في مهب الحنين وبرد الغياب: قراءة في قصيدة للشاعر إدريس الواغيش✍️القراءة النقدية: عبد العزيز الخبشي- المغرب


يا نجوم السماء..
لا تنطفئي قبل أن ينام القمر
قبل أن تتزين الأرض بحبات المطر
قبل أن تفرح العصافير فوق الشجر
أتوسل إليك وإلى ضوئك
أن تنيري أركان هذا البيت
لأرى ملامح وجهي كاملا في اغترابي
قبل أن يختفي طيف صورتها
قبل أن تتشنج آلامي في مسارات دمي
قبل أن تتبخر أحلامي من مسام الجلد
وأبقى وحيدا عاريا بلا سماء.
من يدلني الآن على لون عينيها..؟
من يرسم لي صورتها تتراقص في مقلتي..؟
من يدلني، من بعدك، على طريقها،
وهي تتماوج أمام خطواتي؟
الأمكنة شاهدة على وصايا الأزمنة
الجدران، وإن تهدمت، تبقى آخر الشهود
وآخر من يحتفظ بصدى الكلمات،
برنين صوتها الخفيض
ورطوبة التربة تحت أقدامها،
وامتداد الألم في صدى الأنين.
حين يرمي النوم معطفه علي
أبحث عن ذراعها النحيل،
لأتكىء متعبا عليه
فلا أجد سوى صمتي
وصدى الكلمات يطوقني
وفي جوار البيت برد وليل حزين..!!
– الشاعر: إدريس الواغيش- المغرب.
تتبدى قصيدة إدريس الواغيش كصرخة مكتومة في برية الوجدان، حيث تتشابك ثنائية الحضور والغياب، والضوء والعتمة، والحلم والانطفاء. إنها نصّ يفيض بالانفعالات الحادة، تتجاذبه قوى فقدان الحبيب وانهيار المعنى، وتتشكل ملامحه في مرآة شعرية مشبعة بالحزن والتأمل والحنين المضني. تتوسل الذات الشاعرة النجوم ألا تنطفئ قبل أن تكتمل لحظة الحضور الرمزي، الذي لم يتحقق فعليا، ولكنه يظل معلقا في فضاء الانتظار والأمل الموؤود. القصيدة، على هذا النحو، تقدم نفسها كنص حدادي، تتنفس فيه اللغة تحت وطأة فقدٍ لا يُسمى ولكنه يُرى ويُستشعر من أول بيت حتى آخر تنهيدة شعرية.
تُفتتح القصيدة بنداء شاعري رقيق: “يا نجوم السماء”، في استحضار لمخاطب سماوي يتجاوز الحضور الأرضي، ويُكثف معاني الصفاء والتأمل والرغبة في الإضاءة والطمأنينة. النجوم هنا ليست فقط كيانات فلكية، بل رموز وجودية تتوسط بين السماء والروح، بين الواقع والغياب، بين الذاكرة والحنين. الشاعر لا يخاطب النجوم بوصفها زينة كونية، بل يتوسل إليها ككائنات حية، يمكنها أن تؤجل انطفاءها حتى تكتمل طقوس الحنين، وحتى يتمكن من التقاط آخر ما تبقى من أطياف الحبيبة، وآخر خيوط ذاته المتآكلة في ظل الاغتراب.
هذا الاغتراب يتخذ طابعا وجوديا، وليس فقط جغرافيا أو شعوريا. فالذات تعاني من انكسار مزدوج: غياب الحبيبة وضياع المعنى، ويتم التعبير عن هذا الانكسار عبر استعارات عضوية وصور حسية تشد القارئ إلى مكامن الألم الداخلي. نقرأ مثلا: “قبل أن تتشنج آلامي في مسارات دمي”، وهي صورة جسدية عن الألم الروحي، حيث يتجسد الوجع في حركة الدم وتشنجات الجسد، وكأن الفقد يتسلل إلى أدق تفاصيل الكيان البشري. ونقرأ أيضا: “قبل أن تتبخر أحلامي من مسام الجلد”، وهي استعارة بالغة الحسية، تربط الحلم بالجسد، وتجعله عرضة للتبخر والتلاشي، تماما كما يتبخر العرق من المسام في لحظة حر قاتلة. هنا، لا يكتب الشاعر عن الحب أو الغياب أو الذاكرة فقط، بل يكتب عن الانمحاء الكلي للذات في مجرى الزمن، عن الذوبان الصامت في الألم، عن الجفاف العاطفي الذي يعقبه صقيع روحي قاتل.
في البنية الداخلية للقصيدة، نجد توترا بين الرغبة في الاستذكار والخشية من النسيان، بين التشبث بصورة الحبيبة ومحاولة تقبّل فقدانها، أو على الأقل استيعابه. من هنا تأتي الأسئلة الاستفهامية المتكررة كضرب من العجز، لكنها أيضا مقاومة شعرية ضد الاختفاء، ضد محو الصورة والأثر: “من يدلني الآن على لون عينيها..؟ من يرسم لي صورتها تتراقص في مقلتي..؟” هذه الأسئلة تنتمي إلى شعرية التيه، إلى بوصلة الروح التي فقدت وجهتها بعد أن غادر الحبيب أو غادرت الحبيبة. الذات هنا لا تبحث عن الجسد، بل عن الطيف، عن العينين لا عن النظرة، عن الصورة لا عن الحضور، وهو ما يجعل القصيدة تشتغل داخل الحقل الرمزي أكثر من الواقعي، حيث يصبح الوجه تمثيلا للحضور الكلي، والعين مرآة الغياب.
ولا تقف اللغة هنا عند حدود الوصف أو البوح، بل تمتد لتشكل نسيجا رمزيا يكشف عن خصوبة المخيلة الشعرية. فالجدران، رغم تهدمها، تتحول إلى “آخر الشهود”، وهو ما يمنحها وظيفة سردية وذاكراتية، كأنها تكتب التاريخ الخفي الذي لا تدونه الكتب. وحتى التراب يحتفظ بـ”رطوبة التربة تحت أقدامها”، في استعارة تسحب الحبيبة من اللامرئي لتعيد تشكيلها في عناصر الطبيعة، وتجعل من الأرض شاهدة على الحب، تماما كما النجوم كانت شاهدة عليه في السماء. وبهذا، ينجح النص في خلق تماثل حسي بين الحبيبة والطبيعة، بين الذات والكون، حيث تصبح كل تفاصيل المكان بمثابة أثر من آثارها، وكل تجليات الكون صدى من صدى حضورها الباهت.
وفي هذا السياق، يمكن الاستفادة من مناهج النقد الأدبي المعاصر، وتحديدا المنهج التأويلي والتفكيكي والسيميائي، لفهم عمق هذه الكتابة. من جهة، تكشف المقاربة التأويلية عن اشتغال الذات على مبدأ استحضار الغائب من خلال اللغة. فالقصيدة لا تسعى إلى قول الغياب بشكل مباشر، بل إلى تجسيده عبر إشارات وصور وتوسلات تفيض بالدلالات. ومن جهة أخرى، يفتح المنهج التفكيكي الباب أمام مساءلة البنية الثنائية للقصيدة: النور/العتمة، الحضور/الغياب، البيت/اللابيت، الدفء/البرودة، ليتبين أن كل قطب لا يكتمل إلا بنقيضه، وأن معنى الحبيبة يتشكل في ظل غيابها أكثر من حضورها، وأن صمت الذات أبلغ من نطقها، كما أن المعطف الذي يرميه النوم على الشاعر لا يدفئه بقدر ما يضاعف شعوره بالبرد الداخلي.
أما من الناحية السيميائية، فإن الفضاء في القصيدة يحتل موقعا مركزيا. ليس فقط بوصفه إطارا للمشهد الشعري، بل كمجال دلالي فاعل في تشكيل المعنى. فالبيت ليس مكانا للإقامة، بل موضع للحنين، ملاذ رمزي تتجلى فيه العزلة والبرد والحزن. والليل ليس زمنا فحسب، بل حالة شعورية تضغط على الذات وتجعلها أكثر انكشافا على هشاشتها. والمعطف الذي يُلقى عليه لا يرمز إلى الدفء بقدر ما يشي بمفارقة عميقة: فحتى النوم، الذي كان يمكن أن يكون لحظة راحة، يصبح قناعا جديدا للعجز، حيث لا يجد الشاعر “سوى صمته”، في مشهد بارد وموجع يطوقه صدى الكلمات.
القصيدة أيضا تتمتع بجمالية إيقاعية داخلية هادئة، تسير على مهل، بدون وزن أو قافية صارخة، لكنها تعتمد على تكرار الأفعال (قبل أن، من يدلني، من يرسم، من…) وعلى جرس صوتي خفيض يناسب حال البوح والتوسل والانكسار. إنّها قصيدة الهمس والأنين، لا الصراخ ولا الخطابة، حيث تتماهى اللغة مع الحالة الشعورية، وتنفتح على مساحة شاسعة من التأمل الداخلي.
بذلك، نجد أن إدريس الواغيش في هذه القصيدة لا يكتب عن الحب بمعناه العاطفي السطحي، بل عن الحب بوصفه تجربة وجودية قصوى، تقف على تخوم الجنون والعدم. قصيدة تقاوم النسيان بالشعر، وتقاوم الغياب بالكلمات، وتقاوم الانطفاء بطلب النور من نجومٍ تشبه شهقة في صدر الغياب. قصيدة تستدعي الحبيبة لتقاوم العدم، وتستدعي الضوء لتقاوم عتمة الذاكرة، وتستدعي المعطف لتدفن فيه برد الحنين.
إنها قصيدة الوداع غير المنطوق، حيث لا نجد تصريحا بالفقد، ولا بكاء مباشرا، ولكن كل بيت فيها يمشي في جنازة الحضور المنطفئ، وكل كلمة فيها شمعة صغيرة توقدها الذات الشاعرة على طريق الغياب. نص مكتمل من حيث البناء الشعري، وعميق من حيث الدلالة، وموجع من حيث أثره في المتلقي. إنه مثال دال على شعرية الحزن النبيل، الذي لا يتوسل العواطف الرخيصة، بل يستنطق الرماد، ويصوغ من شظاياه صورة الحبيبة وهي تتماوج في خطوات الغياب.





