كتابات حرة

هل الدين عدو الحياة؟موسى السامي

شخص يرتدي بدلة رسمية ونظارات شمسية، ينظر إلى الأفق في بيئة خارجية.

في زمنٍ طغت فيه المادية، وارتفع صوت الأرقام فوق همس الأرواح، يتردد سؤال مثقل بالشكوك: هل الدين عدو الحياة؟

‏أهو قيدٌ يشد على معصم الإنسان، أم سجنٌ يطفئ وهج العقل، أم أنه في حقيقته الوقود الذي يُشعل الروح، والنبراس الذي يهدي الفكر؟

‏من حصر الدين في طقوسٍ جافةٍ بلا روح، أو في أوامر ونواهٍ قاسيةٍ بلا معنى، لا يرى فيه سوى ضد الحياة، لأنه يتأمل الوجود بمنظار الاستهلاك والمتعة العابرة. بينما الدين يضع المرآة أمامنا ليذكرنا أن وراء اللذة لحظة حساب، وأن وراء الجسد روحًا تئنُّ إن تُركت للجوع أو الترف بلا ميزان.

‏لكن السؤال في جوهره ليس عن الدين، بل عن الحياة نفسها: ما هي الحياة؟ أهي أعوامٌ تتناوب فيها الأفراح والأحزان، الانتصارات والانكسارات؟ أم أنها مشروعٌ أعظم، له غاية أبعد من حدود التراب والزمن؟

‏هنا يتكلم الدين، لا ليقيد، بل ليكشف: إن الحياة الدنيا جسرٌ لا قصر، ومعبرٌ لا مستقر. هي مزرعة الخلود، وليست حصادًا يذبل في موسمٍ واحد. وغايتها أن يعبد اللّٰه، ويُعمَّر الوجود، وتُهذَب النفس حتى تبلغ تمام إنسانيتها.

‏الدين إذن ليس عدو الحياة، بل عدو العبث والفوضى واللامعنى. إنه يروض الغرائز لا ليقتلها، بل ليرفعها من حضيضِ الحيوانية إلى ذُرى الإنسانية. يمنح اللذة معناها، فيقيها من التحول إلى ألمٍ نادمٍ أو فراغٍ قاتل. وبذلك يغدو الدين صوت الحكمة وسط صخب الغرائز، وبوصلة الأمان في بحرٍ تتقاذفه العواصف.

‏إن الفلسفة الإسلامية لم تُنادِ قط بإلغاء الجسد لصالح الروح، ولا بعبادة الدنيا على حساب الآخرة، بل رفعت شعار التوازن: جسدٌ ينعم بضروراته، وروحٌ ترتوي بسمائها، وإنسانٌ يمشي على الأرض وقلبه معلق بالسماء. الدين هنا ليس سوطًا يجلد، بل جناحًا يحلق، ليس جدارًا يقيد، بل طريقًا يرشد.

‏فالدين ليس نقيض الحياة، بل سر اكتمالها. هو الذي يُضفي عليها عمقًا أخلاقيًا وبعدًا روحيًا، ويحول لحظاتها العابرة إلى خطواتٍ ثابتةٍ نحو الأبد. فالحياة بلا دينٍ سفرٌ بلا خريطة.

‏الدينُ ليس عدو الحياة، بل هو حياتها نفسها، هو قلبها النابض، وغايتها العليا، ووجهتها التي لا تضل.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading