الملكات الأدبية – أسامة عكاشة

ليس الأدبُ ومضةَ طبعٍ عارية، ولا القريحةُ فيه مكتفيةً بنفسها، حتى تُرفَدَ بصنعةٍ واعيةٍ تُقوِّم عوجها، وتُحكِم مبناها، وتُخرِج ما فيها من القوة من حدِّ الإمكان إلى فعل التحقّق. فأولُ ما تُبتغى به الملكةُ الأدبية متنُ اللغة، لا كما تُلتقط من بطون المعاجم التقاطَ الغريب، ولا كما تُحشى حشوَ الألفاظ؛ فإن القواميس خزائنُ مفردات، لا معاملُ ملكات، ومن اقتصر عليها خرج حافظَ أسماءٍ لا صانعَ بيان.
وإنما الطريقُ القاصد أن تُؤخذ اللغةُ من مواردها الأولى: من منثور العرب حيث يُدار المعنى على سوق العقل، ومن منظومهم حيث تُشحَذ العبارة وتُسبك سبكًا تُذيب فيه النفسُ المعنى في اللفظ. فهناك يُنال الأمران معًا: تُدرك الكلمة في حقيقتها، وتُبصر في موضعها، وتُشاهَد وهي تعمل في التركيب عملَ الروح في الجسد، فتؤثِّر في النفس تأثيرها، وتبلغ من السمع والقلب مبلغها.
وحسنُ التركيب — لا غرابةُ اللفظ ولا نُدرةُ المعجم — هو سرُّ العربية، وبه تَفاضَلَت طبقاتُ البلغاء، وبه افترق البيانُ الحيّ من البيان المصنوع. فمن عرف مواقع الألفاظ، وأحسن مراعاة أنساب المعاني، ووازن بين مقتضى الحال وصيغة المقال، نشأت له ملكةٌ لا تُستعار ولا تُدَّعى، بل تُنال بالمراس الطويل، وكثرة المخالطة، وصبرِ التتلمذ للنصوص العتيقة حتى تُفصح له عن أسرارها.
قال البشير الإبراهيمي:
“الملكات الأدبية لا تكفي فيها القريحة والطبع حتى تمدها الصنعة بأمدادها، وأولها متن اللغة غير مأخوذ من القواميس اللغوية؛ لأنها لا تنتهي بصاحبها إلى ملكات لغوية ولا أدبية، وإنما يجب على من أراد أن يربي ملكته على أساس متين أن يأخذ اللغة من منثور العرب ومنظومهم، فيستفيد بذلك فائدتين الأولى: الكلمة ومعناها، والثانية وضعها في التركيب وموقعها منه وموقعه من النفوس، وحسن التركيب هو سر العربية”.
آثار البشير الإبراهيمي، (١٥٩/٤).





