لا تَجمُدا – أسامة عكاشة
تخيَّل ــ لو صحَّ في الوهم أن تُغلَق ينابيع الدَّمع ــ كيف يختنق الفؤادُ بأحماله، وكيف تتراكب الأوجاعُ في الصدر ركوبَ السحابِ بعضِه فوق بعض، فلا يجد القلبُ متنفسًا، ولا يلقى الألمُ سبيلًا إلى الانفراج. إنَّ الدمعَ ــ وإن بدا ماءً مهينًا ــ هو نَفَسُ الروح حين يضيق بها المقام، وهو الزَّفرَةُ التي تسبق الانكسار وتمنع تمامه.
ولو أنَّ الدموع تأبَّت، فاستعصت كما يستعصي الحصنُ المشيَّد، فمن ذا الذي يملك لها قهرًا أو إليها سبيلًا؟ أهي جندٌ يُساق، أم أسرارٌ تُستدرج؟ كلا، إنما الدمعُ ابنُ القلب، يخرج بإذنه، ويُحتبس لحكمته، فإن أغلق عليه بابَه، لم تُجدِ العيونُ توسُّلًا، ولا أغنى الإلحاحُ شيئًا.
وإن عصت العينان نداء القلب، وجفَّت المآقي مع اشتداد اللوعة، انقلب الحزنُ نارًا كامنة، لا ترى لها لهبًا، ولكن يُحسُّ بحرَّها في الضلوع. عندئذٍ يثقل الصدر، ويضيق النفس، ويغدو الألمُ مقيمًا لا راحلًا، كضيفٍ لئيمٍ عرف الطريق إلى القلب، فلم يُفكِّر في الانصراف.
فالدمعُ رحمةٌ مسفوحة، وسرٌّ مكنون، وميزانٌ دقيقٌ بين الصبر والهلاك. به ينجو القلب من الغرق في صمته، وبه تُغسَل أدران الأسى كما تُغسَل الأرضُ بمطرٍ وابلٍ بعد طول القحط. ولو حُرم الإنسانُ دمعَه، لكان أشقى المخلوقين صبرًا، وأقساهم احتمالًا، إذ الصبرُ بلا دمعٍ قسوة، والقسوةُ بلا تنفيسٍ موتٌ بطيء.
ما خُلِق الدمعُ ضعفًا، بل خُلِق حياة؛ فإذا جرى، سكنت الروح، وإذا احتبس، تكسَّرت المعاني في الداخل كما تتكسَّر الأمواجُ إذا حُبست عن الشاطئ. هكذا جعله الله، لسانَ القلب الصامت، وترجمانَ الوجع الذي تعجز الحروف عن حمله.




