مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات تأريخية

الوضع القانوني للطوائف اليهودية في الإمبراطورية العثمانية✍ إيرما لفوفنا فادييفا-ترجمة أنور إبراهيم

إذا ما تناولنا على نحوٍ إجمالي مسألة تعايُش اليهود مع المسلمين على الأراضي التركية في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين فسنَجد أنه اتَّسم بطابع أكثر سلمية من التعايش على هذه الأراضي نفسها بين المسلمين والمسيحيين. وهناك من يقول إنَّ الازدهار النِّسبي للمسلمين قد خفَّف بدرجة ما من حدة العداء بين المجتمعَين، على أنه ما أن اختلَّ التوازن الاقتصادي حتى راحت السلطات نفسها تُبادر في أحيان كثيرة بمُمارسة النهب والقتل في الأحياء المسيحية. وعندئذٍ كان المسيحيون، الذين كانوا يُشكِّلون النسبة الأعلى من السكان، يتجنَّبون الدخول في صراع مفتوح مع المسلمين، الذين كانوا في الواقع هم سادة الأراضي العثمانية كافة، بما فيها بلدان الشرق الأوسط، وكان المسيحيُّون يستعيدون خسائرهم آنذاك على حساب اليهود. ومن ثم فاليهود لم يتعاطَفُوا مُطلقًا مع المسيحيِّين ولم يَدعموهم بأيِّ حال في حربهم مع المسلمين، على الرغم من أنهم هم أنفسهم أصبحوا في بعض الأحيان ضحايا للمسلمين. إجمالًا فإن علاقة مسلمي سوريا ومصر وغيرهما من بلدان الشرق الأوسط لم تتغيَّر تجاه اليهود بعد الإصلاحات (التنظيمات)؛ فاليهود لم يُطالبوا بالحصول على الحقوق الجديدة التي منحتها لهم اللوائح السلطانية التي صدرت عامي ١٨٣٩م و١٨٥٦م. في عام ١٨٤٠م كتب الباحث الشهير أوبيتشيني عن اليهود قائلًا: «كان خُضوعهم للحكم العثماني يقف على النقيض بشكل مُدهش مع الاضطرابات وحركات التمرُّد التي كان يقوم بها الرعايا الآخرون … الأمر الذي يمكن تفسيره جزئيًّا بجنوحهم إلى عاداتهم السلمية وحرصهم على وضعهم بحيث لا يُثيرون شكوك الباب العالي نحوهم … وحيث إنهم كانوا يتميزون بالصبر والمثابرة والرضا بقدرهم، فقد كانوا يخلقون انطباعًا بالذلة، على الرغم من وجود عدد من القوانين القديمة (منعهم، على سبيل المثال، من إبداء مَظاهر الترف)، التي كانت تُميزهم على أساس العرق.»٣٧

ظلَّ اليهود يدفعون للسلطات المحلية الضرائب السابقة، التي كانت تَحمي حياتهم وأملاكهم بدرجة كبيرة من السرقة والنهب. وعلى الرغم من أنَّ هذا «التنازل» لم يكن يُعوَّل عليه دائمًا، فقد كان له أثره في نجاة الكثيرين في أوقات التمرُّد والعصيان. لقد سعى اليهود ألا يستفزوا عداء المسلمين نحوهم في المسائل السياسية؛ إذ إنهم لم يكونوا سعداء كثيرًا ﺑ «المساواة العامة»، التي أعلنت في سنوات التنظيمات. كانت المزايا الدينية والاقتصادية التي حظوا بها إبان الدولة العثمانية مناسبة لهم؛ فلم يولوا اهتمامهم للحقوق السياسية الوهمية؛ إذ كانوا يتصوَّرون أن هذه القوانين يستحيل تطبيقها في الواقع.

بعد أن أعلن اليهود ولاءهم للسلطات العثمانية، حازوا عطف المسلمين عندما توتَّرت العلاقات بينهم وبين المسيحيين. وعندما هبَّ اليونانيون ونشبَت الحرب من أجل الاستقلال كان اليهود يَنحازون إلى جانب الأتراك سواء باتخاذ مواقف سلبية أو أحيانًا إيجابية، وهو ما فعلوه بالضبط إبان حرب القرم (١٨٥٣–١٨٥٦م)، وكذلك عند تمرُّد المسيحيِّين في دمشق. لقد استمر العداء الاقتصادي والديني بين مسيحيِّي ويهود الشرق الأوسط مئات الأعوام، وكان انتصار أحدهما على الآخر يَجري سجالًا. خذ مثلًا، في نهاية القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر، استطاع يهود دمشق وعكا تحقيق انتصار كبير على المسيحيِّين في سياق التنافس الاقتصادي القائم بينهما. كانت عائلة فرخي هي المسيطرة على الشئون المالية والإدارية في أيَّالتيْ دمشق وصيدا (الأيَّالة: وحدة إدارية كبرى)، على أنه في عام ١٨٢٠م تمَّ إعدام حاييم فرخي وصودرت أملاكه. خسر اليهود كثيرًا من مكانتهم في دمشق وعكا، أما عائلة بخري (وهم يونانيون كاثوليكيون)، التي كسبت هذه الجولة، فقد تصاعد نفوذها بقوة. وكان مُمثلها حنا بخري سكرتيرًا مُتواضعًا لدى إحدى المؤسسات الإقليمية إبان احتلال مصر لسوريا، وقد عيَّنه إبراهيم باشا مباشرًا (مديرًا) على المالية لعموم سوريا ورئيسًا للمجلس الاستشاري الذي شكَّله في دمشق. قام بخري بدعم إدارته بموظفين مسيحيين وأزاح بكلِّ الطرق اليهود المنافسين.٣٨

مثَّلت حادثة دمشق٣٩ التي وقعت في عام ١٨٤٠م ذروة المواجَهة مع اليهود، وقد جرَت بمُبادَرة من القساوسة اليونانيين هناك بدعم من القنصل الفرنسي المعادي لليهود. لقد فشلَت مساعي أصحاب الاتهام، ومن جديد يقيم المسلمون واليهود تحالفًا ضد المسيحيِّين. الآن استطاع اليهود على نحو أكثر نجاحًا الدِّفاع عن أنفسهم في مواجهة هجمات المسيحيِّين عليهم وخاصة ضد الاتهامات الخاصة بما يعرف ﺑ «فرية الدم». لقد تميَّز الوضع إجمالًا في الشرق الأوسط، سواء في القرن التاسع عشر أو القرن العشرين، بالاضطراب، الذي أخذ في التصاعُد بداية من مُنتصَف القرن التاسع عشر. لقد ازداد أوار العداء بين المسلمين والمسيحيِّين بسبب الفرمانات السلطانية الصادرة في عامي ١٨٣٩م و١٨٥٦م بشأن المساواة بين الرعايا العثمانيين ممَّا أدى إلى وقوع أحداث دراماتيكية. لقد ارتكبت في دمشق في عام ١٨٦٠م مذابح عديدة ضد المسيحيين أدَّت إلى تدخل الدول الأوروبية، وإلى احتجاج السفراء لدى إسطنبول.

في العراق عاشت الجاليات اليهودية في يُسر ودعة، وخاصة في بغداد، حيث بلغ تعدادهم في عام ١٨٨٠م حوالي ٣٠ ألف نسمة ليُصبحوا ٤٥ ألفًا بحلول عام ١٩٠٨م. وبداية من النصف الثاني من القرن التاسع عشر، شغلت بغداد والبصرة من جديد مكانة متميزة في تجارة آسيا. ظلَّ اليهود مدة طويلة من الزمن مُبعدين عن التجارة الدولية من قبل المسيحيين المحليين والمسلمين، بل ومن التجار الأوروبيين أيضًا بمَن فيهم البريطانيون المُقيمون في العراق. لكن النزاعات بين المسيحيِّين والمسلمين فتحت الطريق أمام اليهود للدخول في العمليات التجارية. وفي هذه الظروف الجديدة دخل البريطانيون في منافسة صعبة مع التجار الأوروبيين المحليين والمسلمين فاضطرُّوا للتعامل مع اليهود باعتبارهم شركاء في التجارة نظرًا لمعرفتهم الجيدة بالظروف المحلية.٤٠

لم يكن للأفكار الصهيونية التي راحت تَستجمِع قواها، والتي ظهرت وتطورت بنجاح في أوروبا الشرقية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، سوى أثر طفيف على اليهود العثمانيين، ولذلك أسباب شتى؛ فالإمبراطورية العثمانية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بدأت في التكامل تدريجيًّا مع النظام الاقتصادي العالمي باعتبارها شبه مُستعمرة. وقد دفع التحالف الاقتصادي والانهيار السياسي بالأتراك إلى إجراء الإصلاحات (التنظيمات)، لكن المسلمين لم يستفيدوا منها شيئًا.

ازدادت الأعراق غير المسلمة، وخاصة اليونانيين والأرمن، قوة من الناحية الاقتصادية، لكنَّ اليهود استفادوا أيضًا من الإصلاحات. وخلافًا للمسيحيين، الذين لم تكن لديهم الرغبة في دعم الحفاظ على الإمبراطورية حتى بعد الإصلاحات؛ فقد قبل اليهود الاشتراك في الحركة الدستورية في نهاية القرن التاسع عشر ومطلَع القرن العشرين، وخاصة في نشاط اللجنة الثورية لتركيا الفتاة «الاتحاد والترقي». كان اليهود يُعوِّلون على إضفاء الصبغة الليبرالية على النظام ولا مركزية الإدارة وحرية المُبادَرات الفردية. هذه المزايا تحديدًا تدخل في البرنامج الذي وعَد به واحد من أشهر الإصلاحيِّين الأتراك هو الأمير صباح الدين. آنذاك لم يكن هناك سوى عدد قليل يُؤمن بنجاح الصهاينة؛ فاليهود العثمانيون رأوا أنَّ عصفورًا في اليد خير من عشرة على الشجرة.

خلاصة القول، أنَّ اليهود قد دعموا تركيا الفتاة، التي قبلت برضًا تعاوُنَهم معها؛ فاليونانيون والأرمن قد تخلوا عنها بالفعل. وهؤلاء وأولئك حصلوا على الاستقلال التام عن الأراضي العثمانية، كما أن خطط تركيا الفتاة، التي كانت تسعى إلى وحدة الإمبراطورية والسيطرة على الإدارة والقضاء على تدخل الدول الأجنبية في الشئون العثمانية، لم تكن تُناسبهم. لقد بدأت تركيا الفتاة نضالها من أجل إلغاء الامتيازات الأجنبية وامتيازات الحصانة التي يتمتَّع بها رعايا الدول الأجنبية؛ فالعدد الأكبر من غير مُسلمي الإمبراطورية كانوا يسعون بالحق والباطل للحصول على الجنسية الأجنبية التي تُوفر لحاملها، بفضل هذه الامتيازات، تسهيلات كبيرة.

وقد حصلت روسيا، بمُوجب مُعاهَدة كيوتشوك كانياردجه٤١ الموقَّعة عام ١٧٧٤م، على حق حماية المواطنين الأرثوذوكس، بينما أيَّدت فرنسا، على نحوٍ تقليدي، الكاثوليكيِّين فقط، واستطاعت أن تفرض الحماية على رجال المال اليهود الأثرياء، بشكلٍ استثنائي – مثل أبراهام كاموندو عضو مجلس بلدية إسطنبول. أما الجاليات اليهودية جميعها فإنها وبرغم البيانات التي أصدرتها الحكومة فإنها لم تَنعم من أيِّ جهة ومن أي شخص بالحماية من الجور والعسف، سواء من المسلمين أو المسيحيين.

الحقيقة أن بعض اليهود الأكثر مبادرة حصلوا بعد عام ١٨٧١م على الجنسية الإيطالية. ولكن لمَّا كانت إيطاليا قد تأخرت بشدة في الاتحاد كدولة، فإنَّ قدراتها الاقتصادية كانت أقل من المكانة المتينة والقديمة التي كانت تشغلها كل من إنجلترا وفرنسا.

لقد فضَّلت الغالبية العظمى من اليهود وَهْمَ النهضة وإصلاحات الدولة التركية على الحياة في دول مسيحية جديدة، سواء حصلت على استقلالها أو تسعى للحصول عليه في البلقان، وعلى الكفاح دون أمل. هكذا كان اليهود يتصوَّرون، من أجل الحصول على وطن قومي لهم في فلسطين. كان لخوف اليهود من أن تفقد تركيا في المستقبل القريب الأراضي الغربية في اليونان أو بلغاريا أثر كبير عليهم، ومِن ثمَّ فقد تناقصت أعدادهم فيها على نحو ملحوظ.

كان الخوف من إمكانية الملاحقة هو السبب وراء الهجرة الجماعية لليهود من الأراضي التي بدأ الباب العالي في فقدانها تدريجيًّا في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وفي سياق حروب البلقان على وجه الخصوص (١٩١٢-١٩١٣م). وقد رأى اليهود أن الولاء لتركيا الفتاة، التي وصلت إلى السلطة نتيجة لثورة ١٩٠٨م، بعد أن ظلَّت لمدة طويلة حركة سرِّية معارضة للنظام السلطاني، كان يُمثل بالنِّسبة لهم الدفاع الأفضل ضد العداء القومي من جانب الرعايا العثمانيين السابقين، المعادين تاريخيًّا للسامية. وخلافًا للمسيحيين، فإن اليهود العثمانيين لم تكن لديهم أية أهداف سياسية تتعارَض مع مصالح الأتراك، كما لم تكن لديهم أيضًا أية منظَّمات سياسية مُستقلة. وحتى عندما نجح الصهاينة في فتح «مكتب» خاص بهم في إسطنبول، لم يجدوا تأييدًا من أبناء عقيدتهم المحليين. وقد استطاع الصهاينة بصعوبة بالغة أن يَعثُروا على نائب يهودي وافق على عرض المذهب الصهيوني في البرلمان العثماني. هذا العضو هو الاشتراكي من سالونيك المدعو فلاخوف أفندي. وفي فلسطين ذاتها لم يجد الصهاينة في البداية سوى عدد قليل من المؤيِّدين لهم بين اليهود المحليين.

وبعد تبني تركيا الفتاة لدستور ١٩٠٨م نشرت بعض الصحف الصادرة بالفرنسية والإسبانية موادَّ عن الحركة الصهيونية وجرى إلقاء الضوء على أفكار تيودور هرتزل. على أنه وكما أفاد أ. جالانتي فقد استقبلها الجمهور دون اهتمام مُفترضين أن هذه الحركة لا مُستقبل لها في تركيا بسبب الموقف الصارم من الحكومة، التي كانت فلسطين تقع آنذاك تحت إدارتها. وقد حاول بعض قادة الجالية اليهودية، الذين كانوا في نزاع داخلي، استغلال الصهيونية ولكنَّهم لم يُحقِّقوا في ذلك نجاحًا يُذكر.٤٢

على وجه العموم، فقد كان اليهود فقط، خلافًا لجميع الأقليات القومية، هم أكثر المُتضامنين مع تركيا الفتاة على نحوٍ كبير ومُستمر. ومع ذلك، فعلى النقيض من آراء العديد من رجال السياسة اليهود في هذا العصر، وخاصة البريطانيِّين، الذين راحوا يُؤكِّدون أن ثورة تركيا الفتاة عام ١٩٠٨م تمَّ تنظيمها لصالح الأهداف الخاصة باليهود الماسونيِّين، وأن لجنة «الاتحاد والترقي» ما هي إلا ستار لإخفاء المصالح اليهودية الخالصة؛ فاليهود لم يشغلوا، لا في عام ١٩٠٨م ولا بعده، أيَّة مناصب بارزة في الحكومة الجديدة. لقد لعب اليهود العثمانيون دورًا ملحوظًا في حركة تركيا الفتاة، ولكنهم لم يكونوا مطلقًا ولم يستطيعوا، برغم رغبتهم الشديدة، أن يكونوا قوة قادرة على استغلال هذه الحركة لصالح أهدافهم. الأمر ببساطة أن مصالح عرقين مختلفين قد التقيا مؤقتًا. من المؤكد، مع ذلك، أن دعم اللجنة قد لبَّى مصالح الجاليات اليهودية. ورغم هذا فإنَّ أسطورة المؤامرة الماسونية التي كانت مصدر ثورة تركيا الفتاة ما تزال حية حتى يومنا هذا، وما يزال بعض المؤرخين الأتراك المعاصرين يُكرِّرونها، مثل البروفيسور حكمت تانيو.٤٣

أما اليهود الذين شغلوا، بدرجة أو بأخرى، مناصب مهمَّة في البرلمان وفي حكومة تركيا الفتاة، فكانوا يُؤيِّدونها بكل إخلاص، وهؤلاء كانوا يؤيدون داخل البرلمان السياسة العثمانية، التي كان يُعارضها بشدة النواب المسيحيُّون. وقد لعب إيمانويل كاراسو دورًا بارزًا في سياسة تركيا الفتاة قبل ثورة ١٩٠٨م وبعدها. كان كاراسو واحدًا من النواب الذين جاءوا إلى القصر للمطالبة بتنازل السلطان عبد الحميد عن العرش. وفي عام ١٩٠٨م دخل إلى البرلمان، نتيجة للانتخابات، أربعة يهود، بعدها دخله نائب خامس من اليمن. أما كاراسو، الذي اختير نائبًا عن سالونيك فكان مُحاميًا ذا خبرة، شارك في جلسات البرلمان التي عُقدت عامَي ١٩١٢م و١٩١٤م، وكان أكثر المتعاونين نشاطًا في حكومة الرجال الثلاثة لتركيا الفتاة مع طلعت، الذي دافع عن حقوق اليهود العثمانيِّين. وهاجر إيمانويل كاراسو إلى إيطاليا بعد هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى على يدِ دول الوفاق الثلاثي (بريطانيا، فرنسا، روسيا القيصرية) Entente.

في عام ١٩١٢م تمَّ اختيار فيتالي فرجي رئيسًا للجنة الميزانية في البرلمان، بينما تولَّى إيمانويل سالم المشاركة في إعداد مشروعات القوانين. أما النائب عن بغداد إيحيز يُقيل ساسون فكان عمله في البرلمان هو تولي مشكلات الزراعة والتجارة، نسيم روسو خدم في وزارة المالية، فيتالي سترومسا كان عضوًا في المجلس الأعلى للإصلاحات المالية، صمويل إسرائيل شغل منصب رئيس القسم السياسي لبوليس العاصمة، وقد أزيح عن منصبه فيما بعد إبان انقلاب يوليو ١٩١٢م، ومعه قادة تركيا الفتاة. أغلب هؤلاء السياسيِّين والموظَّفين كانوا قد تلقوا تعليمهم في مدارس الائتلاف اليهودي العام.

يتَّضح لنا، استنادًا إلى القائمة غير المُكتملة التي أوردناها عاليه، أنه بالمقارنة مع القرون الثلاثة الماضية التي عانت فيها الإمبراطورية من الركود فإن اليهود في السنوات الأخيرة للإمبراطورية قد انغمسوا في الحياة السياسية وتحسَّنت أحوالهم الاقتصادية. وبدأ التجار اليهود، الذين ظلُّوا زمنًا طويلًا يُعانون من الاضطهاد والمزاحمة على يد اليونانيين والأرمن، الذين كانوا يشغلون في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر المواقع الحاكمة في الاقتصاد العثماني، بدءوا في تحقيق المكاسب والأرباح بفضل النزاعات التي نشبت بين المسلمين والمسيحيين، والتي تلقَّى فيها الأتراك الهزيمة تلو الأخرى. وعلى غرار الدول الأوروبية، راح الأتراك يطبقون سياسة المقاطعة الاقتصادية باعتبارها سلاحًا فاعلًا في النضال السياسي. جرت أول مقاطعة في عام ١٩٠٨م وكانت موجهة ضد البضائع النمساوية. وفي عام ١٩٠٩م جرت مقاطعة دكاكين اليونانيين وتجارتهم نتيجة تفاقم الوضع في جزيرة كريت، التي حصلت في عام ١٨٩٧م على الحكم الذاتي بفضل الضغوط الشديدة التي مارستها الدول الأوروبية على الرغم من الانتصار العسكري الذي حققه الأتراك آنذاك. واستمر تمرد اليونانيين في الجزيرة حتى عام ١٩١٣م، عندما انضمت كريت إلى اليونان. وقد كتبت صحيفة The Orient الصادرة في إسطنبول عن مقاطعة البضائع اليونانية في مارس ١٩١٤م، وذكرت الصحيفة أنه في أثناء حروب البلقان وما بعدها امتدَّت المقاطعة لتشمل تجارة المسيحيين كلها، لكنها لم تتعرَّض مطلقًا لتجارة اليهود.٤٤

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading