كتابات حرة

فنون وشهرة في عالم غريب… كيف تُصنع القيمة من اللاشيء

A colorful pop art portrait of a woman with blonde hair, bright pink skin, and red lips, set against a turquoise background.
A person with short hair, wearing a checkered shirt, stands in front of a textured wall.

تجمع الزوار في متحف الفن الحديث الذائع الصيت عالميا، والموجود في سان فرانسيسكو، حول العمل الفني المعروض مع الحفاظ على مسافة منه. وأخذ البعض يصورون العمل، لاسيما ذلك الذي كان يحمل آلة تصوير ضخمة، حيث استغرق وقتا طويلا في التصوير، وكأنه مصور محترف يلتقط صورة لكتاب أو معرض للتصوير الفوتوغرافي. وأخذ الزوار يتباحثون حول معنى العمل وما يرمز إليه ومدى عمق التأثير الفني والفكري له، ولكن ما لم يدركه أيا من هؤلاء المعجبين، أن هذا العمل الفني، الذي لم يكن أكثر من نظارات عادية موضوعة على أرضية المتحف، لم يكن جزءا من المعروضات، بل نظارة رخيصة وضعها مراهق في السابعة عشرة من عمره كنكتة لمعرفة رد فعل الزوار. ولم يكن مخطئا، إذ خدع الجميع، وحدث ذلك يوم الرابع والعشرين من شهر أيار/مايو عام 2016.

عرّف الخبراء الفن بأنه ما يعبر عن مشاعر إنسانية عن طريق عمل تطلب إنجازه جهدا ومهارة بشكل مبتكر وجميل ومؤثر. ويعني هذا أن الموزة، وبالتأكيد النظارات كذلك، ليست فنا.


أثارت هذه الحادثة عاصفة من السخرية حول غباء الزوار من الناحية الفنية وسهولة خداعهم، ومع ذلك، فإن زوار متحف الفن الحديث في سان فرانسيسكو كان لديهم بعض العذر، فالمتحف عن الفن الحديث، ما جعلهم يظنون أن كل شيء فيه يقع ضمن تصنيف الفن الحديث، وسيحاول الكثيرون الادعاء بمعرفتهم الواسعة بما يهدف ويرمز إليه كل ما في المتحف. والمشكلة الأخرى أن من يدرك تفاهة هذه النظارات والكثير من المعروضات لن يتفوه بكلمة لتجنب أي اتهام بالجهل، أو محاولة إثارة جدال. وفي الحقيقة أن أغلب زوار المتاحف الفنية، أو التاريخية يجهلون المعروضات وخلفياتها، ففي إحدى زياراتي للمتحف البريطاني في لندن، اكتشفت أن زوار القسم الآشوري في المتحف وحرس القسم ومكتب استعلامات المتحف، يعرفون من أين أتت آثار ذلك القسم، الذي يعد من أشهر ما في ذلك المتحف. ولكن إذا استطاعت هذه النظارات خداع هؤلاء الزوار العاديين، فإن موزة مثبتة على الحائط بشريط لاصق نجحت في خداع خبراء الفن المحترفين، حتى إن أحد الأثرياء اشتراها عام 2024 بستة ملايين ومئتي ألف دولار أمريكي في مزاد لدار المزاد الشهير «سوذبيز» في مدينة نيويورك الأمريكية، وقد أعد الخبراء هذه الموزة نموذجا لما يسمى بـ»الفن المفاهيمي» Conceptual Art الذي يعني بالفكرة وراء العمل أكثر من العمل نفسه. وقد أكل المشتري الثري الموزة بعد شرائها، ووضع موزة أخرى مكانها. ومن المؤكد أن الموزة الجديدة ستتلف بعد أيام قليلة، وربما استبدلها بموزة جديدة بعد ذلك. وربما وظف شخصا لهذه المهمة. ومشكلة هذه الموزة أن الإعلام والخبراء قالوا إنها عمل فني، فاسكت هذا كل معترض وعدّها الجميع عملا فنيا حقيقيا يستحق الملايين من الدولارات. وفي الحقيقة أن التغطية الإعلامية والمكثفة للموزة جعلها حادثة عالمية مما زاد من قيمتها.

2 148


يعرّف الخبراء الفن بأنه ما يعبر عن مشاعر إنسانية عن طريق عمل تطلب إنجازه جهدا ومهارة بشكل مبتكر وجميل ومؤثر. ويعني هذا أن الموزة، وبالتأكيد النظارات كذلك، ليست فنا. ومثلما وجد زوار متحف الفن الحديث أنفسهم محاطين بمعروضات فنية ما جعلهم يظنون أن نظارات رخيصة عملا فنيا راقيا، فكذلك بالنسبة للموزة الشهيرة حيث وجد المرء نفسه محاطا بالإعلام والخبراء الذين أصروا على أنها تحفة من الفن الحديث، فإن المواطن العادي يجد نفسه محاطا بالإعلام الذي يخلق الظاهرة نفسها في مجالات أخرى، فمن يخالف الإعلام ومن يسمون أنفسهم خبراء يعد جاهلا وغبيا والأمثلة كثيرة. ولنأخذ مثالا من عالم السينما كفيلم «العراب» The Godfather الذي عرض عام 1972 ويعد أشهر فيلم عن العصابات المنظمة في السينما العالمية. ولكن الفيلم لم يكن أبدا عن العصابات المنظمة وقد قال مخرج الفيلم فرانسيس فورد كوبولا ذلك بنفسه، عندما أخبر الممثلين أن الفيلم ليس عن عصابات المافيا، بل عن عائلة مالكة وصراعها مع النبلاء الطامعين بالإطاحة بها والاستيلاء على الحكم. وكان إخراج الفيلم قد عرض في البداية على المخرج الإيطالي الشهير سرجيوليوني، إلا أنه رفض تماما قائلا، إن عصابات المافيا ليست كما وصفتها قصة الفيلم على الإطلاق. وعلى الرغم من تناقضات الفيلم مع واقع عصابات المافيا الحقيقية، وعدم وجود نجم سينمائي واحد، حيث كان مارلون براندو نفسه في مستوى هابط وإخراجه سيئا، فقد وصفه الجميع بأنه معجزة سينمائية، وكان بداية نجومية المخرج، وآل باتشينو وجيمس كان وروبرت دوفال ودايان كيتن، كما أعاد مارلون براندو إلى الأضواء. والسبب هو الإعلام الذي أحاط بالمُشاهد وجعله يظن ذلك فعلا، بل أصبح كل من ينتقد الفيلم منحطا ومتخلفا عقليا، فالمشكلة تكمن في أن تصنيف الفيلم لا يعتمد على المشاهدين، بل على الإعلام العالمي. وهناك مثال شهير في عالم الرسم، ألا وهو الرسام المعروف آندي ورهول، الذي يعد من عباقرة القرن العشرين في الفن الحديث، على الرغم من كون عمله تجاريا أكثر منه إبداعا حقيقيا، وإن عمله افتقر العمق والقابلية الحقيقية على الابتكار الفني. وكان أشهر أعماله عبارة عن صورة فوتوغرافية للممثلة الشهيرة مارلين مونرو مصبوغة بألوان زاهية، ما جعلها تبدو وكأنها لوحة، ثم طبع نسخا عديدة منها، ثم وقع النسخ المطبوعة بقلم رصاص أحيانا وقلم حبر أحيانا أخرى. ونظرا لنجاح هذه العملية كان يكررها كل بضع سنوات بعد تغيير في اختيار الألوان. ومن الجدير بالذكر أن هذا الرسام لم يلتقط الصورة الفوتوغرافية الأصلية، التي كانت أجمل قبل أن يرتكب خطيئته الفنية. وعلى الرغم من ذلك، كانت بالنسبة له سببا للشهرة وكسب المال. وقد يكون هذا العمل تزويرا، أو على الأقل نصف تزوير إلا أن أندي ورهول كان أكثر شخص خدع الجمهور، إذ يعد الآن فنانا عالميا قد تفوق شهرته ليونارد دافينشي» نفسه. وكان هذا «الفنان» مخادعا حتى في مظهره حيث إن شعره الكثيف كان في الحقيقة شعرا مستعارا، أي باروكة، اقتبس لونها من لون شعر مارلين مونرو، وكان لديه أكثر من مئة منها. وفي الوقت الحاضر تباع هذه «الباروكات» (شعور مستعارة في اللغة العربية) في المزادات بأسعار باهظة، إذ هناك من يجمع هذه الأشياء من المعجبين وجامعي مقتنيات المشاهير. وسيبقى آندي ورهول فنانا عالميا مهما كانت حقيقته طالما تقول جميع أجهزة الإعلام أنه كان عبقريا.

0 22

باحث ومؤرخ من العراق.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading