كتابات حرة

المثقف السوري بين الغياب والوجود العصاب الرمزي والاغتراب الوجودي – نضال الخليل

صورة لرجل ذو لحية وشعر رمادي يرتدي بدلة فاتحة، يظهر خلفه رفوف تحتوي على كتب، يبتسم بلطف.

المثقف كحالة وجودية

المثقف السوري منذ عام 2011 لم يعد مجرد ناقل للمعرفة أو مفسر للواقع، بل أصبح حالة وجودية معقدة، تتأرجح بين الغياب والوجود، بين التراث والحداثة، بين السلطة والمقاومة.

في خضم الحرب والتهجير والرقابة، تحولت الكتابة إلى فعل مقاومة، والفكر إلى مساحة ضيقة من الحرية.

في الثقافة السورية، يُعتبر التراث بمثابة الأب الرمزي الذي يفرض سلطته على الوعي الجمعي. هذا التراث، الذي يتراوح بين النصوص الدينية والتقاليد الاجتماعية، يُجسد سلطة معنوية تُعيق التفكير النقدي وتُحد من قدرة المثقف على التجديد. كل محاولة لتجاوز هذا التراث تُقابل بتهمة الخيانة أو الاغتراب عن الهوية.

السلطة في سوريا، سواء كانت سياسية أو ثقافية، تتجسد في مؤسسات وأيديولوجيات تُعيد إنتاج نفسها باستمرار. المثقف الذي يُحاول الحفاظ على استقلاله النقدي يجد نفسه محاصرًا بين مطرقة التراث وسندان السلطة. هذا الصراع يُنتج حالة من العصاب الجماعي، حيث يصبح النقد مجرد أداء شكلي، والحرية وهمًا بعيد المنال.

العصاب الجماعي في سوريا هو نتاج تداخل السلطة مع التراث، مما يُنتج حالة من الاغتراب الوجودي. المثقف السوري يعيش في حالة من التوتر المستمر بين الرغبة في التحرر والواقع الذي يُعيد إنتاج نفسه. هذا التوتر يُعطل القدرة على التفكير النقدي ويُفقر الخيال السياسي، مما يُؤدي إلى تشويه الالتزام الأخلاقي وغياب الثقة بالمؤسسات الثقافية.

المثقف السوري يُعاني من اغتراب مزدوج:

  • اغتراب عن ذاته بسبب فقدان أدوات النقد الحر.
  • واغتراب عن الآخر بسبب غياب فضاءات النقاش الحر.

هذا الاغتراب يُنتج نصوصًا سطحية وخطابات شعاراتية، حيث تتحول الحرية إلى وهم، والوجود إلى أداء أمام صورة رمزية مشوهة.

ظهور الفضاء الرقمي كان من المفترض أن يُوفر منصة للتحرر والتعبير الحر، لكن الواقع كان مُختلفًا، فقد أعاد الفضاء الرقمي إنتاج السلطة الرمزية عبر تداول النصوص والصور بما يخدم الرواية الرسمية أو التقليدية. المثقف المستقل يجد نفسه محاصرًا بين جماعات تتبنى السلطة الثقافية وجماعات تُكرس العصاب الجماعي، مما يُؤدي إلى عزلة رمزية ورقابة ذاتية.

التحرر من العصاب الجماعي والهيمنة الرمزية يتطلب ممارسة وجودية مستمرة: مواجهة الذات، مواجهة الآخر، مواجهة السلطة، واستعادة أدوات النقد الذاتي والجماعي. أدوات التحرر تشمل:

  • التراث كموضوع دراسة: تحويل الرموز والنصوص إلى مادة للتحليل، لا إلى أب رمزي يجب تقديسه أو اتباعه.
  • استقلالية المؤسسات الثقافية: خلق فضاءات حرة للنقد بعيدًا عن السلطة وإغراءاتها الرمزية.
  • التربية النقدية: تعليم التحليل والفكر النقدي منذ الصغر لتفكيك الدائرة العصابية قبل أن تتجذر.
  • الممارسة اليومية للحرية الرمزية: السؤال والفعل اليومي أكثر من مجرد موقف فكري.
  • إعادة تعريف المثقف: من راوٍ للسلطة إلى ضمير عام مدافع عن الحرية الرمزية، قادر على مواجهة ذاته والمجتمع والسلطة في آن واحد.

المثقف السوري اليوم هو اختبار للوعي والحرية، ممارسة وجودية مستمرة. لا يكفي أن يكتب أو يتحدث، بل عليه مواجهة ذاته، التراث والسلطة، وتحمل ثقل العصاب الجماعي، وممارسة النقد كفعل وجودي. حين يتحرر المثقف من الأب الرمزي، حين يواجه السلطة بلا خوف ويعيد بناء وعيه النقدي، يمكن أن يشرق معنى الحداثة والحرية في المجتمع السوري، ويخرج من دائرة الغياب إلى ضوء الوجود الحقيقي.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading