كتابات حرة

العيون الكبيرة – رامي الحلبي

Gemini Generated Image 2p8d6l2p8d6l2p8d

مخيال الطفل هو معول نموه النفسي والعقلي  السليم، ذلك إن لم يصطدم بواقع يحرمه التخيل أو يقيده الإنتقال ما بين عوالمه التخيلية التي يصنع فيها التحدي و يتآلف مع طبيعته التي هي صراع مُصغر مابين الخير والشر فيدرك اهمية اختياراته و وقعها عليه ويحرص ألا يكون قالب ونسخة عن أي شخص وأي شيء في مستقبله، والدولة المستبدة أول ما تستخدم من المخيال هو رمزيته الطفولية، فنكون امام مخيال يستغل رمزية البراءة في الطفولة، لا طفل يجترح من الخيال، فينتهي الأمر بنا أمام طفيلية كالتي تعيش في فم السمكة حتى تحصل على كامل غذائها و لاتنال السمكة شيء ولا يعد جوعها المستمر والدائم دافعا او دليلا على أنها ستنهم  الطفيلية داخل فمها فضلا عن انها ادركت أو لم تدرك وجودها، حيث لا فارق بين سمكة تفقد  حياتها بهدوء وشعب يفقد وجوده بسكينة .

تبدأ الدولة المستبدة مع مخيال طفولي أدواتها هي رغبات الجمهور، زعم التغيير، الوعد بالأفضل، السقف العالي من الطموح….، ثم تحييد الأدوات وتقزيم الرؤى إلى آخره و إلى أن ينال الأمر من الشعب نفسه، في حياته وآمانه ومستقبله والنتيجة( لا يجوز أن تسأل فاقد عما فقد!)،  الدولة المستبدة كزوج الرسامة مارغريت كين التي اشتهرت برسمها لشخصيات طفولية بعيون جاحظة، وحيث خضعت في البداية لإستغلال زوجها بتبشيره إياها بقيمةفنها حيث أوهمها بسماحه لها بالرسم ونيل هذه المتعة مقابل توقيعه على أعمالها وان هذا المنفذ المتاح لعبور فنانه لراحة الجمهور حتى يتقبلونها، بدا الأمر في بدايته محفز بالنسبة لمارغريت حيث فنها يلقى الرواج و يحوز التقدير و مع تحول جفاء الزوج وشحه العاطفي السابق إلى إغداقه إياها بالمحبة والتقرب أكثر من أي وقت مضى، إستغلالا للفرص، وهل يريد اي طفل اكثر من هذا؟، إعجاب من حوله به وتقربهم منه والبسمة في وجهه والتشجيع على أصغر أعماله، وتلبية الممكن من طلباته، مارغريت الطفلة الكبيرة رغبت بهذا وبشدة ولم تعي ان فنها اشتهر تحت كنف زوجها المستبد، وهكذا الشعوب تسعد بالذي يتقرب من تطلعها ويحدثها عن مستقبلها  و يؤوي مخيالها و تقبل بوعود عاطفية مياسة وغالبا مستحيلة الحدوث إن تجاوزت المنطق (منطق المستبد) ولم يجيزها الواقع، واقعه كذلك ، مارغريت خلال محنتها فقدت أغلى ما تملك(هُويتها)، أو فقدت وجودها الشرعي، شيء فشيء يتولى المستبد كل شيء و يتواكل المُستَبَد به عليه في كل شيء فيصير المستبد هو منبع كل شيء وأصل أي شيء، فتنحى الرغبات والأحلام وتتبخر، ويتحول الحالم من غاية المستبد إلى أداة ووسيلة لتطبيق مخيال الأخير وبلوغه أحلامه الخاصة.

وأحلام المستبد الخاصة التي دفعته إستغلال المخيال الطفولي لدى الجمهور من ثم إستغلال الجمهور نفسه تتلخص في فكرة البقاء، فالدولة المستبدة تسوق نفسها بدايتا لدى الأفراد والكيانات وتفترض عن نفسها انها الأحق برعاية مصالحهم ثم تجترح لنفسها شريحة منهم و تبني خط دفاع أولى مقاوم لأي محاولة إدراك، تكون تلك الشريحة بمثابة فم الطفيلي الذي يبتلع الأخضر واليابس من الوارد على جوع الجمهور، فلا يتذوق الجمهور شيء ولا يشعر بشيء فيكون جوعه مؤدي إلى هذيانه وضعف ارادة وتماسك، وهكذا يستطيع الطفيلي التبجح بالبقاء ليس فوق حياء السمكة و طيبتها ولكن فوق ارادتها يفتح فمه كلما فتحت السمكة فمها لتتغذى الوهم  دون أن تعي وتدرك مسغبتها.

وحيث تتحول العيون الجاحظة من براءة جذبت جمهور مارغريت وسحرتهم، إلى عيون تجحظ لتخيف مارغريت وتذكرها بتشيؤها خلال توقيع مستبدها… لا مناص من حقيقة فهم أن مخيال الدولة المستبدة قوى ومتين، فالقوانين التي صنعت بمخيال الإنسان وتحينه بما هو صالح وطالح تتبدل كذلك بمخيال الإنسان، فنحن نتحدث عن ارادة القوي في ظل فقد الآخر الضعيف الجائع شرعيته، بل إن هذا الضعيف يستعذب قهره، حسب وصف “هارولد لاسكي”، بتفسير وتصرف “عمار علي حسن” بكتابه (المجاز السياسي) (ان الشعوب تتحمل لأن تخيلها لغير ذلك لا يطاق)، فالسمكة لم تغلق فمها لتنهي وجود الطفيلي داخله، بل لأنها  لا تتقبل فكرة الموت بعمومها سواء كان للطفيلي في جسدها أولا لضئالة حجمه وزيف قوته  أو موتها لضعفها وتقبلت أن يكون العذاب جزء لا يتجزأ من حياتها.

أتوقع أن مارغريت كانت تمقت عيون زوجها حتى كشفت وقاحتها وتبجحها، لكن الأمر ضاغط بشكل كبير يسعفه التمني بأنه محتمل، إنتظرت مارغريت المعجزة وبقيت السمكة على لهسها  تنتظر المعجزة أيضا وتستمر الشعوب في الدعوات على الظالمين دون أن تحددهم علنا.

لا أستعرض، لكني كنت مارا أمام التلفاز حيث حلقة درامية تاريخية لا يعي لها أحد إهتماما ولا كنت أنا، كان الصوت الآتى من شيطان الحائط لممثل يقول، (ان الأمم التي يموت مفكريها تموت)، ولم يواتيني الإهتمام بما قيل إلا حين وصلت لهذا المقطع من مقالتي، حيث ملل النهايات من الكتابة، فإتسق هذا القول مع مقطع آخر من كتاب المجاز السياسي، يقول فيه الدكتور عمار(وهكذا أدت الأفكار إلى دور عميقا في بناء الأمم بدور مفكريها وعلمائها في صناعة مجدها)، فطرأ على عقلى إدراك، ساذج من يقول أنه نادر، أن الصراع صراع الأفكار، صراع المخيال، قبل أن يكون صراع المشيئة والإرادة، فمارغريت لم تعلن وجودها إلا بعدما تبجحت في عين مستبدها  سرا وأعلمته بحجمه الحقيقي كبتا ، كمتسلق لطموحها 

، بدأ الأمر كفكرة أن العيون الجاحظة ما عادت مخيفة، ولم يكن الوصول لهذا الحد من المجازفة سهلا لكن صاحب الحقوق لا يهاب أي طفيلي معتدي على حياته، وربما الإمتناع عن اللهث وراء مخيال المستبد يكون فكرة الخلاص يعززها وهن المستبد وضئالته وحاجته الوجودية للجمهور خانع ليبقى، ربما مقابلة التبجح بالتبجح فرصة نهائية في عملية إستئصال طفيلي يلغي شرعية وجود المضيف، لأن الفكرة من الأصل عن من؟، ومن له الكلمة من المخيال؟، الإجابة المتبجحة الصريحة هي ما سيقيم العدل ويعدل الأمور.

فالعيون الجاحظة لا تخيفها إلا العيون الجاحظة.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading