ستذكرني إيموزار …إن شاءت للشاعر عبد الله عرفاوي- المغرب -القراءة النقدية: عبد العزيز الخبشي- المغرب


تبا …له لفوضاه
هل ستسخر مني؟
تهزأ مني ولها ؟
يرش جنباته بالرياحين
ليعتصر كما الرحيق
آهات ينسجها سبكا
رداء… للعاشقين
رقراقا يلتمع في البريق
كان يعلم العابقين لغة الورد
يمد خريدات النساء كعكا
ينثرهن عطرا
يرشفهن حبرا
وما بالحب انتشأ
ستعانقني إيموزار …إن شاءت
كان يتعشق غض البروق
يتوارى مرصعا بالنسيم
أم ستقول كان يتشرب دمعا
يخاتل الأعشاب
يندلق… نبعا
عند نيران شهيقه
وما بالنهر امتلأ
ستحضنني إيموزار إن شاءت
كان يستوسد شعرا
يتزيى حلمه وترا
مهرجا يرتل نشيد الخريفقطوف اكوامارين
ندى قصيدته
في زحمة الأصوات
عند تخوم النزيف
ينام غفلة من عينيه
يتأبط أتعابه/اشتعاله
في أماسي الظمأ
ستواسيني إيموزار …إن شاءت
كان يعاقر لوعتي
يرتق شحوبه خافتايسامار إيليت مانتيشيا
يتمحرب في العلياء
موشى في خضرته
صريع الخطوات
مسجى في نبره
ندي….. العبرات
ينشطر مزق مساءات
أرجوانية ….ترفل في سندسها
ما تردد ..ما انكفأ
ستقبلني إيموزار إن شاءت
كان يمشط شعري
يسرح ظفيرتي
معتقا كما… خمرتهالمركبات والجيوب المطلوبة
مموسقا كما… قيثارته
يحبرها شرر
لواعج حلمه المزدهى .
يقامر..في نرد لغزه
كما الريح كان شفيفا
بعذرية الجنين
كما الريش كان عفيفا
في متاهات الأنين
قبسا ..دافقا وانطفأ
سترجعني إيموزار …إن شاءت
كان يلمع حذاءه
وقارا لوطأ الرصيف
يتنصت ثبات خطوهوصوت الهمس.
يخجل من ظله
ريثما يتبدد شعاعا
يتنفس من صمته
لتحتشد معانيه
عزفا يراعا
سقيا له…. ما انكفأ
ستخلدني… إيموزار إن شاءت
كان يئن لرجفتي
كان يحن لهمستي
يهدهدني عند هدأة الفجر
ألاطفه… يلاطفني
أغازله… يغازلني
ينحت آثار غربتهنسيمة جرفا
يتنصت وحوحات شرايينه
وجعا نازفا
يورق في.. الظمأ
سترددني إيموزار إن شاءت
كان يخضبني سمط نجوم
تدلت أفقا أبيض
فيطل رسيما نرجسا
في قيظ تباريحي .
كان يبادلني انسكابهشرف عدم الوجود
فأتقمصه في آهاته
موسيقى يدوزنها
عفو تحاسيره
هو سفر تكوينه
سحر مواله.. والنبأ
ستلملمني إيموزار إن شاءت
كان فتى يتعهدني
لحنا غسقيا
يسليني بنبر لذاتهحبقوق والهندباء.
يناولني أشطان نجاتي
يسامرني ..يناجينيثائرة.. أنا غفار.
تغرب في بلدته.
يقاسمني تقاطيعه
تربا….. للمدى
يتلو زابوره
في الزمان الخطأ
حين نلج عتبة قصيدة عبد الله عرفاوي “سَتُذَكِرُنِي إِيمُوزَارُ إِنْ شَاءَتْ” نجد أنفسنا أمام نص شعري لا يكتفي بالتغني بالمكان أو استحضار الذكريات الماضية، بل يتجاوز ذلك ليصوغ علاقة مركبة بين الذات والمكان، بين الحاضر والماضي، بين ما كان وما يمكن أن يكون، ليصبح النص فضاءً يلتقي فيه الشعر والفلسفة والرمز والتجربة الإنسانية في كثافتها. القصيدة تبدو في ظاهرها اعترافاً شخصياً حميماً، لكنها في عمقها استقصاء وجودي وفني لمعنى الذاكرة والحنين والانتماء.
المكان في هذه القصيدة ليس مجرد إطار خارجي أو مشهد طبيعي محايد، بل هو شخصية حية، أنثى مراوغة، حبيبة غامضة، أمٌّ راعية، ووطن مختزل في مدينة صغيرة تدعى إيموزار كندر. ومنذ البيت الأول، يصوغ الشاعر علاقة ذات طابع ملتبس: “ستذكرني إيموزار… إن شاءت”. صيغة شرطية تجعل فعل التذكر معلقاً على إرادة المكان، وكأن الذات لا تملك يقيناً بخلودها في ذاكرة مدينتها. هنا يطرح الشاعر سؤالاً أنطولوجياً: هل وجودنا مرهون بأن يُذكرنا الآخر؟ وهل الذاكرة الفردية يمكن أن تحيا دون ذاكرة جماعية تتبناها؟
هذا المنطلق يعيدنا إلى ما كتبه بول ريكور في كتابه “الذاكرة، التاريخ، النسيان”، حيث يرى أن الذاكرة ليست ملكاً خالصاً للفرد، بل هي نتاج علاقة بين الفرد والجماعة، بين الذات والآخر. في ضوء هذا التصور، يمكن القول إن عرفاوي يضع ذاته أمام امتحان مزدوج: من جهة، امتحان شخصي يتعلق بالاعتراف الفردي، ومن جهة ثانية امتحان جماعي يتعلق باعتراف المكان والمدينة. “إيموزار” ليست فقط مكاناً للحنين، بل أيضاً مرجعاً للهوية، ومرآة تعكس وجود الشاعر أو تغيب صورته.
البنية الإيقاعية للنص تعتمد على التكرار الطقوسي للفعل “ستفعل”: ستذكرني، ستعانقني، ستحضنني، ستواسيني، ستقبلني، ستخلدني، سترددني، ستلملمني. هذا التكرار ليس مجرد لازمة موسيقية، بل هو تقنية شعرية تؤكد من جهة إصرار الذات على الانتماء، ومن جهة أخرى تكشف قلقها من الخذلان. التكرار يعكس جدلية الرجاء واليأس، ويحول النص إلى ما يشبه تراتيل صوفية يتردد فيها الدعاء والانتظار. في هذا السياق، يحضرنا ما كتبه أدونيس في تنظيره للشعر الحديث، حين اعتبر أن القصيدة الحديثة هي بحث دائم عن “المطلق المفقود”، عن شيء يتجاوز اللحظة ويمنح المعنى. عرفاوي هنا لا يبحث عن مدينة كجغرافيا، بل عن معنى أعمق يتجسد في مشيئة المدينة وذاكرتها.
على المستوى اللغوي، القصيدة مشبعة بمعجم الطبيعة: الرياحين، الرحيق، الورد، البروق، النسيم، الأعشاب، النهر، الزبرجد، الخريف، الندى، النجوم. هذا المعجم يعكس انغراس النص في جمالية رومانسية وصوفية، حيث تتحول الطبيعة إلى لغة ثانية للبوح. فالطبيعة ليست مجرد وصف خارجي بل استعارة للذات في حالاتها المختلفة: النسيم للخفاء، البروق للتوتر، النهر للانسياب، النجوم للأمل. وهنا يحضرنا غاستون باشلار في “جمالية المكان”، إذ يعتبر أن علاقة الإنسان بالمكان هي علاقة حميمية تتجاوز الجغرافيا إلى الذاكرة والخيال. المكان الطبيعي عند باشلار يثير فينا صوراً أولية مرتبطة بالبيت والطفولة والملجأ. وفي نص عرفاوي، إيموزار تلعب هذا الدور: ملجأ الطفولة، مرآة الهوية، رفيقة الاغتراب.
لكن النص لا يقتصر على المعجم الطبيعي، بل يزاوج بين الحقول الثقافية والدينية والفنية: “نشيد الخريف”، “قيثارته”، “زابوره”، “موسيقاه”، “نرد لغزه”. هذه الإحالات الثقافية تعطي للقصيدة طابعاً كوسمولوجياً، حيث يتحول المكان إلى نقطة التقاء بين المقدس والدنيوي، بين الطقسي واليومي. “زابوره” مثلاً يحيل على النصوص المقدسة، و”قيثارته” على الموسيقى بوصفها لغة كونية، و”نرد لغزه” على لعبة القدر. وهكذا يصبح النص ملتقى بين الذاكرة الفردية والذاكرة الثقافية.
من الناحية الرمزية، إيموزار تتجاوز كونها مدينة في الأطلس المتوسط، لتصبح رمزاً متعدد الأوجه: فهي الأم التي تحضن وتواسي، الحبيبة التي تعانق أو تخذل، والوطن الذي يذكر أو ينسى. هذه التعددية الرمزية تجعل النص مفتوحاً على قراءات مختلفة. يمكن أن نقرأه كقصيدة حنين إلى الطفولة، أو كقصيدة حب لمكان/امرأة، أو كقصيدة فلسفية تتساءل عن معنى الوجود والذاكرة. كل قراءة تكشف طبقة من المعنى، وهذا ما يمنح النص كثافته وثراءه.
القصيدة أيضاً مشبعة بالبعدين النفسي والوجودي. من خلال صور مثل: “يتشرب دمعاً”، “يندلق نبعا”، “عند نيران شهيقه”، “صريع الخطوات”، “ندي العبرات”، “مزق مساءات أرجوانية”، ندرك أن النص يترجم حالة نفسية مثقلة بالفقد والاغتراب. لكن في مقابل هذا، نجد صور النور والبريق: “يلتمع في البريق”، “قطوف زبرجد”، “نجوم تدلت أفقاً أبيض”. التوتر بين صور الألم وصور النور يعكس صراع الذات بين اليأس والأمل، بين الموت والحياة. إنه صراع أنطولوجي يتردد صداه في كل مقطع من القصيدة.
وإذا حاولنا تتبع البنية الدرامية للنص، سنجد أن القصيدة مبنية على حوار ضمني بين الذات وإيموزار. الشاعر يخاطبها، يتساءل: هل ستسخر مني؟ هل ستواسيني؟ هل ستخلدني؟ المكان هنا ليس صامتاً، بل حاضر بصمته وغيابه. النص كله مسرح مواجهة بين الشاعر ومدينة جعلها كائناً أنثوياً غامضاً. في هذا البعد، يمكن القول إن القصيدة تقترب من المسرح الشعري، حيث يتقاطع الغنائي بالدرامي، ويصبح الحوار الداخلي وسيلة للتعبير عن قلق الذات.
من الجانب الثقافي، لا يمكن فصل النص عن جذور إيموزار كندر، المدينة الأطلسية التي عرفت بثرائها الطبيعي والثقافي، وبكونها فضاءً أمازيغياً عربياً متداخل الهوية. الشاعر يستحضر هذا البعد بشكل ضمني عبر توظيف معجم الطبيعة والثقافة الشعبية والدينية. إيموزار في النص ليست مدينة معزولة، بل هي اختزال لذاكرة جماعية. ومن هنا، تصبح القصيدة أيضاً خطاباً ثقافياً عن الانتماء والهوية.
أما من الناحية الفلسفية، فالقصيدة مشبعة بهاجس الزمن والمصير. التكرار المستقبلي “ستفعل… إن شاءت” يشي بأن كل شيء معلق على زمن لم يأت بعد، وعلى مشيئة غامضة قد تتحقق أو لا. الذات لا تملك اليقين، بل تنتظر. الانتظار هنا ليس انتظاراً عادياً، بل انتظار أنطولوجي يشبه ما تحدث عنه مارتن هايدغر في “الوجود والزمان”، حيث يكون الإنسان “كائناً نحو الموت”، أي معلقاً دائماً بين ما كان وما لن يكون. القصيدة بهذا المعنى نص وجودي، يستقصي معنى أن نكون عبر ذاكرة الآخر/المكان.
القيمة الفنية للنص تتجلى في قدرته على تحويل الخاص إلى كوني. عرفاوي يكتب عن بلدته الصغيرة، لكنه في الحقيقة يكتب عن علاقة كل إنسان بمكانه الأول، عن قلق الانتماء، عن الحاجة لأن نُذكر كي نستمر في الوجود. وهذا ما يجعل النص مفتوحاً على القارئ أينما كان: فكل قارئ يجد في “إيموزار” مدينته الخاصة، أمه، حبيبته، وطنه.
إذا أردنا أن نقارب القصيدة من زاوية جمالية، يمكن القول إنها قصيدة ذاكرة بامتياز، ذاكرة فردية وجماعية، شعرية وفلسفية. الشاعر يكتب ضد النسيان، ويقاوم العدم بالكلمات. وفي هذا يلتقي مع ما ذهب إليه أدونيس حين قال إن الشعر هو “مقاومة ضد الفناء”. القصيدة إذن ليست مجرد استعادة للذكريات، بل فعل مقاومة وجودية ضد النسيان.
إن غنى النص يتجلى كذلك في تعدد طبقاته الرمزية. فالمكان يمكن أن يُقرأ كرمز للطفولة، أو للحب، أو للوطن، أو للزمن الضائع. والذات يمكن أن تُقرأ كصوت فردي، أو كصوت جماعي يعبر عن حنين أجيال إلى ماضيها. واللغة يمكن أن تُقرأ كحوار بين التراث (المعجم الديني والصوفي) والحداثة (الصور المجازية الجديدة والانسياب اللغوي). هذا التعدد يجعل النص نصاً مفتوحاً قابلاً لقراءات متجددة.
وإذا أردنا أن نربط النص بالسياق الثقافي المغربي، يمكن القول إن قصيدة عرفاوي تنتمي إلى تيار شعري مغربي حديث يشتبك مع المكان والهوية والذاكرة. فالقصيدة المغربية منذ عقود جعلت من المكان تيمة مركزية، سواء في شعر محمد بنطلحة، أو عبد الكريم الطبال، أو أحمد بوزفور في السرد. نص عرفاوي يواصل هذا التقليد لكن بروح خاصة، إذ يجعل من بلدته الصغيرة مركز العالم الشعري، ويحوّلها إلى أسطورة شخصية وجماعية.
في النهاية، يمكن القول إن “ستذكرني إيموزار إن شاءت” قصيدة تحتضن كل التوترات الإنسانية: الحب والخذلان، الذاكرة والنسيان، النور والظلمة، الأمل واليأس. وهي قصيدة تؤكد أن الشعر ليس زخرفاً بل بحث دائم عن المعنى، عن الذات، عن الوطن، عن الآخر. وبفضل لغتها الغنية وصورها الكثيفة ورمزيتها العميقة، تظل هذه القصيدة شهادة على قدرة الشعر على تحويل مكان صغير إلى كيان كوني، وعلى جعل الحنين سؤالاً فلسفياً عن معنى أن نكون وأن نتذكر. ولعل أجمل ما يميز هذه القصيدة أنّها لا تتحدث عن مدينة بعينها فحسب، بل عن ذاكرة الإنسان وهو يحاول أن يصالح ذاته مع أمكنته الأولى. فإيموزار كندر، وهي مدينة صغيرة متربعة على أكتاف الأطلس، تتحول على يد الشاعر عبد الله عرفاوي إلى كونٍ واسع تتقاطع فيه الطبيعة بالرمز، والحنين بالأسطورة، واللغة بارتعاشات القلب. قصيدته ليست مجرد نص أدبي نقرؤه بعين النقد، بل هي مرآة يتأمل فيها كل قارئ ذاته وطفولته وأمكنته المفقودة. إننا حين نقرأ هذا النص نشعر أن الشاعر يكتب عنا جميعاً، عن غربتنا، عن رغبتنا في أن يحتفظ بنا مكان ما في ذاكرته، عن حاجتنا لأن نُذكر كي نستمر في الوجود. لذلك، فإن “ستذكرني إيموزار إن شاءت” ليست فقط قصيدة للشاعر عبد الله عرفاوي ابن إيموزار، بل هي قصيدة لكل من عرف معنى الحنين، وعاش اختبار الفقد، وسكنته رائحة الطفولة. هي قصيدة تسقي أرواحنا بماء الذكرى، وتمنح للكلمات شرف أن تكون وطناً بديلاً حين يخذلنا المكان أو ينسى. تحية للشاعر الذي جعل من مدينته الصغيرة منارة للذاكرة، ومن قصيدته زاداً جمالياً وثقافياً نقتسمه نحن القراء، كلما ضاقت بنا الأمكنة واتسعت بنا الحاجة إلى المعنى.





