثب لبعض المدن، بينما أدَّت إلى تراجع كبير في أعداد السكان في مدن أخرى، وفي الوقت ذاته بدأت مدن أخرى في النمو من جديد، وهي المدن التي تحوَّلت بفضل الغزوات التركية الجامعة إلى مدن حدودية مؤقتة، لتتعرض هي نفسها أحيانًا للتدهور عند زحزحة الحدود. لم تكن وحدة الحساب آنذاك هي النسمة، وإنما البيت، الأسرة (الخان)، وكان يشار في السجلات إلى صاحب البيت ووضعه العائلي (أعزب، متزوِّج)، وإلى الديانة.٩
غزا الأتراك العثمانيون فلسطين وغيرها من أراضي الشرق الأوسط في عام ١٥١٦م، وتمَّ بناءً على أمر السلطان سليم الأول (١٥١٢–١٥٢٠م) تقسيم الأراضي التي تمَّ غزوها إلى سناجق، تشكل معًا جزءًا أكبر يعرف بالولاية. كان الكتبة يحسبون الجاليات اليهودية في صفد وأورشليم والخليل وغزة ونابلس والسامريين على حدة، فضلًا عن حسابهم للعائلات اليهودية القادمة من إسبانيا والبرتغال وإيطاليا وألمانيا والمجر وبلاد المغرب إضافة إلى اليهود الذين يتحدَّثون العربية. وقد بلغ عدد اليهود الذين كانوا يعيشون في الجليل حوالي ١٠٠٠٠ نسمة، بينما بلغ مجموع سكان فلسطين بين عامي ١٥٥٥م و١٥٥٦م حوالي ٣٠٠٠٠٠ نسمة.
من بين وثائق الأراشيف العثمانية سجلات تَحتوي على معلومات حول أعداد العائلات اليهودية والضرائب التي دفعوها في مختلف المراكز السكَّانية في سنوات معيَّنة. على أن هناك كثيرًا من الوثائق تحتوي أيضًا على معلومات حول العائلات المسلمة وغير المسلمة دونما تمييز ما للأخيرة. وهناك بعض المعلومات عن اليهود العثمانيين في أوراق إدارة الشئون المسيحية، ومن اللافت للاهتمام شكاوى الحرفيين اليهود والتجار بسبب الظلم الواقع عليهم وفساد الموظَّفين ومعلومات أخرى عن اليهود الذين يقومون على تنفيذ تكليفات الموظَّفين الأتراك لهم، وكذلك تقارير عن نزاعات نشبَت بين اليهود ورعايا الدول الأخرى في الإمبراطورية وخارج حدودها. وتشهَد السجلات السورية للقرن السادس عشر على أن اليهود عاشوا في حلب وطرابلس ودمشق وبيروت وصيدا وبعلبك وغيرها من مدن الشرق الأوسط.
يُوفِّر لنا سجلُّ دمشق معلومات دقيقة عن توزيع مختلف الطوائف اليهودية على الأحياء السكنية، وقد عاش اليهود المحليُّون جنبًا إلى جنب مع السامريين والقرَّائين واليهود المُنحدِرين من جزيرة صقلية وغرب أوروبا، وكان الأتراك يُطلقُون عليهم اليهود الإفرنج، أما باقي الأوروبيين فكانوا يُطلقون عليهم الإفرنج دون تمييز.
لم تكن هناك وجهة نظر واحدة لدى الطبقة الحاكمة العثمانية بشأن السياسة الإثنية الطائفية الداخلية، على أن معظم السلاطين كانوا يتبنَّون مع هذا مبدأ التسامح النِّسبي تجاه غير المسلمين؛ إذ إنَّ اقتصاد الدولة كان متوقفًا عليهم في واقع الأمر. وعندما ألحَّ الصدر الأعظم — وهو صهر السلطان — رستم باشا، في إقناع سليمان الأول (١٥٢٠–١٥٦٦م) بطرد جميع اليهود من حدود البلاد، مُعتبرًا أنَّ ضررهم أكبر من نفعهم، لم يُصغ السلطان إلى حُجَج الوزير، بل إنه قام بتقديم المساعدة، وفرَض حمايته على التجار اليهود، وكان قد أرسل خطابًا إلى البابا بولس الرابع أخبره فيه بأحداث محدَّدة تعرض فيها اليهود للظلم في الأملاك البابوية عندما سافروا إليها لقضاء أعمالهم.
في واحد من ملفات أراشيف القرن السادس عشر يوجد خطاب مُوجه من السلطات التركية إلى حاكم البندقية تطلب فيه منه سداد تعويضات لاثنين من التجار اليهود من إسطنبول: شلومو بن يوسف وشلومو بن يعقوب، اللذَين تعرضا للخداع من جانب قبطان إحدى السفن التجارية من البندقية. كان التاجران قد دفعا له ثمن نقل بضاعتهما حتى البندقية، لكنَّ القبطان نقلها إلى صقلية وباع البضاعة هناك واستولى على ثمنها.١٠
على أنَّ الأمور كانت تقع أحيانًا على نحو مُختلف تمامًا؛ حيث إنَّ نفوذ السلاطين لم يكن يلتزم بالشروط الإسلامية إلا في بعض الأحيان؛ ففي عام ١٥٧٩م قرَّر السلطان مُراد الثالث في سورة من سورات غضبه الإطاحة برءوس اليهود، غير أنَّ مبلغًا كبيرًا من الذهب قدَّمه أعضاء من الطائفة اليهودية إلى السلطانة الأم وإلى الأغا الإنكشاري حال دون وقوع الكارثة المُحدقة بهم. ووفقًا لرواية أخرى فإنَّ الذهب قد عُرِضَ على السلطان نفسه، الذي كان مشهورًا بالبُخل الشديد.١١ من المحتمَل أن مُؤامرة ما كانت وراء هذه الحكاية، وقد كانت المؤامرات تُمثل جزءًا كبيرًا من حياة البلاط.
وكما أسلفنا فإنَّ التنوع الإثنوديني لسكان الدولة العثمانية وتضارب مصالح الجماعات الإثنية لم يكن من الممكن إلا أن يخلق صراعات داخلية، لم تكن الحكومة العثمانية لتقف حيالها موقف الحكم فحسب، وإنما كان عليها أن تتصرف باعتبارها طرفًا يشارك على نحو فعَّال في صياغة قواعد التجارة وإنتاج الحرف. ولكي يتمكن غير المسلمين من إدارة أعمالهم بشكل ناجح، كان من الضروري عليهم في بعض الأحيان الالتفاف على هذه القواعد، وهو ما كان يتم بمهارة. وكان الموظفون كثيرًا ما يَلجئون لعقد صفقات قسرية وأعمال تتعلق، بالدرجة الأولى، بالأعمال العسكرية. لقد تميَّز الاقتصاد العثماني بشكل كبير بأنه اقتصاد إمبراطورية ظلَّت على مدى بضعة قرون تعتمد في وجودها على الجباية وجمع الضرائب من السكان في الأراضي الخاضعة لها، وكذلك على غزو ونهب أراضٍ جديدة. أما الأمر الجوهري الذي كان يُميز الحكومة الإسلامية في الماضي أو الحاضر فكان، وسيبقى، هو التدخل المباشر للسلطة المركزية في الحياة الاقتصادية عن طريق إصدار قوانين وفرض رقابة دائمة حتى على أبسط الأمور، الأمر الذي من شأنه أن يُؤدي، بطبيعة الحال، إلى إعاقة تنمية الاقتصاد والحد من ازدهاره.
وفي الوقت نفسه فقد كان من الضروري، نظرًا لأهمية النشاط الاقتصادي للسلطات العثمانية، تقديم امتيازات خاصة في بعض الأحيان للمُنتجين من الجماعات الإثنية، وكذلك إعطاؤهم الحق في احتكار تصدير المواد الخام ووضع قواعد مَضمونة لتسويق البضائع. وهكذا حصل يهود سالونيك، على سبيل المثال، على حق احتكار شراء الحديد؛ لأن الإنتاج الكُلي للمنسوجات الحريرية في هذه المدينة كان مُخصَّصًا للعاصمة، التي كانت تمتلك دائمًا وضعًا اقتصاديًّا مُتميزًا في الشرق، فضلًا عن وضعها السياسي. مثل هذه الخصوصية الاقتصادية لم تكن لتُسهم، حتى في وجود رءوس أموال كبيرة، في قيام سوق لعموم الدولة، سوق كانت أصولها قد تشكَّلت في القرنين السابع عشر والثامن عشر في إطار الدول الأوروبية.
وحتى في ظروف التنظيم الإداري الصارم داخل الطوائف غير المسلمة، بما فيها الطوائف اليهودية؛ فقد حدَث تراكم لرأس المال التجاري الربوي، والذي كانت مَصادرُه تتمثَّل في مجال التبادُل ونظام الالتزام والربا، وكلها أنشطة لم يكن الأتراك يمارسونها؛ فالقرآن يُحرِّم الفائدة الربوية؛ ومن ثم فقد استمر الأتراك زمنًا طويلًا يتعاملون مع التجارة والعمليات المالية باعتبارها أعمالًا مُتدنية. يُؤكد أحد المؤرِّخين الأتراك في القرن السابع عشر، واسمه كوتشيباي جيوميور دجينسكي (كوتشي مصطفى باي) هذا الأمر بقوله: «لا يُمكن للمرء أن يتغلَّب على هؤلاء التجار الثعالب.»١٢ على أنَّ التنافُس في أوجه النشاط التي ظلَّ الأتراك يَحتقرُونها بات شديد القسوة، ولعلَّ واحدًا من الأسباب الرئيسية للتوتُّر والصراعات التي استمرت عدة قرون بين الأرمن واليونانيين وغيرهم من الشعوب المسيحية من جانب وبين اليهود من جانب آخر يرجع إلى أن اليهود كانوا يَملكون خبرة ومهارة كبيرتين في مجال المال والأعمال.
وكما ذكرنا من قبل فقد تمَّ استبعاد غير المسلمين من الوظائف الحكومية والعسكرية، بسبب الموانع الدينية التي فرضت على غير المسلمين في دولة مسلمة، مع الاستثناءات القليلة التي ذكرناها. لكن هذه القيود كان لها وجه آخر. أولًا، كان الأتراك يَلقَون حتفَهم بشكلٍ جماعي في الحروب التي لا نهاية لها، وهكذا أصبحت أعدادهم تَتراجع تدريجيًّا، بينما راحت أعداد غير المسلمين في التزايد وخاصة بين المسيحيِّين. ثانيًا، كان باستطاعة غير المسلمين العمل بحرية هناك؛ حيث يغيب الأتراك بصورة تقليدية: في الملاحة والتجارة وإجراء الصفقات المالية … وهي المجالات التي حقَّق فيها غير المسلمين نجاحات كبيرة. وقد أشار عالم الاجتماع ماكس فيبر إلى هذه الظاهرة في بحثه الشهير «الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية» بقوله: «عادةً ما تركز الأقليات القومية والدينية «المقهورة» والتي تُواجه جماعة أخرى مهيمنة» جهودها، عن طيب خاطر أو قسرًا، في مجال الاستثمار تحديدًا، مُبتعدة عن التأثير والنشاط السياسيَّين. وبهذه الطريقة فإنَّ أكثر مُمثليها موهبة يسعون لتحقيق قدراتهم في هذا المجال؛ إذ لا يجدون سبيلًا لذلك في العمل الحكومي. هكذا كان الأمر مع البولنديِّين في روسيا وبروسيا الشرقية؛ حيث حقَّقوا فيها، بلا شك، تقدُّمًا اقتصاديًّا (خلافًا للبولنديِّين ذوي النفوذ في جاليتسيا). وقد أظهر البروتستانت الفرنسيُّون (الهوجونوت) في عهد الملك ليودفيك الرابع عشر، وكذلك المُنشقُّون والكويكرز في إنجلترا، وأخيرًا، وليس آخرًا، اليهود على امتداد ألفَي عام، أظهروا جميعًا مهارتهم في هذا المجال. على أيِّ حال لم يُبدِ الكاثوليكيون أيضًا فيما بعد، على سبيل المثال، أيَّ ميل للنشاط الاستثماري، وهؤلاء كانوا يُعدون أقلية مُضطهدة في كلٍّ من إنجلترا وهولندا. ويُشير فيبر إلى أنَّ سبب الاختلاف في سلوك مُمثلي مختلف العقائد لا يتوقَّف على الوضع التاريخي والسياسي الظاهري للأقليات، بقَدرِ ما يَعتمِد على الخصوصية الداخلية الراسخة في كل عقيدة من هذه العقائد.١٣ لقد اندمج اليهود في التنافُس الشديد في مجال المال والتجارة الذي يجيدونه تمامًا، غير أنهم كانوا يعملون وكان بإمكانهم الاستمرار في العمل في حدود هذا المجتمع فقط، بل وخارجه أيضًا، وإنما في إطار الحضارة التي وجدوا أنفسهم بداخلها. وعلى الرغم من كلِّ محاولاتهم وما امتلكوه من مهارة وحذق، فإنهم لم يستطيعوا الخروج من حدود مُستوى النمو في مجتمع بعينه. أصبح ذلك أمرًا بديهيًّا عند مقارنة إنجازات اليهود بشكلٍ خاصٍّ في المجتمعات الغربية والشرقية؛ ففي المجتمعات الإسلامية كانت الدوجمات الدينية، فضلًا عن خصوصية هذه المجتمعات ذاتها، تحُول دون طرق النمو المنهجي للرأسمالية المطبَّقة في أوروبا.
يُحرِّم القرآن الإقراض بالربا على نحو قاطع: وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا (البقرة: ٢٧٥)، ويَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ (البقرة: ٢٧٦) … إلخ. وقد حاول بعض التجار المسلمين فيما بعد الالتفاف حول هذا التحريم وذلك باللجوء إلى مختلف أشكال التلاعب. من ذلك أن تُعقد الصفقة دون ذكر الفائدة المتَّفق عليها في العلن. وهكذا تبدو، من الناحية الشكلية، صفقة غير ربوية؛ ومن ثم كانوا يعقدون كثيرًا من الصفقات التجارية الإضافية (إعادة البيع على سبيل المثال)، ويعتبرون الربا مكسبًا تجاريًّا، وهَلُمَّ جَرًّا. حتى الفقهاء في العصور الوسطى كان يفرقون أيضًا بين الفائدة الشرعية (ربا الفضل) والفائدة المحرَّمة (ربا النسيء). بيد أن كثيرًا من المسلمين لم يكونوا يَعترفون بشرعية هذه التَّفرقة ذاتها. لقد أصبح تحريم الربا عاملًا جوهريًّا في إعاقة عمل المؤسسات التي تقوم على الاعتمادات المالية في الشرق الإسلامي.
لم تكن التجارة وإدارة الأموال في الإمبراطورية العثمانية، التي قامت بقوة السلاح، من الأعمال التي تحظى بالاحترام والتوقير، الأمر الذي كان من المحتَّم أن يؤدي بالاقتصاد، بل وبالدولة نفسها، إلى الانهيار.
لقد بنى الأتراك العثمانيون، الذين كانوا بالأمس القريب قبائلَ رُحَّلًا، دولة على أراضٍ اغتصبوها، وراحت هذه الدول تقوم بشكل أساسي على جمع الإتاوات. ومِن هنا ظلَّت التجارة والحرف وتداول الأموال لمدة طويلة حِكرًا على الأقلية الإثنودينية: اليونانيون، والأرمن، واليهود.
ونظرًا للطابع العسكري المتفوِّق للدولة العثمانية، فقد اكتفت الزمرة الحاكمة فيها بجمع الضرائب الجمركية والاعتماد على الأموال التي يقوم بتحصيلها الولاة على الأقاليم (الأيَّالات). وهذه جميعها كانت ذات تأثير محدود في تنشيط التجارة العثمانية، وحتى أعمال الوساطة كان الدور الرئيسي فيها في يدِ غير الأتراك.
كان التجار الوسطاء يُوفِّرون للزمرة العثمانية الحاكمة جميع البضائع الفاخرة التي كانت تُستهلك وبكميات كبيرة مثل المنسوجات الحريرية والتوابل والعُطور واللؤلؤ والأحجار الكريمة والخزف الصيني. ولمَّا كان الأتراك هم مُشترون أساسًا، فقد كان من نتائج هذه العمليات التجارية خروج الذهب والفضة بشكلٍ مُتواصل إلى البلاد الأخرى. لم يكن هذا الأمر محسوسًا بشكلٍ قوي في القرن السادس عشر، ولكنه ظهر جليًّا في القرن السابع عشر، عندما أخذت واردات الخزانة العثمانية تتراجع بشكل ملموس. لقد تبين أن مجالات الاقتصاد كافة؛ التجارة وإلى جانبها جمع الضرائب ودخول كبار ملاك الأراضي، باتت في يد المسيحيين واليهود. في عام ١٥٠٠م كتب الفرنسي بيلون دومين، وكان منحازًا ضد اليهود مثله مثل غالبية الأوروبيِّين في ذلك الوقت، يقول: «إنهم (اليهود) يتحكمون في سوق التجارة التركية، إلى درجة أن ثروات وموارد الأتراك أصبحت كلها في أيديهم؛ لأنهم هم الذين يحددون السعر الأعلى عند تحصيل الضرائب ويحصلون على الإتاوة على الملْح ويجمعون ضرائب الموانئ وغيرها من الواردات.» لم يسلم هذا الفرنسي من استخدام التعبيرات اللاذعة المميزة لزمنه مثل: «إنهم أكثر الشعوب مكرًا وخبثًا على وجه الأرض.»١٤
من المعروف أنَّ الطوائف اليهودية بدأت منذ النصف الثاني من القرن السابع عشر تقريبًا تَعقد هذا الدور البارز الذي تقوم به في سالف الزمن في الاقتصاد العثماني، فإذا بها وقد أصابها الفقر وآلت إلى الانهيار. وفي الوقت ذاته تقريبًا ظهرت بوادر انهيار الدولة العثمانية، والذي تمثَّل أيضًا في الاقتصاد الذي وضعت الدولة الثيوقراطية المُستبدَّة سماته في عدد لا نهائي من التنظيمات الحكومية، فضلًا عن المحاذير والعقبات التي فرضتها على النشاط الاقتصادي والرقابة الشاملة من جانب الجهاز البيروقراطي، ناهيك عن المستوى المتدني، مقارنة بأوروبا، لتداول البضائع والأموال وغياب المناخ التنافُسي الطبيعي والفساد المقنَّن.
لقد تجمَّعت الأموال التي تمَّ تحصيلها من الضرائب في إسطنبول ومراكز الأقاليم في الإمبراطورية العثمانية، الأمر الذي أسهم، بطبيعة الحال، في نمو التجارتين الداخلية والخارجية. لكن النشاط التجاري، الغارق في المحلية، لم يكن من المُمكن أن يجد له مكانًا إلا في إطار أشكال الإنتاج القروسطي التي تشكلت منذ زمن بعيد، وهذا النشاط كان مرهونًا إلى جانب ذلك بالشروط والموانع، التي صيغت بصفة رئيسية وفقًا لمطالب الفئة المسيطرة. وهنا لا يُمكن الحديث عن أي تنمية اقتصادية مؤثِّرة في المستقبل.
لقد أتاحت المشاركة الفعالة في التجارة، سواء الداخلية أو الخارجية، وكذلك الالتزام بجباية الضرائب الحكومية، لبعض مُمثلي الأقليات الإثنودينية، ومن بينهم اليهود، الفُرصة للربح وجمع الأموال والثروات الطائلة. لكنَّ رءوس الأموال هذه، على الرغم من ضخامتها، لم تكن، ولم يكن من المُمكِن أن تَصبَّ لزمن طويل في مجال الإنتاج، سواء التِّجاري أو البنكي (لم تظهر البنوك إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر)؛ إذ إنَّ ميراثهم في دولة إسلامية كان يُمثِّل مشكلة كبيرة، فما إن يموت صاحب المال حتى تتمَّ مصادرة أملاكه عادةً لصالح خزانة الدولة، فهذه الثروة هي ملك لله وَفقًا للشرائع الإسلامية، والسلطان هو مُمثِّلُه على الأرض.
ما المعايير التي يُمكن استنادًا إليها تقييم العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين في الإمبراطورية العثمانية؟ من الصعب تحديد هذه العلاقات ببساطة؛ فقد ظلَّت هذه المعايير تتغير على مدى العصور التاريخية المختلفة. فمن ناحية كان للوضع القانوني لكلِّ جماعة إثنية في الدولة أهميته، ومن ناحية أخرى كانت درجة ازدهار أو فقر هذه الجماعة أو تلك تمثل أحد المعايير المهمة أيضًا.
ظلَّت البلاد الإسلامية على مدى قرون طويلة تمتلك موارد مالية كبيرة، ومع ذلك لم تهتم، بالقدر الكافي من الحماس، بمسألة تنمية إنتاجها الخاص وتجارتها، خلافًا لأوروبا الغربية. بل لم يَخطُر ببال الحكومات الإسلامية، سواء في العصور الوسطى أو العصر الحديث، أن تُموِّل التجارة من فوائض البضائع المُنتَجة في داخل بلادها وتَضمن، على نحو أو آخر، تشغيل المنتجين لديها من أجل تحسين حياتهم، أو تسعى لخَلقِ توازُن بين الاستيراد والتصدير في البلاد.
لقد استمرَّت التجارة في الشرق الأوسط تَعتمِد لزمن طويل على بيع البضائع وشرائها، وكذلك جمع الضرائب على التجارة المارة عبر أراضيها (الترانزيت). وما إن نجح البرتغاليون والإسبان في اكتشاف طرق بحرية جديدة حتى أخذ عبور البضائع يفقد أهميته تدريجيًّا.
لقد لعب غير المسلمين من اليونانيِّين والأرمن واليهود الدور الأكبر في تجارة المشرق العربي. وقد توقَّفت علاقات المسلمين بغير المسلمين أيضًا على مستوى ثراء الفئة صاحبة النفوذ وعلى العِرق المهيمِن. ومنذ القرن الثامن عشر بدأ تأثير الدول الغربية يظهر على نحوٍ ملحوظ في السياستَين الخارجية والداخلية للباب العالي، نتيجة للهزائم العسكرية التي مُنِيَ بها الأخير، فضلًا عن الضعف الاقتصادي وعملية الانهيار السياسي التدريجي. لقد ظهرت، ثم ما لبثت أن تعاظمت، التوجهات نحو الحصول على حماية دول أوروبا الغربية وروسيا، وهم الأقرب من الجماعات الإثنودينية. واستمرَّ تأثير هذه العوامل، سواء في القرن التاسع عشر أو في مطلع القرن العشرين، إلى أن انهارت الإمبراطورية.١٥
في بداية وجود الدولة العثمانية، كانت العلاقات بين الأعراق غير المُسلمة والفئة المُسلمة صاحبة النفوذ خاضعة تمامًا لمسألة بدَهية تمامًا؛ فكلَّما ازداد ازدهار هذه الفئة نتيجة للغزوات الناجِحة التي تقوم بها، حسنت علاقاتها بالأعراق الأخرى. وقد استرشد الأتراك في القرون الأولى من وجود الإمبراطورية بفكرة الأبوية Paternalism القريبة من الإسلام على المذهب الحنفي السائد في دولتهم، أما الأعراق الخاضعة فكان عليها أن تَرضى بسماحة المنتصرين. وقد كان لانهيار الإمبراطورية أثره المباشِر على الزمرة الحاكمة، التي كانت تتكوَّن أساسًا من الأتراك أو غير الأتراك الذين اعتنقوا الإسلام.
تميَّزت علاقات هذه الفئة مع الأعراق الأخرى بالتقلُّب. لقد أثار نمو ثروات «غير المسلمين» إبان انهيار الإمبراطورية، قلق المسلمين وزاد من توتُّرهم وتعصُّبهم داخل المجتمع العثماني. على أيِّ حال فإنَّ هذه قاعدة عامة ليست موجودة في البلدان الإسلامية فحسب؛ إذ إنَّ كل الشعوب الأخرى أيضًا لا تتسامَح حتى اليوم مع ثراء الأجانب الذي يأتي على خلفية انهيار الدولة العُظمى. ولهذا فإنَّ الحكمة التي أطلقها المؤرِّخ اليوناني ستيفان إييراسيموس، والتي أخذت في اعتبارها المسيحيين العثمانيِّين، وعلى رأسهم اليونانيون، يجري تأويلها على نحو أكثر شمولًا. يقول إييراسيموس: «عندما لا يستطيع المسلم الوقوف في وجه «غير المسلم» بفضل ازدهاره وتفوُّقه المعيشي، فإنه يواجهه بكل حقد بالتديُّن المُفرط والمتشدِّد يوميًّا وبالنفاق.»١٦ وعندما كانت الأوضاع تتغيَّر فيُصبح المسيحيُّون هم من بيدهم الأمر، فإنهم لم يكونوا يتصرَّفون على نحو أفضل. على أنه مهما عملت الأجناس المهيمنة والإمبراطوريات القديمة والقروسطية، التي قامت بقوَّة السلاح، فقد كان مصيرها الانهيار. وحتى في ذروة عظمتها، فقد بدَت الهياكل الحكومية العثمانية قديمة مقارنة بنظائرها في عدد من دول أوروبا الغربية، التي أخذت عمليات التحديث فيها في استجماع قواها.
سعى الأتراك في محاولة منهم لتوحيد المساحات الشاسعة المأهولة بشعوب من شتى الحضارات والثقافات والديانات، لإخضاع جميع الأعراق لنظام بيروقراطي مركزي واحد، وكان هذا النظام قد مُنيَ بالضعف نتيجة لنفاد الموارد التي كانت تأتي من الغزو. وفي الوقت نفسه، وبعد اكتشاف أمريكا والطريق البحري إلى الهند، قامت الدول الغربية، التي توحَّدت على مبادئ الدولة القومية، باستغلال ونهبِ الأراضي الشاسعة التي قامت بغزوها واحتلالها منذ زمن غير بعيد. وقد أصبحت النتيجة المباشرة لهاتين العمليتَين المختلفتين تمامًا في أوروبا من ناحية وفي الإمبراطورية العثمانية من ناحية أخرى، واللتين تجلتا في نهاية القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر، مُمثلة في تحوَّل المحاور الرئيسية للتجارة الشرقية نحو المحيطات؛ ومن ثم كانت المحصلة هي النضوب التدريجي وإنما على نحو مُطَّرد لموارد البحر المتوسط والشرق الأوسط. وعلى الرغم من أن الجماعات الإسلامية التركية الحاكمة في القرن السابع عشر كانت تمتلك بالفعل قطاعات تجارية خاصة ومُتطورة من الناحية الاقتصادية، فإنَّ هذه القطاعات قد قُضي عليها على يد عدوَّين رهيبين: البيروقراطية العثمانية التي كانت تُحصِّل بلا رحمة ولا حكمة مقدمًا ولصالحها فائض القيمة كله، دون أن تُولي أدنى اهتمام للربح أو الاستثمارات؛ أي إنها راحت تُعيد تقاليد النَّهب التي بدأت بها الإمبراطورية. بطبيعة الحال فإنه في مثل هذه الظروف لم يكن باستطاعة العرب أو الأتراك أو التجار العثمانيِّين المسلمين أن يصمدوا أمام منافَسة قوانين الامتيازات والحصانة الذاتية التي وضعها الأوروبيون. ولهذا فإن غير المسلمين في الإمبراطورية لم يبقَ أمامهم سوى السعي للحصول على الحماية، ثم ليلجئوا بعد ذلك للحصول على جنسيات الدول الأوروبية. من هنا نشأت فئة الكومبرادورات١٧⋆ التي حاربها القوميون الأتراك بكل ضراوة فيما بعد.
وإلى جانب الفئات العاملة بالتجارة، والتي اهتزَّ وضعها في الإمبراطورية، ظهرت فئة أخرى كبيرة هي البيروقراطية العثمانية، وهذه كانت تضمُّ علية القوم في الإدارة المركزية (الصدر الأعظم، القادة العسكريون في الجيش والأسطول، كبار الموظفين في العاصمة، كبار رجال الدين)، كما كانت تضمُّ أيضًا كبار العاملين بالقصر، وهؤلاء كانوا يَحصُلون على رواتب ضخمة أكسبتهم وضعًا اجتماعيًّا مُميزًا، على الرغم من أن مصادر دخلهم لم تكن دائمًا مشروعة. كان هؤلاء يملكون بيوتًا فاخرة، كما أصبحوا هم أول المُستهلِكين للبضائع المستورَدة والمحلية، ومن ثم باتوا يُمثِّلون عنصرًا مهمًّا في تنشيط التجارة وعلى رأسها سلع الرفاهية.
كانت هناك أيضًا حلقة وسيطة في الإدارة تمثَّلت في طبقة مُستقرة إلى حدٍّ كبير من الموظفين، هم في غالبيتهم من الأتراك، إلى جانب بعض الوظائف الأخرى كان يَشغلها مُمثِّلو القوميات الأخرى: التراجمة، وهم من اليونانيِّين أساسًا، الأطباء العاملون في القصر وغالبيتهم من اليهود، أما جامعو الضرائب والجمارك فكانوا أيضًا من اليهود والمسيحيين (أو من وكلائهم). كل هذه الفئات من البيروقراطية العثمانية كانت هي التي تُحدِّد الطلب على سِلَع الرفاهية. وقد دخل أثرياء اليهود أيضًا ضمن مُستهلكي هذه السِّلع. وقد لعبت الأقليات الإثنية، بما فيها اليهود، دور الوسيط الرئيسي في الاتصال بين الأوروبيين وكبار الموظَّفين العثمانيين، وكانت هذه الصلات تكتسب أهمية أكبر كلما فقد الأتراك مكانتهم في التجارة العالمية.
كانت إنجلترا من أنشط الدول التجارية في البحر المتوسط في مُنتصَف القرن السابع عشر، وكان ميناء ليفورنو الإيطالي يحتل مكانة مهمة آنذاك. وكانت حركة الملاحة والتجارة تتمتَّعان بدعم ملحوظ من جانب اليهود، الذين كانوا على صلة دائمة بأبناء عقيدتهم في إسطنبول وفي غيرها من المدن العثمانية الكبرى، وبتجَّار مدن غرب المتوسط.١٨
أصبح ضعف القُدرة العسكرية للأتراك أمرًا ملموسًا منذ النصف الثاني من القرن السابع عشر، وهو ما أدَّى إلى انهيار هيبة الحكومة الإمبراطورية وتصاعد الفساد في جميع مفاصل الإدارة، ونتيجة لذلك ظهرت الأزمة المالية الطاحنة. في هذه الظروف بدأ الصراع الشرس بين الدول الأوروبية بهدف التأثير على الصدر الأعظم، الذي زادت أهميته، وخاصة إبان حكم عدد من السلاطين في القرنين السابع عشر والثامن عشر، تميَّزوا بضعف الإدارة وغياب القدرة على العمل وإدارة شئون الدولة. انهارت دخول المركز، بما في ذلك الدخول المتحصَّلة من التجارة الخارجية، كما انهارت الدخول الواردة من الأقاليم. الآن أصبح لزامًا على كل إقليم أن يَعتمِد بشكلٍ أكبر على قواه الذاتية؛ حيث بدأت الموارد المالية للإمبراطورية في التلاشي تدريجيًّا.





