الإمبراطورية العثمانية وعلاقاتها الدولية: في ثلاثينيات وأربعينيات القرن التاسع عشر✍ أنينل ألكسندرو فنادولينا -ترجمة أنور إبراهيم
الإمبراطورية العثمانية
في العشرينيات ومطلع الثلاثينيات من القرن التاسع عشر وعلاقاتها بالدول الأوروبية
ارتبط ظهور البواكير الأولى للعلاقات الرأسمالية في الإمبراطورية العثمانية، وخاصةً في الأقاليم الغربية منها، بالسوق الأوروبية، وقد أسهمت هذه العلاقات في تشكل ونمو الوعي القومي في هذه الأقاليم. ونتيجةً للتطور الاجتماعي والاقتصادي غير المتوازن في مختلف أقاليم الإمبراطورية، فقد نضجت هذه العمليات في أوقاتٍ متباينةٍ وأصبح من الجلي أن الأتراك أنفسهم قد تخلفوا عن عددٍ من الشعوب الخاضعة لسلطانهم. وقد أدت هذه الظروف إلى خلق تناقضاتٍ داخليةٍ راحت تُهدد وجود الإمبراطورية العثمانية ذاتها باعتبارها دولةً واحدة.
لقد استغلت الدبلوماسية الأوروبية على نحوٍ فعَّال المشكلات الداخلية للإمبراطورية العثمانية في تحقيق أهدافها. وما لبثت حدة التناقضات بين الدول الأوروبية وتركيا أن اشتدت في عشرينيات القرن التاسع عشر، أي في فترة الكفاح القومي التحرري للشعب اليوناني من أجل حصوله على الاستقلال.
لقد تمخض ضعف الإمبراطورية العثمانية والذي تمثل في تخلفها الاقتصادي عن الدول الأوروبية وتأزم الأوضاع الداخلية فيها عن عدد من الأحداث. ففي عام ١٨٣٠م توَّج الشعب اليوناني نجاحه ضد النير العثماني (١٨٢١–١٨٢٧م) بإعلان الاستقلال. وفي العام نفسه احتلت فرنسا الجزائر، وفي عام ١٨٣١م خرج والي مصر محمد علي عن طوع السلطان، واستولى على سوريا وأخذ يُطالب بالاعتراف بالسلطة الموروثة في مصر وسوريا، ثم بعد ذلك بالاستقلال. وفي عام ١٨٣١م حصلت صربيا بمساعدة روسيا على استقلالها الذاتي، وبناءً على صلح أدرنة ساهمت روسيا في إدخال تغيراتٍ جذريةٍ في بنية ممالك الدون تبعًا لما كان يُعرف بالترتيبات العضوية (انظر ٦٩، ص٢٦٣–٣٢٢) وهو ما زاد من حقوق هذه الممالك في الاستقلال الذاتي. وفي الثلاثينيات أيضًا بدأت فرنسا صراعها ضد الباب العالي من أجل السيطرة على تونس.
لقد أدت كل هذه الأحداث إلى أن الحكومة السلطانية أصبحت تدرك ضرورة إجراء تغييراتٍ في نظام إدارة الدولة. وفي ثلاثينيات القرن التاسع عشر كانت السياستان الداخلية والخارجية للباب العالي موجهتين لتحقيق هدفٍ واحد: تقوية الدولة والحفاظ على وحدتها، فمن أجل تقوية الوضع الداخلي والقضاء على تذمر الشعوب الخاضعة اتخذت الإجراءات الإصلاحية، بينما تركز هدف السياسة الخارجية والدبلوماسية في الحفاظ على وحدة الدولة. وقد تنامى دور الأخيرة بشكلٍ خاص بعد عام ١٨٤٣م عندما أقيمت علاقات دبلوماسية دائمة مع الدول الأوروبية.
ومن المعروف أن اليونانيين، شأنهم في ذلك شأن الشعوب السلافية في شبه جزيرة البلقان، كانوا يعلِّقون آمالهم منذ أمدٍ بعيدٍ على تلقي المساعدة من روسيا في تحريرهم من الهيمنة التركية. وقد أشار كل من ماركس وإنجلز مرارًا إلى أن اليونانيين والسلاف كانوا يرون في روسيا نصيرهم الطبيعي (انظر على سبيل المثال ١٢، ص٢٢).
غير أن سياسة روسيا تجاه حركات التحرر القومي في ذلك الوقت اتسمت وبشكلٍ واضحٍ بالازدواجية. فمن ناحيةٍ سعت روسيا لاستغلال هذه الحركات للحصول على مكاسب شخصيةٍ تحت ستار أهدافٍ نبيلة، مثل مساعدة إخوة الدين المضطهدين. ومن ناحيةٍ أخرى أدت السياسة العامة للحلف المقدس والذي كان من أهدافه مقاومة الحركات الثورية وحركات التحرر القومي، وسعت دول الحلف للتعاون الناجح مع الحكومة المركزية للإمبراطورية العثمانية إلى تذبذب السياسة الروسية وعدم الثبات على مواقفها.
وبعد إعلان استقلال اليونان عملت إنجلترا وفرنسا على تصعيد الصراع ضد التأثير الروسي في اليونان. لقد كانت دول أوروبا الغربية تخشى أن تُصبح الدولة اليونانية القوية نصيرًا للسياسة الروسية. كما لم ترغب هذه الدول أيضًا في إضعاف الإمبراطورية العثمانية؛ إذ كانت ترى فيها حاجزًا ضد روسيا (١٤٨، ص٤٣–٦١، ١٤٩، ص٦١). ولهذا فإن إنجلترا وروسيا وفرنسا هي التي قامت برسم حدود اليونان، فأدخلت فيها المناطق الخالية من احتياطيات المواد الخام والأراضي الأقل خصوبة. كما ظلت كريت وجزر أيونيا بسكانها اليونانيين، والتي احتلتها إنجلترا منذ ١٨٠٩م إلى جانب عددٍ من جزر بحر إيجة١ خارج الحدود اليونانية.
بعد عام ١٨٣٠م انفجرت الخلافات التركية اليونانية، وعلى الأخص الخلافات الإقليمية، وهذه اشتدت حدتها في العقود التي تلت ذلك.
سعت الدول الكبرى للحفاظ على الوضع الراهن فيما يتعلق بالعلاقات اليونانية التركية والحيلولة دون وقوع أي صدامٍ عسكري بينهما؛ إذ إن مثل هذا الصدام كان من الممكن أن يكون سببًا لنشوب حربٍ بين الدول الكبرى ذاتها.
ظلت اليونان لسنواتٍ طويلةٍ بعد حصولها على الاستقلال عاجزةً عن بلوغ الاستقرار، سواء داخل الدولة، وذلك بسبب الصراعات داخل الأحزاب أو الصراعات الطبقية، أو خارجها، أي في علاقاتها من الإمبراطورية العثمانية، وبطبيعة الحال فإن كل محاولات اليونان التي بُذلت في هذه الظروف من أجل استعادة وحدتها باءت بالفشل. على أن الدول الأوروبية استغلت الطموحات القومية لليونانيين باعتبارها وسيلةً لتقوية تأثيرها في اليونان. كانت الأحزاب اليونانية تُناصر إما التوجه الإنجليزي أو الفرنسي أو الروسي. وقد دفع ذلك الباب العالي لأن يتخوف من أن تؤدي حماية الدول الأوروبية إلى مساعدة اليونان في توسيع حدودها (٢٠٢، ص١٤). وقد أعطت كل من فرنسا والنمسا وروسيا المبررات، المرة تلو الأخرى، لمثل هذه المخاوف (١٣٢، ص٣٩٠، ٣٩٤-٣٩٥، ٤٧٣، ٦١٤، ١٢٤، ج٢، ص١١٥، ١١٨–١٢٠).
أما المشكلة الثانية والهامة التي واجهت الباب العالي في ثلاثينيات القرن التاسع عشر فكانت انتفاضة محمد علي باشا والي مصر الذي عينه الباب العالي في هذا المنصب عام ١٨٠٥م.
أصبح محمد علي الحاكم المطلق السلطة لمصر بعد أن تخلص في عام ١٨١١م من المماليك (مع استحسانٍ صامتٍ من جانب الباب العالي). وارتبطت به كلية الصفوة التي دفعها للأمام بعد أن أنعم عليها بالأراضي. كان محمد علي ينظر إلى مصر كضيعةٍ يمتلكها وتُمثل له مصدرًا للثراء. إن التبعية الهشة بالسلطة المركزية (وهو ما كان يميز إلى حدٍّ كبيرٍ علاقة الحكام بالأقاليم الأخرى بفضل النظام الإداري الذي كان قائمًا في الإمبراطورية العثمانية) والسلطة غير المحدودة في البلاد سمحت لمحمد علي بإقامة احتكاراتٍ حكوميةٍ تُقدر ﺑ ٩٥٪ من البضائع المصدرة للخارج (٤٨، ص٣٦١، ٣٦٨، ٣٧٦، انظر أيضًا ٢٧، ص٢٤٤، ٥٦، ص١٤–١٩، ٢٥، ٨٢، ص٤٣، ٤٨، ٥٥، ١٢٠، ١٧٨، ٢٤، ص٢٤). إن هذا المدخل الجديد لم يكن بمقدور أي حاكمٍ آخر أن يسمح به لنفسه. لقد ساعد قرب محمد علي من الأسواق الأوروبية ودعم فرنسا له إلى جانب العائدات الضخمة التي حصل عليها أن يُقيم جيشًا جديدًا منظمًا وأسطولًا جبارًا. قام محمد علي، بموافقة الباب العالي، بإقامة علاقاتٍ تجارية ودبلوماسية وثقافية باسمه مع الدول الأوروبية، كان أغلبها مع فرنسا. وكان جيشه مدربًا على الطريقة الأوروبية مزودًا بضباطٍ فرنسيين. وقد تأسست في مصر معاهد تعليمية عمل بها مدرسون أوروبيون. كما تجاوز نجاح الإصلاحات وتحديث الجيش والتعليم فيها قدرًا أكبر بكثيرٍ من إصلاحات السلطان التركي سليم الثالث (١٧٨٩–١٨٠٧م) حيث لم يعد في مصر بعد القضاء على المماليك أي معارضةٍ داخليةٍ قوية.
بدأ تمرد محمد علي بالنسبة للإمبراطورية العثمانية تقليديًّا، وبدا وكأنه لا يُمثل تهديدًا لوحدة الدولة. لم يكن تمرد حكام الأقاليم ضد السلطة المركزية في الإمبراطورية العثمانية يحمل في أغلب الأحوال طابع الوقوف في وجه السلطان، ولم يكن يستهدف الانفصال عن الإمبراطورية. وعلى العكس من ذلك كان الإقطاعيون المتمردون يرون أنفسهم أكثر خدم السلطان إخلاصًا. عن مثل هذه المواقف كتب بازيلي قائلًا: «كان هذا الشكل الخاص من التمرد معروفًا منذ القدم وممكنًا في الشرق فقط، لم يكن الباشاوات يعلنون تمردهم على السلطان، الذي ظلت حقوقه الروحية والسياسية مصونةً بصفته خليفة رسول الله، وإنما كان التمرد موجهًا ضد الحكومة التي عينها هذا السلطان، وحيث إن التناقضات كثيرًا ما تتجاوز وتتشابه، فإن الاستبداد الشرقي يقف هنا جنبًا إلى جنبٍ مع راديكالية الغرب» (٢٧، ص١٠٤).
كانت الحكومة المركزية تلجأ أحيانًا لاستغلال التمردات لإقصاء الموظفين الذين لم تعد لهم حاجة إليهم، وذلك على أيدي أعدائها من المتمردين (٢٧، ص١٠٠)، وقد طبَّق هذه الوسيلة نفسها الباشاوات (الولاة) على من يتبعونهم من إقطاعيين. كتب الدبلوماسي البروسي والمراقب الحصيف للأحداث ج. روزين يقول إن ولاة الأقاليم كانوا «تارةً ما يستغلون النزاعات القديمة بين القبائل، وتارةً ما يغرون بالوعود إقطاعيًّا ضد إقطاعي بالرضاء الدائم للديوان عليه، وتارة ما يضربون الأضعف بالأقوى، وعندما يُطالب المنتصر الذي أنفق على الصراع أفضل جزءٍ من أملاكه وضياعه أملًا في مكافأةٍ تعوضه عما قدمه من خدماتٍ للباشا كان الولاة يتعاملون معه بلا رحمةٍ باعتباره متمردًا أو — في نهاية الأمر — يعزلونه على نحوٍ غادرٍ.» (١٢٤، ج١، ص١٣٨).
أخذت الخلافات بين محمد علي والسلطان في التراكم بالتدريج. كان السلطان قد وعد محمد علي بتوليته كريت وسوريا جزاء ما قدمه من عونٍ في قمع الانتفاضة في اليونان. ولكن بعد تحطيم الأسطول المصري على يد الأسطول الأوروبي الموحد في نافارين في ٢٠ أكتوبر ١٨٢٧م، غادر الجيش المصري المورة دون إذن السلطان. كما لم تقدم مصر للسلطان أي مساعدة أثناء الحرب الروسية التركية عامَي ١٨٢٨م و١٨٢٩م، حيث لم يستجب محمود الثاني لرغبات محمد علي في تعيين قائد للجيوش في الأناضول وتعيين ابنه إبراهيم قائدًا لروميلية. وبعد توقيع صلح أدرنة عام ١٨٢٩م بين روسيا والإمبراطورية العثمانية حدد محمد علي طلبه بالحصول على الأقاليم التي وُعِد بها من قَبل (كريت وسوريا)، لكن محمودًا اكتفى بإعطائه كريت فقط جزاء ما أظهره محمد علي من عصيان.
لم يمضِ وقتٌ طويل إلا وقد قرَّرت الحكومة السلطانية معاقبة محمد علي، وهو ما علم به من جواسيسه المندسين في بلاط السلطان. وقد اتخذ محمد علي من هذا الأمر ذريعةً للقيام بمحاولةٍ مستقلةٍ للاستيلاء على سوريا. ففي ديسمبر عام ١٨٣١م استغل محمد علي الخلافات التي تفجَّرت بينه وبين عبد الله باشا، والي عكا، فوجَّه إليه جيشًا قوامه ٢٤ ألف رجل. وطبقًا لمرسوم السلطان اعتبر محمد علي بفتوى أصدرها شيخ الإسلام في ٢٣ أبريل ١٨٢٣م عاصيًا (٢٠٨، ص١٢٨-١٢٩، انظر أيضًا ٧٤، ص٤٨٨-٤٨٩، ٩٧، ص٩٢).
بعد أن استولى محمد علي على سوريا أمر جيشه بالتحرك تجاه الأناضول ليُرغم السلطان على الاعتراف بحقوقه في الأراضي التي احتلها. وقد هددت هزيمة قوات السلطان عند قونية عام ١٨٣٢م وتقدُّم جيوش الباشا المصري نحو إسطنبول وجود الأسرة الحاكمة.
في نهاية عام ١٨٣٢م أرسل السلطان محمود الثاني السفير نامق باشا٢ إلى العواصم الأوروبية بهدف استيضاح موقف هذه الدول من تمرد محمد علي ومن السلطان نفسه، وأوصاه، في حالة توصله إلى نتيجةٍ إيجابية، أن يطلب من إنجلترا المساعدة. من نوفمبر عام ١٨٣٢م وحتى مارس ١٨٣٣م زار نامق باشا كلًّا من فيينا وباريس ولندن وبرلين وبطرسبورج. وعلى الرغم من استقباله في لندن بحفاوةٍ كبيرةٍ وإهدائه عددًا من المدافع، إلا أنه لم يتلقَّ وعدًا بالمساعدة العسكرية (لمعرفة الأسباب انظر ١٩٨، ص٨٢، ٩٥، ١٩٩، ص٢٤٠–٢٥١، ١٨٢، ص١٤، ١٢٤، ج١، ص٢٥٣).
ربما لم تكن إنجلترا — في الفترة الأخيرة التي عمل فيها نامق باشا سفيرًا لبلاده — ترى في ثورة محمد علي اعتداءً على وحدة الإمبراطورية العثمانية، ومن ثم فإنها تعاملت مع هذه الثورة باعتبارها تمردًا عاديًّا (٢٠٨، ص١٣٣، ١٥١، ١٣٥، ١٩٨، ص٢٤٦). بالإضافة إلى ذلك فقد كانت إنجلترا في النصف الأول من ثلاثينيات القرن التاسع عشر عاقدةً العزم على إقامة علاقاتٍ وديةٍ مع باشا مصر، وفتح طريقٍ أكثر قربًا إلى الهند عبر أراضي ما بين النهرين ومصر.
على أية حال فإنجلترا لم تخمن أن محمود الثاني الذي اضطرته الظروف لقبول مساعدةٍ عسكريةٍ من روسيا سوف يعقد معها وبعد عدة أشهر (في يونيو ١٨٣٣م) معاهدة أونكيار إيسكيليسي للدفاع المشترك، وهي المعاهدة التي استقبلتها إنجلترا باعتبارها انتصارًا دبلوماسيًّا كبيرًا لروسيا.
في فبراير ١٨٣٣م وصلت قوات محمد علي إلى مدينة كوتاهية في آسيا الصغرى. وقد أثار ذلك اضطرابًا شديدًا في إسطنبول. قدرت الحكومة القيصرية خطورة الموقف وهي تُشاهد إمكانية الانهيار السريع للإمبراطورية العثمانية، وهي المعنية بالاحتفاظ «بجارٍ ضعيف» هو سلطان تركيا، لا جار قوي ممثلًا في شخص محمد علي (٢٣٤، مجلد ٤، ص٤٣٨، انظر ١٤٢، ص٣٢٧–٣٢٩)، وعلى الفور تقدمت باقتراح لمساعدة السلطان فأرسلت الجنرال ن. ن. مورافيوف إلى إسطنبول ومعه هذا الاقتراح، وذلك في مطلع شهر ديسمبر عام ١٨٣٢م (٦٣، ج٢، ص٢٠٧) وفي الثاني من ديسمبر عرض ممثل روسيا في إسطنبول بصورةٍ رسميةٍ تقديم مساعدةٍ عسكريةٍ إلى الباب العالي، ولما كان محمود الثاني في مأزقٍ فقد وافق على الاقتراح على الفور.
وصل الأسطول الروسي الأول إلى البوسفور يوم ٢٠ فبراير ١٨٣٣م، أما أول إنزالٍ (ما يزيد على خمسة آلاف جندي روسي) فقد قام به الأسطول الروسي الثاني على الشاطئ الآسيوي للبوسفور في وادي أونكيار إيسكيليسي في ٤ أبريل. وفي الثالث والعشرين من أبريل وصل الأسطول الثالث، وكان مكونًا من ٤٥٠٠ جندي آخر تقريبًا (١٣٢، ص٣٦٧).
استقبلت دول أوروبا الغربية وجود الأسطول الحربي الروسي في البوسفور بانزعاجٍ بالغ، عندئذٍ راحت تلح في النصح على محمود الثاني بأن يُسارع بالتصالح مع هذا التابع العنيد، وأثارت لديه المخاوف من جراء النيات العدوانية لروسيا، نتيجةً لذلك أصدر محمود الثاني فرمانًا يؤكد فيه حق محمد علي في إدارة سوريا وكريت وجدة (في الجزيرة العربية). وعلاوةً على ذلك فقد أنعم عليه محمود الثاني بالإيالات والصناجق في سوريا وفلسطين: صيدا، طرابلس، القدس، نابلس.
في يناير عام ١٨٣٣م يتوجَّه إلى مصر المشير٣ خليل رفعت باشا قائد الأسطول٤ ومعه رئيس إدارة الشئون الخارجية مصطفى رشيد بك، وذلك بناءً على خطي همايوني (٤٨، ص٥١-٥٢).
وعندما أحس محمد علي بما آلت إليه السلطة المركزية من ضعف، لم يكتفِ بما قدمه له السلطان من تنازلات، فراح يُطالب بأراضٍ إضافية: إيالات الشام (دمشق) وحلب في سوريا، وصناجق إيتشل وآلاي في آسيا الصغرى الواقعة على سواحل البحر الأسود. وقد هدد محمد علي بإرسال حملةٍ إلى إسطنبول إذا لم يُجب إلى طلبه. وهنا صرح له السفيران بأنهما لا يملكان الشجاعة على إبلاغ السلطان بهذه الشروط، على أن محمد علي أصر على أن يكتبا إلى السلطان برغباته أو يقوم هو بنفسه بإبلاغه.
وفي إحدى المباحثات التي دارت مع خليل رفعت باشا وشارك فيها مصطفى رشيد بك تناول محمد علي السلطان بكلمات مقذعة. كان هذا الأمر مفاجئًا لموظف السلطان كما جعله يدرك أن الباشا المصري ليس خادمًا مخلصًا للسلطان وأن تمرده يُهدد وحدة الإمبراطورية العثمانية بأسرها.
لم تُحقق المباحثات التي دارت بين ممثلي تركيا ومحمد علي يناير ١٨٣٣م نجاحًا يُذكر. واضطر السفيران أن يبعثا بمذكرةٍ تفسيريةٍ للباب العالي، الذي رد بضرورة بقاء خليل رفعت باشا في الإسكندرية وعودة مصطفى رشيد بك إلى إسطنبول. وصل خليل رفعت باشا إلى العاصمة في ٢١ مارس ١٨٣٣م على متن سفينةٍ فرنسيةٍ كانت في طريقها إليها (١٩٨، ص١١١). وسرعان ما بعث به الباب العالي إلى كوتاهية لإجراء مباحثات مع إبراهيم باشا قائد الجيش المصري وابن محمد علي.
أدار المباحثات مع إبراهيم باشا الدبلوماسي الفرنسي فارين ممثلًا للباب العالي، وقد بذل فارين جل جهوده لمنع الدبلوماسية الروسية من استغلال الموقف المتردي للسلطان وزيادة تأثير روسيا على الإمبراطورية العثمانية. ولما كان السلطان يرغب كذلك في تجنب مشاركة القوات الروسية مباشرةً في المعارك ضد محمد علي وعدم السماح لها بدخول الأناضول، فقد وافق على الوساطة الفرنسية. أتاح الباب العالي لفارين بعضًا من حرية الحركة، وخاصةً فيما يتعلق بالتنازل لمحمد علي عن بعض الأقاليم (١٢٤، ج١، ص١٨٠، ١٩١). كان على مصطفى رشيد، الذي صاحب فارين، ممثل الباب العالي، أن يُبلغ إبراهيم أن السلطان سوف يمنح أباه، إضافةً إلى ما أنعم به عليه من قبل، إيالات (دمشق). أما محمد علي فقد طالب، كما ذكرنا من قبل، بإيالات الشام (دمشق) وحلب وصناجق إيتشل وآلاي. وعلاوةً على هذا الطلب أُضيفت — كما علمنا من تقرير مصطفى رشيد — كل من أوفا والرقة وأدنة (٤٨، ص٥٦، ١٢٤، ج١، ص١٩٢).
في الثلاثين من مارس عام ١٨٣٣م غادر إسطنبول ممثلو تركيا: مصطفى رشيد وشكيب أفندي والقائم بالأعمال الفرنسي فارين (١٩٨، ص١١١).
ويتضح لنا من تقارير مصطفى رشيد أن الباب العالي كان يُدرك الدور النشط الذي اضطلع به القائم بالأعمال الفرنسي في المباحثات وكيف أنه سعى للمصالحة بين المتنافسين بعد أن أرغمهما على السير في طريق التنازلات المتبادلة، ومن المحتمل أن يكون قد اقترح على إبراهيم أن يتخلى عن صناجق إيتشل وآلاي وأن يكتفي بالتنازل عن أدنة، وأن يحصل من الصناجق المذكورة على أخشاب البناء بعد موافقة السلطان. نصح فارين إبراهيم أن يُقرر هذا الأمر بنفسه دون أن ينتظر موافقة محمد علي. وقد أبلغ مصطفى رشيد الباب العالي بأن فارين كان يتصرف إبان إجراء المباحثات باعتباره «موظفًا مخلصًا لدى السلطان التركي» (٤٨، ص٥٥).
أظهرت الجولة الأولى من المباحثات مع إبراهيم في كوتاهية لمصطفى رشيد أن الابن عنيد مثل أبيه. لقد رفض إبراهيم الاكتفاء بدمشق وكرر مطالب محمد علي وهدد بالزحف نحو إسطنبول في حالة رفض هذه المطالب. باءت محاولات مصطفى رشيد مداعبة المشاعر الوطنية لإبراهيم بالفشل، ولم تترك مسألة تذكيره بأن أوروبا باتت تعرف بأمر إنزال القوات الروسية وأن هذا أمر «غير لائق وغير مقبول» أي انطباعٍ لديه. لم يخشَ إبراهيم أي شيء، حتى التهديد بحتمية القبض عليه في حالة إنزال قوات روسيةٍ حددها مصطفى رشيد بحوالي من ٣٠ إلى ٤٠ ألف جندي (٤٨، ص٥٤).
يلاحَظ من تقارير رشيد بك أنه كان يقف إلى جانب تسوية الصراع عن طريق التفاوض المباشر مع إبراهيم، وأنه لم يكن معارضًا لتنازلات إقليمية. على أن الباب العالي لم يوافق على إعطاء أدنة لمحمد علي وأصدر أمرًا إلى رشيد بك بأن ينتظر توجيهاته التالية.
في الرابع عشر من أبريل عام ١٨٣٣م قدم فارين شروط الصلح إلى الباب العالي الذي أسرع بالإعلان عن النهاية السلمية للصراع، على أن أدنة لم تكن ضمن الأقاليم التي أعطيت لمحمد علي. وردًّا على ذلك لم تُغادر القوات المصرية كوتاهية واتهمت السفارة الفرنسية الباب العالي بالخيانة.
وقع محمود الثاني في حيرةٍ من أمره، ولم يعد يعرف أي المصيبتين أكبر: أن يستجيب لمطالب محمد علي كلها وأن يُطأطئ رأسه إذلالًا للباشا المتمرد، أم يسمح للقوات الروسية بالدخول إلى أراضي آسيا الصغرى. لقد أخافت الدبلوماسية الأوروبية الباب العالي من عزم الروس الاستيلاء على إسطنبول (١٢٤، ج١، ص١٨٩). كانت غالبية أعضاء الحكومة التركية تقف ضد قبول المساعدة الروسية؛ إذ كانوا يدركون أنه ما إن يقبل الباب العالي هذه المساعدة حتى يقوم الروس بعزله عن بقية الدول الأوروبية (١٢٤، ج١، ص١٨٠).
ونتيجةً لعناد محمد علي، وإلحاح السفارتين الفرنسية والإنجليزية، إلى جانب المخاوف المرتبطة بوجود قواتٍ روسيةٍ فوق أراضي الإمبراطورية العثمانية؛ قرر محمود الثاني التضحية بأدنة وإعطائها للباشا المصري. في الخامس من مايو ١٨٣٣م أصدر السلطان فرمانًا بتعيين محمد علي حاكمًا على سوريا وكيليكيا. وفي الرابع عشر من مايو تم الاتفاق في كوتاهية٥ على وقف العمليات العسكرية بين قوات السلطان ومحمد علي، وفي نفس اليوم يبدأ انسحاب القوات المصرية من طوروس. وفي الرابع والعشرين غادرت كوتاهية آخر فصيلةٍ مصرية (١٢٤، ج١، ص ١٨٠، ١٨٣، ١٩٠–١٩٦).
بعدما زال التهديد المباشر للعرش، قام السلطان بعقد اتفاقية دفاعٍ مشتركٍ مع روسيا لمدة ثمانية أعوامٍ جرى توقيعها في الثامن من يوليو ١٨٣٣م في إسطنبول.٦ وقد عُرفت هذه الاتفاقية باسم اتفاقية أونكيار إيسكيليسي، نسبةً إلى الوادي الذي نزلت به القوات الروسية (غادرت القوات الروسية الشواطئ التركية بعد يومين من توقيع الاتفاقية). نصَّت الاتفاقية على التزام روسيا بتقديم المساعدة العسكرية بناءً على طلب السلطان، وذلك في حالة قيام محمد علي بأي هجومٍ جديد، بينما تلتزم تركيا بإغلاق مضيق الدردنيل أمام السفن الحربية لجميع الدول٧ (انظر ٣٤، ج١٢، ص٥٠).
اعتبر السلطان أن اتفاقية أونكيار إيسكيليسي تحميه من أي تمردٍ جديدٍ من قِبل والي مصر، كما عقد آماله أيضًا على مساعدة روسيا له في المستقبل على قمع محمد علي وإعادة ولو حتى سوريا على الأقل.
عملت المساعدة التي قدمتها روسيا إلى السلطان آنذاك إلى جانب اتفاقية أونكيار إيسكيليسي، التي رأى فيها محمود الثاني عاملًا هامًّا في قمع الباشا المصري وربما أيضًا إلى دحره إلى الأبد، على تقوية النفوذ الروسي. لم يكن من الممكن أن تقف دول أوروبا الغربية مكتوفة الأيدي أمام هذا النجاح السياسي الذي أحرزته روسيا والذي جاء مُفاجئًا لهذه الدول جميعًا.
لقد أوجست الدول الأوروبية خيفةً من شروط هذه الاتفاقية؛ تحسبًا لاندلاع حدة الصراع التركي المصري وقيام روسيا عندئذ بدفع قواتها بحيث لا تغادر بعدها أبدًا لا إسطنبول ولا المضايق.
منذ ذلك الوقت اتخذ الصراع الدبلوماسي للدول الأوروبية في الإمبراطورية العثمانية طابعًا خاصًّا حادًّا. وعلى مدى سنواتٍ طويلةٍ بذلت الدول الغربية جهودًا كبيرةً لتجعل من اتفاقية أونكيار إيسكيليسي حبرًا على ورق، ومن أجل هذا راحت تسعى للحصول على موافقة الباب العالي على عقد اتفاقيةٍ مماثلةٍ مع جميع الدول الكبرى. فلو أن مثل هذه الاتفاقية قد عُقدت لفقدت روسيا حرية الحركة في حالة تجدُّد الصدامات العسكرية بين السلطان ومحمد علي (٨٥، ص٥٥٩، ٩١، ص٣٠، ٤٩، ٧٤، ص٨٤٧، ١٣٢، ص٤٢٨).
لقد وقع الصدام العسكري الثاني بين جيشي الباشا المصري والسلطان في يونيو ١٨٣٩م، فلم تكن الفترة ما بين ١٨٣٣م و١٨٣٩م في الواقع سوى فترة سلامٍ شكلي؛ إذ واصل الجانبان خلالها سعيهما لتحقيق أغراضهما: فمحمد علي يسعى للحصول على استقلالٍ رسمي (كان محمد علي يملك استقلالًا واقعيًّا لكنه استقلال غير راسخ)، أما السلطان فكان يهدف، استنادًا إلى سلطته العليا، إلى قمع الوالي المتمرد وإعادة مصر إلى حكمه، فإن لم يتيسر له ذلك فسوريا على الأقل.
تميز تمرد محمد علي عن بقية الصراعات المعتادة باستمراريته، إلى جانب تدخل الدول الأوروبية فيه بفضل الضعف النسبي لسلطان تركيا الذي أُرغم في النهاية على التوجه إلى الدول الأوروبية طلبًا للعون.
شاركت كل من روسيا وإنجلترا وفرنسا والنمسا وبروسيا، فضلًا عن تركيا ومصر، في النزاع الدبلوماسي الطويل (١٨٣٣–١٨٤١م) بسبب الصراع التركي المصري.





