مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات تأريخية

الإمبراطورية العثمانية وعلاقاتها الدولية: في ثلاثينيات وأربعينيات القرن التاسع عشر✍ أنينل ألكسندرو فنادولينا -ترجمة أنور إبراهيم

لقد بدا أن الصراع الدبلوماسي في تلك الفترة كما لو كان اتخذ له مسارين. فالدول الأوروبية جميعها كانت تُحارب، أولًا وقبل كل شيء، ضد الزيادة المحتملة لقوة منافسيها على حساب الإمبراطورية العثمانية، وخاصةً في منطقة المضايق، على الرغم من أنها كانت تؤكد للباب العالي أن كلًّا منها لا تسعى إلا للدفاع عن مصالحها. وفي خضم صراع الدول الأوروبية على المضايق (وخاصةً صراع الدول الأوروبية ضد روسيا) اكتفت الدبلوماسية التركية بدورٍ ثانوي. فالحقيقة أن الإمبراطورية العثمانية في هذه الفترة أصبحت هدفًا للمصالح الأخرى. على الرغم من أن مبادرتها في هذا الصدد اتضحت بشكلٍ ملحوظ. وهذه المبادرة من جانب الباب العالي والدبلوماسية التركية جاءت في سياق الصراع من أجل الحفاظ على مصر ضمن كيان الإمبراطورية العثمانية. كان سعي السلطان لقمع محمد علي صادرًا عن إحساسه بما تُمليه عليه سلطته العليا. بينما ظل اهتمام جميع الدول الأوروبية في النصف الأول من ثلاثينيات القرن التاسع عشر بخصوص إعادة الأقاليم المغتصبة اهتمامًا محدودًا في واقع الأمر. فقد أظهرت هذه الدول ولسنوات طويلة لامبالاتها نحو مسألة التسوية الإقليمية بين السلطان ومحمد علي، ساعية في الوقت نفسه لبقاء الأوضاع الإقليمية والقانونية بينهما على ما هي عليه (٦٣، ص٥٤). وقد لوحظت هذه اللامبالاة من جانب روسيا طوال فترة الصراع بعد عام ١٨٣٣م (٢٣/ ٣٦، ج٢، ص٢٠٦-٢٠٧/ ٢٥، ص٦٢/ ٦٥، ص٤٤، ٥٥-٥٦/ ١٢٤، ج١، ص٢٥١/ ١٣٢، ص٥١٠/ ١٩٨، ص٩٩)، ومن جانب إنجلترا في النصف الأول من الثلاثينيات. وظلت فرنسا حتى عام ١٨٣٩م تؤيد بقاء الوضع على ما هو عليه (٦٣، ص٧٣-٧٤). ولهذا فإن مهمة الدبلوماسية السلطانية تلخَّصت في الحصول على موافقة الدول الأوروبية وإدخال تعديلات على شروط معاهدة كوتاهية عام ١٨٣٣م. وحيث إن دول أوروبا الغربية كانت تخشى أن يؤدي التجدد المحتمل للعمليات العسكرية بين محمد علي والسلطان، وفقًا لشروط اتفاقية أونكيار إيسكيليسي، إلى تدخلٍ عسكري جديد من جانب روسيا، فقد راحت هذه الدول تضع العراقيل أمام عزم السلطان تجدد الصراع العسكري بهدف استعادة سوريا، ومن ناحيةٍ أخرى حاولت منع محمد علي من إعلان استقلاله بمصر؛ إذ إن محاولة هذا أو ذاك تحقيق رغبته كانت ستؤدي حتمًا إلى اشتعال الحرب بين الجهات المتنازعة.

وعلى الرغم من أن التعاون بين إنجلترا وفرنسا فيما يتعلق بالسياسة الشرقية في فترة الصراع التركي المصري كان يُعاني من تناقضاتٍ داخلية ومن التضارب بين مصالحهما المشتركة في منطقة البحر المتوسط (بما فيها الجزائر ومصر) فإنهما تراجعتا إلى خلفية الصورة في اللحظة التي ظهر فيها شبح الطموحات الروسية في الإمبراطورية العثمانية يُخيم على الموقف.

وحول عدوانية السياسة الشرقية لروسيا تكرَّرت تصريحات رجال الدولة في إنجلترا وفي فرنسا. وفي الوقت نفسه راح بالمرستون يستغل درجة المبالغة في هذه التأكيدات لأغراضه السياسية. وفي السادس والعشرين من فبراير عام ١٨٣٥م كتب بالمرستون خطابًا إلى السير ويليام تمبل جاء فيه: «ليست روسيا سوى وهمٍ كبير، ولو أرادت إنجلترا أن تتخلص منها حقيقةً لتخلصت منها في حملةٍ واحدة منذ نصف قرنٍ مضى» (الاقتباس من المرجع ١٣٢، ص٣٣٩).

لاحظ المؤرخ الأمريكي ف. س. روكي أنه حتى في عام ١٨٣٦م، أي بعد حادثة السفينة «ويكسن»،٨ المرتبطة بازدياد حدة المسألة الشرقية، عندما بدا أن الحرب بين روسيا وإنجلترا آنذاك أمر حتمي، أن بالمرستون كان على قناعة تامة بأن روسيا لم تكن لديها أي نوايا عدوانية. هذا ما ذكره «بالمرستون» في اجتماع دورة البرلمان الإنجليزي (١٨٢، ص٥٦).
يؤكد المؤرخ السوفييتي ي. ف. تارلي، في معرض حديثه عن أسباب التوجه العام للسياسة الشرقية لنيكولاي الأول أن القيصر بالغ في تقديره لضعف الإمبراطورية العثمانية وكان على ثقةٍ تامة من انهيارها الحتمي السريع، ولهذا فإنه لم يشأ أن يُفرِّط في نصيبه في «التركة العثمانية» ومن ثم راح يبحث عن حلفاء وهو يدرك أن روسيا بمفردها ليست في حالةٍ تسمح لها بمواجهة أطماع بقية أوروبا إذا ما حانت لحظة وفاة (الرجل المريض) الإمبراطورية العثمانية (انظر ٨٥، ص٥٦١–٥٦٤).

على أن إنجلترا استغلت بذكاءٍ مخاوف فرنسا من جراء السياسة الشرقية لروسيا، التي دعمت موقفها في الإمبراطورية العثمانية بعقدها اتفاقية أونكيار إيسكيليسي. وكانت إنجلترا على حقٍّ عندما اعتمدت على أن فرنسا لن تجرؤ على قطع «الاتفاق الودي» الإنجليزي الفرنسي بحثًا عن حل للخلاف التركي المصري. فهذا الاتفاق ما يزال يغل يدها ولن يسمح لها أن تتحمس لدعم مطامع محمد علي. وقد ظلت إنجلترا طوال فترة الصراع التركي المصري تؤكد للباب العالي أن التعاون الفرنسي الإنجليزي بخصوص المسألة المصرية هو تعاون لا ينقض، وأن فرنسا سوف تسلك نفس النهج الذي تسلكه إنجلترا؛ إذ إن سياستهما موجهة بالدرجة الأولى ضد روسيا. يصف المؤرخ الفرنسي أ. ديبيدور الموقف الصعب لفرنسا تجاه الصراع التركي المصري بقوله: «كان مجلس الوزراء منعقدًا في قصر التويلري وقد تملكته الحيرة … كان عليه أن يختار حلًّا من ثلاثة: إما أن تعقد فرنسا اتفاقًا وثيقًا مع القيصر على غرار اتفاق كارل العاشر، أو أن تُخاطر بالدفاع عن قضية محمود الثاني، أو أن تقف صراحةً في صف محمد علي. كان الخيار الأول يعني قطع العلاقات مع إنجلترا، وهو ما كان يرفضه مجلس الوزراء، كما كان الخيار الأخير يعني أن تكتسب لها عدوًّا هو إنجلترا، التي كانت تُحافظ بكل غيرة على تأثيرها في الشرق، ومن ثم تغامر بدخول الحرب ضد روسيا. لم يتبقَّ إذن سوى قبول الخيار الثاني: دعم السلطان لصالح البلاط الإنجليزي في لندن، وبهذا تفوت عليه فرصة بقاء السلطان تحت حماية القيصر. على أنه، من ناحيةٍ أخرى، لم يكن البلاط في قصر التويلري يرغب إطلاقًا في أن يفقد محمد علي كل ثمار انتصاراته. كان لدى الباشا المصري الكثير من الفرنسيين الذين يعملون منذ زمنٍ بعيد في الإدارة وفي الجيش. وكانت فرنسا تعتبره موجودًا تحت حمايتها، فضلًا عن أنه كان يتمتع بشعبيةٍ كبيرة في باريس. ولو أن فرنسا لم تقدم العون للباشا لما غفر البرلمان ولا الصحافة ولا المجتمع لحكومتها هذا الموقف. من ذلك يتضح لنا أي وضع عسير كانت تواجهه حكومة ١١ أكتوبر ١٨٣٢م. ليس من المستغرب إذن أنها لم توفَّق في الخروج من هذا المأزق دون أن يمس شرفها» (٧١، المجلد ١، ص٣٤٠).

ظهر اهتمام إنجلترا باستغلال أراضي الإمبراطورية العثمانية باعتبارها طريقًا للعبور إلى الهند عبر البحر المتوسط أو الخليج الفارسي منذ نهاية القرن الثامن عشر. كانت إنجلترا تُولي الإمبراطورية العثمانية أهميةً كبرى من الناحية التجارية، فضلًا عن أهميتها الاستراتيجية، وقد سعت إنجلترا لاستغلالها ضد السياسات الروسية والفرنسية في الشرق (٧٤، ص٤٨٢–٤٨٥، ص١٧٣-١٧٤). وكانت فرنسا قد وضعت نصب أعينها ومنذ نهاية القرن الثامن عشر تحويل البحر المتوسط إلى بحيرةٍ داخلية خاصة بها (١٦١، ص١٤٧).

عندما اشتد أوار الصراع التركي المصري، أخذ نيكولاي الأول عن طيب خاطر جانب السلطان حتى يجعل منه تابعًا لروسيا ولا يُعطي لمحمد علي، الأكثر قوة من السلطان، فرصة الاستيلاء على عرش آل عثمان. وقد أدى تدخل نيكولاي الأول إلى جانب تركيا إلى إعاقة انتشار تأثير فرنسا المؤيدة لمحمد علي والتي كان القيصر بعد عام ١٨٣٠م يعتبرها مصدرًا للثورة.

يقول المؤرخ السوفييتي م. ن. بوكروفسكي: «كان التحالف مع النمسا من الأمور التقليدية بالنسبة للدبلوماسية الروسية حتى منذ النصف الأول من القرن الثامن عشر. وكان للإمبراطوريتين عدو مشترك يقف لهما بالمرصاد على نهر الدون، وفي الوقت نفسه كانا يتنافسان فيما بينهما على شبه جزيرة البلقان، آنذاك لم تكن إحداهما لتخطو خطوةً واحدة دون أن تبلغ بها الأخرى. كلتا الإمبراطوريتين سعتا للسير جنبًا إلى جنب، لا لتؤازرا بعضهما البعض، وإنما لتقتفي كل منهما أثر الأخرى. كان تعاظم قوة روسيا يعني ضعف النمسا، والعكس، كانت الحليفتان تخشيان لو أن إحداهما نجحت في استغلال الأخرى لتحقيق مطامعها من جانبٍ واحد» (١٢٢، ص٦، انظر أيضًا ٨٥، ص٥٥٧).

وبعد توقيع معاهدة أونكيار إيسكيليسي؛ قرَّر نيكولاي الأول أن يدعم علاقاته بالنمسا؛ حتى يتمكن من مواجهة الائتلاف الإنجليزي الفرنسي، معتمدًا في سياسته الشرقية على تحالفه معها. وفي اللقاء الذي جمع عواهل الدول الثلاث (روسيا والنمسا وبروسيا) في سبتمبر عام ١٨٣٣م في ميونخنجريتس (حاليًّا منيخوفو جراديشت) أكد قيصر روسيا للنمسا أنه لو حدث وسارت الأمور في الإمبراطورية العثمانية على نحوٍ يتطلب تدخل روسيا فإنه لن يتخذ أي خطوة دون أن يُشرك فيها النمسا، وصرَّح بأنه ليس لديه أي نية للتوسع في أراضيه على حساب تركيا (٣٤، المجلد ٤، ص٤٤٦–٤٤٨، ٠٩، ص٢٠٦–٢١٠، ١٣٢، ص٣٩٦، ١٣٣، ص٣٣) وقد طمأنت تأكيدات القيصر الحكومة النمساوية.

في ثلاثينيات وأربعينيات القرن التاسع جرى دعم «توازن القوى» في أوروبا عن طريق مجموعتين: إنجلترا وفرنسا في جانب، وروسيا والنمسا وبروسيا في الجانب الآخر. على أن هاتين المجموعتين لم تصمدا طويلًا نتيجةً للتناقضات التي كانت قائمةً بداخلهما.

وفوق هذا وذاك، جاء احتلال فرنسا للجزائر عام ١٨٣٠م ليُضاف إلى مشكلات السياسة الخارجية التي أرَّقت الباب العالي ولتظهر على السطح التناقضات بين الدول الأوروبية، على أن الحكومة السلطانية في الثلاثينيات والأربعينيات لم تفقد الأمل في أن يتسنى لها إعادة الجزائر إلى كيان الإمبراطورية العثمانية عن طريق استغلال هذه التناقضات.

جاء فقد الأتراك للجزائر نتيجة خطأ في التقديرات الدبلوماسية للحكومة السلطانية التي أعطت لفرنسا مبررًا مناسبًا لاحتلالها. ووفقًا للتقاليد التي ترسَّخت بدءًا من زمن خير الدين بارباروسا، عندما راح دايات الجزائر يشجعون نشاط القرصنة، فقد وجدت حكومات دول البحر المتوسط نفسها مضطرة لعقد اتفاقات مع الداي تكفل لهم أمن تجارتهم البحرية. الأمر الذي عاد على الجزائر بأرباح طائلة (٩٨، ص٦٧–٩٣). بيد أن الدول الأوروبية المتفوقة على بلدان الشرق عسكريًّا واقتصاديًّا قرَّرت أن تضع حدًّا لأعمال النهب البحري. ففي عام ١٨١٦م قام الأسطول الإنجليزي بضرب الجزائر وأغرق أسطول الداي. استغلَّت فرنسا ما آلت إليه الجزائر من ضعف وانشغال الباب العالي في الحرب الروسية (١٨٢٨-١٨٢٩م) لتُحقق طموحها — الذي بدأ منذ نابليون — في فرض سيطرتها على البحر المتوسط. وكانت الحجة التي استندت إليها فرنسا في غزو الجزائر هي الإهانة التي وجهها والي الجزائر إزميرلي حسن باشا إلى قنصل فرنسا بأن قذفه على وجهه بمروحة كانت في يده وهو يُطالبه بأن تُعيد الحكومة الفرنسية دينًا كانت أخذته من شخص ما. وكان الوالي قبل هذه الواقعة قد استولى على بعض سفن فرنسية متعللًا بعدم سداد فرنسا للدين المذكور.

أرسل الفرنسيون إلى الجزائر مائة سفينة حربية وخمسمائة سفينة نقل. وفي الرابع عشر من يونيو عام ١٨٣٠م نزل إلى السواحل الجزائرية ٣٧ ألف جندي فرنسي. وبعد معركةٍ قصيرة تم أسر الداي. وكانت الإمبراطورية العثمانية قد خرجت آنذاك لتوها من حربها ضد روسيا ولم ترد على احتلال الجزائر سوى بمذكرة احتجاج (٢١٦، ص٥٣–٦٢).

يذكر الباحث الفرنسي ر. مانتران أنه على الرغم من أن السيطرة العثمانية على الجزائر وتونس وطرابلس (منذ نهاية القرن السابع عشر وحتى مطلع القرن الثامن عشر) كانت سيطرةً اسمية، إلا أنها خلقت وضعًا سياسيًّا ظلت الدول الأوروبية تناضل من أجل تغييره على مدى قرونٍ ثلاثة. وقد تمثَّل الوجود العثماني في هذه الولايات عمليًّا في النمط التركي للإدارة: ولاة، جيش، موظفون كبار من أصل تركي، مراسيم رسمية كُتبت باللغة التركية إضافةً إلى الألقاب التركية السائدة. وحتى عندما كانت هذه الولايات تتعرض للتهديد من جانب الأوروبيين فإنها لم تكن تتوانى عن طلب العون من السلطان. كما أنها كانت في الغالب تُقدِّم لتركيا المساعدة العسكرية بناءً على طلب السلطان. خذ مثلًا ما أرسله دايات تونس إلى السلطان من عونٍ عسكري إبان الحملة إلى طرابلس عام ١٧٩٥م، وإلى كريت عام ١٨١٠م، وإلى اليونان من عام ١٨٢٢ وحتى عام ١٨٢٧م. وقد غرق الأسطول التونسي، الذي كان جزءًا من الأسطول العثماني في معركة نافارين (عام ١٨٢٧م).

ارتبط ضعف الروابط بين إسطنبول والولايات الغربية بسقوط قوة آل عثمان وانعدام المصالح الاقتصادية للدولة المستعمرة (المتروبول) في هذه الولايات البعيدة ذات العوائد المحدودة. كانت الجزائر وتونس تتمتعان باستقلالٍ اقتصادي ذي توجه غربي أكثر من جميع الولايات العثمانية الأخرى (١٧٦، ص٢٠٥، ٢١٤-٢١٥). وتؤكد التعليمات (الموجهة لروح الدين أفندي، القائم بالأعمال التركي في فرنسا عام ١٨٣٤م) الاهتمام الاقتصادي المتدني للإمبراطورية العثمانية في الجزائر؛ إذ وصفت هذه التعليمات الجزائر بأنها «مكان لا قيمة له» (٤٨، ص٧٨).

وعن المفاوضات الدبلوماسية التركية الفرنسية بشأن الجزائر والتي سبقت الاحتلال، يكتب ج. روزين قائلًا إن فرنسا حاولت مرارًا وتكرارًا أن تُنحي خلافاتها مع داي الجزائر جانبًا من خلال وساطة الديوان.

لقد اعتبر الباب العالي هذه الولاية ولايةً مستقلة إلى حد أنه كان يرفض التدخل في شئونها وكأنها لا تعنيه. وفي السادس عشر من مارس عام ١٨٣٠م أبلغت فرنسا الباب العالي أنها سترسل جيشها إلى الجزائر ما دام الديوان لم يتعاون في إزالة الخلافات القائمة بينها وبين داي الجزائر، وقامت في الوقت نفسه بإحاطة الدول الأوروبية علمًا بذلك، عن طريق مذكراتٍ أرسلتها إليها. ورغم كل ذلك لم يقم الباب العالي بتوجيه أسطوله أو جيشه إلى الجزائر (٢١٥، ص٢٥-٢٦). «بعدما وصل الأمر إلى استيلاء فرنسا على «وصاية العرش»،٩ هنا فقط أدرك رجال الدولة في تركيا أنهم ارتكبوا خطأً فادحًا بتخلِّيهم عن حقهم السياسي دون مقابل، راحوا بعدها يرسلون المذكرات والسفراء إلى مجلس الوزراء في التويلري لتصحيح الخطأ. لقد أكد وزير الباب العالي أن السلطان له الحق في الجزائر، وأن الباب العالي يرغب في وقف القرصنة البحرية وأن تقوم قواته النظامية باحتلال مدينة الجزائر، ولكن للأسف إن هذا لم يحدث من قبل» (١٢٤، ج١، ص١٤٠).١٠
إن عدم إدراك الباب العالي للأهداف العدوانية للسياسة الخارجية لفرنسا في البحر المتوسط في السنوات من ١٨٢٧ إلى ١٨٣٠م، يُعتبر، من وجهة نظرنا، هو السبب الرئيسي لإصرار الباب العالي على عدم التدخل في النزاع الفرنسي الجزائري،١١ إن سوء التقدير هذا هو الذي استغلته فرنسا تحديدًا.
كانت إنجلترا غاضبةً تمامًا من غزو الجزائر، وهو ما أعلنته رسميًّا؛ إذ رأت في هذا العمل محاولةً من جانب فرنسا لإزاحتها عن البحر المتوسط.

وقد سعت فرنسا بعد غزوها للجزائر لإضعاف علاقة تونس بالإمبراطورية العثمانية وإخضاعها لتأثيرها. كما حاولت الحكومة الفرنسية القضاء على محاولات الباب العالي تقديم مساعداتٍ عسكرية إلى الجزائر في نضالها وذلك من الأراضي التونسية، وقد أدى هذا إلى زيادة حدة التنافس بين تركيا وفرنسا في تونس، وقد ظهر هذا التنافس في أشكال متعددة.

وفي أربعينيات القرن التاسع عشر أُضيفت إلى المشكلات السابقة مشكلة أخرى، وهي تدخل الدول الأوروبية في تسوية نظام الإدارة في سوريا؛ نظرًا لانتفاضات السكان المحليين التي لم تنقطع، وكذلك للصدامات العسكرية التي كانت تقع بين الدروز والمارونيين.

وهكذا وجدت الحكومة السلطانية نفسها — في مطلع الثلاثينيات من القرن التاسع عشر — أمام عدد من المشكلات وثيقة الصلة بمصالح السياسة الخارجية للدول الأوروبية في الإمبراطورية العثمانية، وفي التنافس بينها، وفي تعاظم حدة المسألة الشرقية.

أدى تفاقم مشكلات السياسة الخارجية بحكومة السلطان إلى التفكير في ضرورة إجراء إصلاحات في مجال الدبلوماسية.

لقد أدرك رجال الدولة الأتراك أن باستطاعتهم استغلال التنافس القائم بين الدول العظمى لتحقيق أهداف سياسية بالطرق الدبلوماسية، وهي الأهداف التي أصبح تحقيقها بالجهود العسكرية أمرًا صعبًا بسبب ما آلت إليه الإمبراطورية العثمانية من ضعف ووهن.

تعرضت الدول الأوروبية منذ نهاية القرن الثامن عشر وحتى ثلاثينيات القرن التاسع عشر لعدد من الهزات الثورية؛ ومن بينها الثورة الفرنسية العظمى (١٧٨٩–١٧٩٤م)، ثورات العشرينيات من القرن التاسع عشر في إسبانيا والبرتغال وإيطاليا، ثورة التحرر القومي في عام ١٨٢١م في اليونان، ثم في بولندا في عام ١٨٣٠م، وثورات الثلاثينيات في فرنسا وبلجيكا.

بحلول القرن التاسع عشر بدأت حروب نابليون التي انتهت بقيام عائلة بوربون في عام ١٨١٤م. وقد بدأت الحكومات الأوروبية تخوفها من الصدامات العسكرية الجديدة بسبب الإمبراطورية العثمانية. وهذه الصدامات كانت من الممكن أن تُساعد بدورها على ظهور أوضاع ثورية في أوروبا. وقد أشار كارل ماركس إلى أنه «بدءًا من عام ١٨١٥م، كان أكثر ما تخشاه الدول العظمى في هذا العالم هو تغيير الوضع الراهن Status-quo.» (٢، ص١٦٨). ولهذا فقد ساعد الوضع الدولي آنذاك على زيادة دور الدبلوماسية في العلاقات الدولية.
١ تم رسم الحدود بين الإمبراطورية العثمانية واليونان في عام ١٨٣٢م. وقد مرَّت الحدود عبر خط خليجَي أرتا وفولوس. وحول مباحثات الدول الكبرى والدولة العثمانية بشأن تقسيم الحدود في الفترة من عام ١٨٢٨ وحتى عام ١٨٢٩م (انظر ١٤٧، ص٧٥–٧٧، ٨٣–٨٥، ١٠٠، وغيرها).
٢ نامق باشا (١٨٠٤–١٨٩٥م): تلقى تعليمه في الإدارة السلطانية (Dîvân-ı Hümâyun Kalemleri) كان على معرفة باللغة الفرنسية، وعمل مترجمًا لدى الباب العالي، شارك في الحرب التركية الروسية عامَي ١٨٢٨م و١٨٢٩م. زار بطرسبورج بصحبة خليل باشا بعد توقيع صلح أدرنة. عمل في الفترة من عام ١٨٣٢م وحتى ١٨٣٣م سفيرًا خاصًّا لدى العواصم الأوروبية، ومن سبتمبر عام ١٨٣٤ حتى مارس ١٨٣٥م سفيرًا دائمًا لدى لندن. وفي عام ١٨٣٥م شغل منصب نائب القبودان دار. شارك في عام ١٨٣٦م في حرب طرابلس، شغل بعدها مناصب الوالي والسرعسكر ووزير التجارة ووزير البحرية وغيرها من المناصب.
٣ المشير هي الرتبة الأولى بين الموظفين المدنيين … حتى إن نائب الملك في مصر لم يكن أعلى مرتبةً من المشير … وهناك رتبة المشير أيضًا بين الرتب العسكرية، ولكن من يحملونها هم أدنى منزلةً من أقرانهم المدنيين، ذلك أن أصحابها من العسكريين أكثر عددًا من المدنيين، ولهذا أيضًا يتقاضون رواتب أقل كثيرًا منهم (٣٠، ص٣١٢/ انظر أيضًا ٨٠٢، ص٣٥١).
٤ خليل رفعت باشا: من أصلٍ قوقازي، كان في طفولته عبدًا لدى خسرو باشا وابنًا له بالتبني. عمل ضابطًا بالجيش النظامي وشارك في إخماد الانتفاضة اليونانية. بعد حرب ١٨٢٨-١٨٢٩م مُنح لقب باشا نظير ما أبداه من شجاعةٍ وبفضل راعيه خسرو باشا (الذي كان يشغل آنذاك منصب السرعسكر). وعلى مدى ستة أشهر عمل سفيرًا لدى روسيا، وفور عودته منها أصبح صِهرًا للسلطان محمود الثاني، ثم عُيِّن في منصب القبودان باشا (قائد الأسطول)، وفي عام ١٨٣٦م عُيِّن في منصب السرعسكر، وهو آخر منصب شغله وحتى إبان حكم السلطان عبد المجيد الثاني. وفي عام ١٨٤٠م عُيِّن عضوًا في مجلس وزارة العدل، ومن عام ١٨٤٤ وحتى عام ١٨٥٤م قام على تنظيم أمور الحكم في لبنان.
٥ لم يكن الفرمان معاهدةً دولية، وإنما كان وثيقةً من جانبٍ واحدٍ هو السلطان. وعلى هذا لا تُعد «معاهدة كوتاهية» معاهدةً بمعنى الكلمة. وقد استخدمنا بعد ذلك اصطلاح «اتفاق كوتاهية».
٦ حول عقد معاهدة أونكيار إيسكيليسي بمبادرة من الباب العالي، انظر ١٨/ ٩٠، ص١٧٥-١٧٦، ١٨٣-١٨٤/ ٦٤، ص١٤١/ ١٩٨، ص١٥٠/ ٢٠٨، ص١٣٦. انظر نص المعاهدة في المرجع ٣٩، ص٨٩–٩٢.
٧ كان هناك بندٌ سري في معاهدة أونكيار إيسكيليسي يُلزم الباب العالي بإغلاق مضيق الدردنيل في حالة تعرض الممتلكات الروسية في البحر الأسود للتهديد بالتدخل من جانب الأساطيل المعادية في المضايق، أي في حالة دخول روسيا الحرب مع الدول الغربية. كان إغلاق الدردنيل يشترط فتح المرور أمام السفن الروسية الحربية وحليفتها تركيا عبر البحر الأسود … وعلى الرغم من الفائدة الكبرى التي بدا أن روسيا قد حصلت عليها من هذا البند السري … فإن هذا البند فقد فعاليته بسبب ما أحاطه من غموضٍ (٦٥، ص٣٤).
٨ استولت القوات الروسية على السفينة الإنجليزية «ويكسن»، التي أُرسلت محملةً بالسلاح إلى الجبليين عند سواحل القوقاز عام ١٨٣٦م.
٩ يستخدم المؤلف الأوروبي هنا اصطلاح «وصاية العرش» بهدف التأكيد على الطابع المستقل لحكم الولاية في شخص الدايات.
١٠ لمزيد من المعلومات حول احتلال فرنسا للجزائر انظر كذلك ٢١٥، ص١٤–٢٥/ ١٠٠، ص٤٠/ ١٠٩، ص١٨٠.
١١ نلاحظ هنا — للمقارنة — أنه في عام ١٨٣٥م، أي بعد مرور خمس سنوات، عندما دخل اثنان من الولاة في طرابلس في جدل حول أيهما أحق بالجلوس على العرش، لم يكن الباب العالي قد اندفع بعد في علاقاته مع الدول الأوروبية. كان الباب العالي قد نجح في أن يمنع فرنسا وإنجلترا من التدخل في طرابلس. لم تقبل حكومة السلطان الاقتراح بالوساطة في الجدل القائم بين الواليين قط، وإنما سارعت بإرسال قواتها (أنزلت أسطولًا) إلى طرابلس، الأمر الذي كان من نتيجته تحويل الوصاية على العرش إلى باشالكة (١٢٤، ص٢٤٣–٢٤٥).

الصفحة السابقة 1 2
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading