مقالات نقدية

 قراءة في نزعة العزلة واللغة في قصيدة “كذئب منفرد” لمحمد بنطلحة:القراءة النقدية: عبد العزيز الخبشي- المغرب

 عنوان القصيدة: كذئب منفرد

أنا أيضاَ،  

                  سوف أقتدي بالتوراةِ  

              وأكتب عن موتي قبل حُدوثِه.  

                          انْتَظِروا موْتِي.  

                    انْتظِروا أن يَنشقُّ البحر،  

       فلا تظهر أيُّ جزيرة، ولا حتى أيُّ قافيةٍ.  

            ولكنْ، أسلاكٌ شائكةٌ بين المدِّ والجزرِ،  

                          في أقّلَّ من ثانيةٍ.  

                                مَهْما يكنْ:  

                          لن أموتَ وأنا نائمٌ.  

                         ولن أُخبِرَ أحدًا سوايَ.  

                                  أنا سوايَ.  

                               قبل أن أموتَ،  

       سوف اَهْدِم جميع البيوت، سوى بيتٍ واحدٍ:  

                                      لُغتِي.  

                                  منفردًا عشتُ.  

                                 ومنفرداَ أموتُ.  

                            بِلا مَزايا، وبلا نُعُوتٍ.  

                                أنا الذِّئْبُ الأخيرُ

الشاعر: محمد بنطلحة- المغرب

في هذه القصيدة الكثيفة، التي يتكئ فيها الشاعر محمد بنطلحة على اقتصاد لغوي صارم وعلى توتر وجودي حاد، تتجسد تجربة الشاعر في مواجهة الموت بوصفه حدثا شخصيا وكونيا في آن واحد، لا بوصفه نهاية بيولوجية بل باعتباره سؤالا عن معنى العيش، وعن ما يتبقى بعد انطفاء الجسد. يدخل محمد بنطلحة فضاء القصيدة ككائن لغوي متأهب، يقتدي بـ”التوراة” ليكتب عن موته قبل وقوعه، في استحضار يحيل إلى التقاليد النبوئية القديمة التي ترى في التدوين فعل تشريع وبعث، لا مجرد تسجيل أو نبوءة. ومنذ السطر الأول تتأسس المفارقة الجوهرية: الكتابة بوصفها سلطة على الموت، والموت بوصفه مادة للكتابة. يقول: «سَوْفَ أَقْتَدِي بِالتَّوْرَاةِ / وَأَكْتُبُ عَنْ مَوْتِي قَبْلَ حُدُوثِهِ»، وفي هذا الاقتداء يعلن الشاعر انحيازه لسلطة النص، لا لسلطة العالم، ولقدرة اللغة على احتواء الفناء.

يتشكل الخطاب هنا عبر ثنائية مركزية: الموت/اللغة، أو الفناء/البقاء، وهي ثنائية تستدعي البنية العميقة لكتابة محمد بنطلحة التي تشتغل على تحويل التجربة الفردية إلى رؤية أنطولوجية. هذا التوتر يتجلى في فعل الانتظار: «انْتَظِرُوا مَوْتِي». غير أن الانتظار لا يحمل دلالة التسليم، بل يتخذ شكل تحد وجودي؛ فالشاعر ينقلنا من انتظار الموت إلى انتظار شق البحر، في إحالة توراتية أخرى، لكنها هنا معكوسة: البحر ينشق دون أن يظهر شيء، لا جزيرة ولا قافية، ولا حتى خلاص رمزي. إنه انشقاق بلا معجزة، وعبور بلا يقين، وهو ما يجعل القصيدة تمارس نزعة تفكيكية مفادها إسقاط قداسة الأسطورة وخلخلة أدوارها التقليدية. فاللغة التوراتية تستدعى هنا لا لتأكيد المعنى بل لنقضه؛ كأن الشاعر يعيد كتابة الميثولوجيا من الداخل، لا ليبرر العالم بل ليعلن عريه.

وفي مقابل الانشقاق الذي لا يفضي إلى أي خلاص، تظهر «اَلْأَسْلَاكُ اَلشَّائِكَةِ بَيْنَ اَلْمَدَّ وَاَلْجَزْرِ». إنها صورة بليغة تسقط الزمن الطبيعي في فخ الصراع، وتجعل الحركة الكونية – المد والجزر – مشتبكة بالعنف والحدود. فالأسلاك الشائكة رمز للحصار، والمنع، والجرح، وهي هنا كناية عن الوجود الإنساني الذي يتحرك بين قوتين متناقضتين دون أن يعبر إلى أي منهما. يتحول البحر من فضاء للاتساع إلى مشهد منسوج بالمنع، في إيماءة واضحة إلى تجربة الإنسان المعاصر، المحاصر بين قوانين الواقع وحدود اللغة وقيود الزمن.

ويبلغ الشاعر ذروة الرفض حين يعلن: «لَنْ أَمُوتَ وَأَنَا نَائِمٌ». إنه إعلان إرادي، إرادة موت واع، أو إرادة عدم، لكنها في جوهرها إرادة كتابة. فالموت بالنسبة لمحمد بنطلحة ليس حدثا يفاجئ الجسد، بل فعلا يشارك الشاعر في تشكيله. إنه يقظة أبدية ضد كل ما هو اعتيادي، وضد موت يحدث بصمت. إن رفض الموت النائم يوازي رفض الحياة النائمة، أي رفض العيش بلا وعي، بلا عزلة، بلا لغة. في هذا السياق، يتحول «أَنَا سِوَايَ» إلى جملة تحمل شحنة فلسفية عميقة، إذ يعلن الشاعر تفوق الذات على نفسها، أو انقسامها إلى ذات كاتبة وذات مكتوبة، إلى ذات تعيش وذات تراقب، إلى أنا تتجاوز ما تعتقده عن نفسها. هذا الانشطار هو في ذاته تقنية شعرية تدعم بنية القصيدة الداخلية، وتعمّق سردية العزلة.

ويظهر البعد الرمزي في المقطع الذي يقول فيه: «قَبْلَ أَنْ أَمُوت، سَوْفَ أَهْدِّمُ جَمِيعَ اَلبُيُوتِ، سِوَى بَيْتٌ وَاحِدٌ: لُغَتِي». هنا تصبح اللغة البيت الأخير، البيت الذي لا يهدم، والذي لا يسكن بل يسكن الشاعر فيه. البيت صورة للحماية، والانتماء، والذاكرة، لكن الشاعر يقوض كل بيت سوى اللغة، معلنا انفصاله عن العالم المادي، وانحيازه لبيت لا جدران له. هذه المفارقة تكشف أن اللغة، في منظور محمد بنطلحة، ليست أداة تعبير بل كيانا وجوديا يحل محل الحياة نفسها. اللغة هنا ليست بيتا فقط، بل قبرا وميلادا وملجأ. وهي عودة إلى جوهر الشعر بوصفه ملاذا أخيرا في مواجهة الزمن.

أما إعلان الشاعر: «مُنْفَرِداً عِشْتُ. ومُنْفَرِداً أَمُوتُ» فهو تثبيت جمالي وفلسفي لفكرة العزلة، التي لا تظهر باعتبارها قدرا بل اختيارا. هذا الانفراد يلامس بعدا صوفيا، حيث الطريق إلى الحقيقة أو الخلاص لا يكون إلا بالمفارقة، وبخوض تجربة الروح في وحدتها المتعالية. ولكنه أيضا يتضمن نزعة وجودية تعلن تمرد الذات على كل أشكال الجماعة. إن الشاعر هنا لا يهرب من العالم، بل يواجهه من موقع المتفرج الحاد، وهو موقع شائع في شعر محمد بنطلحة الذي يقدّم ذاته دائما ككائن لغوي مطارد.

تتجلى في الختام قوة القصيدة في الصورة الأخيرة: «أَنَا الذِّئْبُ اَلْأَخِير». الذئب هنا رمز متعدد الدلالات: هو الكائن المنعزل، الشرس، الحارس، وهو أيضا رمز الشعراء الذين يختارون أن يمشوا وحدهم في البراري، لا يسايرون القطيع ولا ينخرطون في النظام. الذئب الأخير يعلن نهاية السلالة، نهاية الزمن الذي كانت فيه الشاعرية قادرة على مقاومة العالم. لكنه في الوقت نفسه يعلن استمرارية الحراسة، وكأن الشاعر يضع نفسه في زمن ما بعد الجميع، في زمن الخراب الذي لا ينجو منه سوى اللغة.

لقد استطاع محمد بنطلحة في هذه القصيدة القصيرة المكثفة أن يؤسس عالما شعريا مكتمل الملامح، رغم كثافة عباراته واقتصاده اللغوي. في الجوانب الفنية يتجلى الاشتغال على الإيقاع الداخلي، وعلى القفلات الحادة التي تمنح القصيدة توترا واضحا. وفي الجوانب الرمزية تتضافر الاستعارات التوراتية والبحرية والحيوانية لتشكيل بنية دلالية مركبة تجمع بين الأسطورة والوجود. أما على مستوى اللغة، فإن الشاعر يواصل تقليده في جعل الشعر مرآة وجودية، لا مجرد بناء بلاغي؛ وفي جعل الكلمة الأخيرة للغة، لا للموت.

إن قصيدة «كَذِئْبٍ مُنْفَرِدٍ» ليست مجرد تأمل في الفناء، بل هي كتابة ضد الفناء. هي نص يتكئ على هدم البيوت كي يبقى البيت الذي لا يسقط: بيت اللغة. ومن خلال هذا البيت الأخير ينحت الشاعر شكله الخاص للموت، لا كتوقف عن الحياة، بل كاستمرار لها داخل النص. بهذه الطريقة يتحول موت الشاعر إلى فعل كتابة، وتتحول الكتابة إلى بقاء، ويتحول الذئب الأخير إلى شاهد على حياة لا تنقرض، لأن لغتها لا تموت.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading