القصة القصيرة

الكرسي رقم 4 – عبد العزيز الخبشي – المغرب

صورة لرجل يرتدي بدلة رسمية وقميص أزرق، مع نظارات وقصة شعر قصيرة وشعر أبيض. يبدو جاداً وهو ينظر إلى الكاميرا.

كان راضي يفتح الحانة كل مساء كما لو أنه يفتح قاعة للغفران.

ليس للحانة اسمٌ على الواجهة، فقط بابٌ خشبي ثقيل ورائحةٌ عتيقة تختلط فيها الخمر بأنفاسٍ من زمن مضى.

يُفتح الباب على مصراعيه، فيدخل صمت طويل كأن المدينة تلفظ أنفاسها الأخيرة عند العتبة.

لا زبائن أوفياء إلا العتمة، ولا وجوه مألوفة سوى الوجع.

يمسح الطاولة الطويلة بتؤدة، يرتب الكؤوس كما يرتب راهب شموع مذبحه، يضبط كل تفصيلة كأنها طقس لا يجوز الإخلال به. ثم يثبت عينيه على الكرسي رقم 4 — زاوية قصية من الخشب المهترئ، مائلة قليلًا، لا تليق بأحد، ومع ذلك كانت محفوظة كوصية.

مرت السنوات، وتغير الزبائن، وتبدلت أذواقهم ومواعيدهم، لكن الكرسي ظل ثابتًا.

كأنما المكان كله يدور حوله.

كأن أرواحًا مرت من هناك ذات شتاء ولم تعد.

دخل شاب بلحية خفيفة. طلب كأسًا من الجعة، جلس صامتًا أمام المرآة ثم غادر دون أن يلتفت إلى الزاوية.

لكن راضي، في حركة تلقائية، سكب النبيذ الأحمر ووضعه أمام الكرسي الخاوي. مسح يديه في مئزره، وتمتم كمن يخاطب شبحًا يعرفه:

“لقد تأخر الليلة…”

في الساعة التاسعة وسبع دقائق، دخل حسام.

نحيف، كتفاه محنيتان كأنهما يحملان أزمنة مهزومة. قبعته السوداء مبتلّة، ويداه ترتجفان برتابة مألوفة.

لم ينظر إلى أحد.

اقترب من الكرسي رقم 4 كما لو أنه يعود إلى قبر قديم يعرفه، وجلس بصمت.

راضي لم ينتظر الطلب. سكب له كأس النبيذ ووضعه أمامه دون أن ينبس بكلمة.

قال حسام بصوت خافت:

“أما زال النبيذ يتذكرني؟”

أجابه راضي وهو يمسح الطاولة:

“حتى الخشب لم ينس حرارة جسدك.”

ساد صمت ثقيل.

كان هناك شيء في جسد حسام مختلف ذلك المساء. يداه ترتعشان أكثر، وعيناه تسبحان في اللاشيء، كما لو أنه يبحث عن خريطةٍ للخلاص داخل الفراغ.

لكنه لم يلمس الكأس.

تردد راضي، ثم قال بصوت أقرب إلى الرجاء:

“ما الذي تراودني عنه كل ليلة، يا حسام؟

في كل مرة تمد يدك وتقول: ’شيء بسيط’.

ما هو هذا الشيء؟”

لم يجب.

تأمل النبيذ ببطء، كمن يرى فيه ماضيه المختمر.

ثم أخرج من جيب معطفه ورقة مطوية، صفراء الحواف، مفرودة الزوايا، ووضعها على الطاولة.

قرأ راضي بصمت:

“أنا الذي ظننتُ أنني أملك الحياة في يدي.

أخطأت جرعة.

مات مريض.

هربتُ من الردهات البيضاء،

وصرتُ أراود النسيان كأسًا بكأس.”

رفع راضي بصره إليه، فالتقت عيناهما في صمت طويل، حزين.

“كنتَ طبيبًا؟”

أومأ حسام برأسه:

“كنتُ طبيبًا، وزوجًا، وأبًا…

ثم صرتَ أنت الوحيد الذي يعرف اسمي.”

لم تكن اعترافاته تفتقر للدراما، لكنها خرجت كأنها نتائج تحليل مختبري: باردة، دقيقة، نهائية.

في داخله، شعر راضي بشيء يتحرك.

حادث سيارة قبل سنوات…

طفل لا يتجاوز الثالثة…

صرخة امرأة…

ثم صمت طويل ظل يسكنه.

قال له:

“وماذا تريد الليلة؟”

“شيء بسيط… كأس من الماء الدافئ، كأنني في بيتٍ لا يسألني من أكون.”

نهض راضي ببطء، كأن ثقلًا عالقًا في ظهره.

ذهب إلى المطبخ، غلّى ماءً قليلاً، وضعه في كأس نظيف، وجاء به بيدٍ مرتجفة.

وضعه أمام حسام قائلاً:

“اشربه… ليس من أجلي، بل من أجلك.”

شربه حسام ببطء.

ابتسم وهو يقول:

“أشعر أنني ولدتُ من جديد… ولو لساعة.”

ثم نهض.

لم يودّع، ولم ينظر خلفه.

رحل كما جاء: ظلٌ في جسد رجل.

في اليوم التالي، لم يأتِ.

ولا في اليوم الذي بعده.

بدأ الغبار يزحف على الكرسي، والرطوبة تأكل أطرافه، لكن راضي ظلّ يمسحه كل مساء كما لو أنه سيعود في أية لحظة.

كان الكرسي قد أصبح طقسًا يوميًا، كأن فيه حياة يجب الحفاظ عليها.

بعد أسبوع، دخل شاب بملامح تشبهه.

اقترب من الطاولة رقم 4، وجلس بخفة تليق بحامل سر.

قال:

“هل أنت راضي؟”

أومأ النادل بصمت.

أخرج الشاب من جيبه صورة قديمة.

فيها رجل يرتدي معطفًا أبيض، يبتسم ابتسامة ناصعة.

“كان أبي… توفي قبل أيام في مأوى للمشردين.

قالوا إنه ترك ورقة كتب فيها: ’في الدلفين الأزرق… تركتُ الكأس الأخيرة للماء.’”

ابتسم راضي بحزنٍ ثقيل.

“قال لي ذات مساء إنه لم يشأ أن يرثيه أحد… فقط أراد أن يُرى.

وقد رأيته، ابنك.”

نهض، سكب كأسًا من الماء الدافئ، ووضعه أمام الشاب.

“اشربها… باسم من رحل ليتركنا نتذكر أننا بشر.”

منذ ذلك اليوم، بقي الكرسي رقم 4 خاليًا.

لم يجرؤ أحد على الجلوس عليه، كأن غياب حسام كان أثقل من حضوره.

وكل مساء، كان راضي يسكب كأسًا من الماء، يضعه في الزاوية، ثم يهمس:

“لمن يطلب شيئًا بسيطًا… أن يُغفر له.”

– الدار البيضاء ٣ أبريل ٢٠١٩.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading