ظلال القاعة السادسة – عبد العزيز الخبشي- المغرب

حين وصل إلى بوابة كلية الحقوق، لم يشعر أنه يدخل مكانا، بل زمنا. كانت البوابة كما تركها، لكن شيئا ما في الهواء بدا أكثر كثافة، كأن السنوات التي عبرته من قبل عادت تنتظره عند العتبة. توقف لحظة، لا ليلتقط أنفاسه، بل ليستعيد وجها قديما كان يعرفه جيدا، وجها يشبهه قبل أن تجرحه التجارب، وقبل أن تتثاقل روحه بما يكفي ليصير صوته أهدأ من اللازم.
جاء بدعوة من صديق قديم، ليحضر لقاء تفاعليا مع طلبة الكلية. كان الحدث في ظاهره عاديا، لقاء جامعيا كغيره، لكنه كان يعلم في أعماقه أنه لا يعود لحضور لقاء، بل ليصافح نفسه الأولى، تلك التي تركها هنا منذ زمن طويل، حين كان المستقبل مجرد احتمال مفتوح، وحين كانت الأحلام أكبر من قدرته على احتمالها.
عندما وطئت قدماه الساحة، أحاطه شعور غامض بالإنكشاف، كأن الجدران التي عرفته ذات يوم بدأت تستعيد ذاكرتها فجأة. كان الطلبة يتحركون بسرعة، يحملون حقائبهم وأحلامهم المتشابهة، لكنه كان يرى ما لا يرى: أشباحهم القديمة تمشي بينهم، تضحك بصوت مرتفع، تتجادل، تتوهم أنها تصنع التاريخ في استراحات قصيرة بين محاضرتين.
لم تمض دقائق حتى لمحه أحد الموظفين القدامى. توقف، حدق قليلا، ثم انفرج وجهه عن ابتسامة واسعة. اقترب نحوه كما لو أنه يعانق زمنا لا شخصا. لم يقل الكثير، لم يكونا بحاجة الى الكلمات. في عينيه قرأ ما يكفي: دهشة من عودة غير متوقعة، وفخر صغير، وحنين كثيف يشبه المطر الخفيف في أواخر الخريف.
توالى اللقاء. ثلاثة وجوه من الماضي ظهرت تباعا، موظفون كانوا شهودا على سنواته الأولى هنا، حين كان يتعلم كيف يكون أكثر من طالب. استقبلوه بحرارة بدت أكبر من اللحظة، كأنها مدخرة منذ زمن. كانوا يذكرونه بأسماء كان يظن أنها سقطت من ذاكرته، يستعيدون مواقف كان يعتقد أنه وحده من احتفظ بها. في نظراتهم رأى نفسه كما كان: شابا يركض خلف أفكار كبيرة، يؤمن أن العالم قابل للإصلاح إذا ما أصر بما يكفي.
قال أحدهم وهو يربت على كتفه:
– “كنت لا تهدأ”.
ابتسم. لم يجادل. ربما كان محقا. كان يعيش آنذاك على حافة الحلم، لا يخاف من الاصطدام، ولا يتردد في دفع الأبواب الثقيلة بيديه العاريتين.
وسط ذلك الامتداد العاطفي، ظهرت زميلة قديمة، لم تتغير كثيرا، أو ربما كان هو من لم يتغير في عينيها. تبادلا تحية خجولة، ثم انفجرا في ضحكة قصيرة كسرت المسافة التي راكمتها السنوات. قالت وهي تنظر إليه بنبرة مزيج من المزاح والصدق:
– “تتذكر؟ قلت لك يوما انني ساراك في التلفاز”.
أومأ. كان يتذكر. لم يكن يصدقها حينها. لم يكن يصدق أن الزمن يمكن أن يتحول إلى دليل حي على نبوءة عابرة قيلت في ممر ضيق.
تلك العبارة القديمة عادت إليه الآن بثقل مختلف. لم تكن نبوءة عن الشهرة، بل عن الاستمرار. عن ذلك الخيط الخفي الذي يربط النسخة الأولى منه بما يصير إليه لاحقا. فجأة شعر أن الحياة ليست سوى سلسلة من الوعود التي يقطعها دون وعي، ثم يقضي عمره يحاول أن يفي بها.
بعد اللقاء الرسمي، وجد نفسه يمشي وحده في أروقة الكلية. لم يخطط لذلك، لكن قدميه كانتا تعرفان الطريق. كان يتحرك ببطء، كمن يخشى أن يوقظ شيئا نائما. وحين وصل إلى باب القاعة السادسة، توقف.
كان الباب مغلقا، لكن الذاكرة فتحته على مصراعيه.
هناك، بالضبط، دارت أول مواجهة فكرية حقيقية في حياته. حوار طلابي بين تيارين كانا يبدوان متناقضين حد العداء. يتذكر وجوههم المتوترة، أصواتهم المرتفعة، قلوبهم التي كانت تخفق كطبول حرب صغيرة. كانوا يظنون أنهم يحسمون مصير العالم داخل جدران ضيقة، وأن كل كلمة يطلقونها ستغير شيئا ما في مجرى التاريخ.
ابتسم وهو يستعيد المشهد. كم كانوا صادقين في أوهامهم. وكم كانت تلك الأوهام ضرورية كي يصير ما صار إليه الان.
من القاعة، سحبته الذاكرة إلى الساحة. ساحة الحلقيات. المكان الذي كان يشبه مسرحا مفتوحا للمعارك الرمزية. هناك تعلم كيف تتحول الكلمات إلى سلاح، وكيف يمكن لفكرة واحدة أن تشعل حشدا أو تهدئه. رأى نفسه واقفا وسط دائرة من الطلبة، يرفع صوته أكثر مما ينبغي، يجادل، يلح، يؤمن أن الإقناع معركة تستحق أن تخاض حتى النهاية.
في زاوية من الساحة، رأى ظله القديم ينظم أول أسبوع ثقافي لفصيل يساري. كان المشهد حيا في رأسه: ملصقات تعلق على عجل، نقاشات لا تنتهي، خوف صغير من أن ينسف كل شيء في لحظة. لكنهم نجوا. لا لأنهم كانوا أقوى، بل لأنهم كانوا يؤمنون أكثر. الإيمان، كما أدرك لاحقا، كان دائما عملتهم السرية.
تابع سيره حتى وصل إلى المكتبة. بدت أوسع، أهدأ، أكثر ضوءا. دخلها بخطوات حذرة، كمن يزور بيتا قديما بعد سنوات من الغياب. تغير الأثاث، تغيرت الرفوف، لكن الرائحة بقيت كما هي: مزيج من الورق والغبار والأمل.
جلس لحظة على أحد المقاعد، واغمض عينيه. سمع همس الصفحات القديمة، رأى نفسه شابا يقرأ بنهم، يلتهم الكتب كما لو أنه يخشى أن يسبقه الزمن. كان يظن أن المعرفة درع، وأن من يعرف أكثر يهزم أقل. لم يكن مخطئا تماما، لكنه لم يكن مصيبا تماما أيضا. الحياة، كما تعلم لاحقا، لا تهزم بالمعرفة وحدها.
خرج من المكتبة وهو يشعر أنه أخف قليلا، كأنه استعاد جزءا ضائعا منه. في الخارج، كان النهار يميل ببطء نحو المساء، والضوء ينسحب من الساحة كما تنسحب فكرة من رأس متعب.
التقى بصديقه الذي دعاه إلى هذا اليوم. كان ينتظره بابتسامة هادئة، تلك الابتسامة التي لا تحتاج الى تفسير. تحدثا قليلا عن اللقاء، عن الطلبة، عن الجامعة التي تحاول أن تظل يقظة وسط عالم يتقن النعاس. كان صوته يحمل امتنانا خفيا للمكان، كان بينه وبين هذه الجدران عهدا لا يرى.
شعر برغبة عميقة في شكره، لا على الدعوة فقط، بل على أنه أعاده إلى نفسه. بعض الناس، يدرك متاخرا، لا يمنحونه وقتا أو فرصة، بل يعيدون ترتيب علاقته بذاته.
وقبل أن يغادر، التفت خلفه مرة أخيرة. كانت الكلية تقف هناك، صامتة، مكتفية بذاتها، كأنها تعرف أن من يغادرها لا يغادرها حقا. أدرك في تلك اللحظة أن الأمكنة التي صنعته لا تتحول إلى ماض، بل الى طبقات خفية تسكنه دون أن يراها.
غادر البوابة ببطء. لم يشعر بالحزن، ولا بالفرح. شعر بشيء يشبه المصالحة. مصالحة مع ذلك الشاب الذي كان يظن أن العالم ينتظر صوته، ومع هذا الرجل الذي تعلم أن العالم لا ينتظر أحدا، لكنه يفسح مكانا لمن يصر على الحضور.
وفي الطريق، خطر له أن الزمن ليس نهرا يجرفه كما يظن، بل مرآة واسعة. كلما ابتعد عنها، عادت لتضعه أمام وجهه الأول، لا لتسخر منه، بل لتذكره أنه، رغم كل شيء، لم يبتعد كثيرا.
كان ذلك اليوم أشبه برسالة وصلت متأخرة. رسالة تقول أن الحياة، مهما ابتعدت به، تعيده دائما إلى نقطة البدء، لا ليبدأ من جديد، بل ليعرف كم قطع من الطريق، وكم بقي في داخله من ذلك الضوء الأول.





