إيزابيل ابرهاردت حياة الدياسبورا وفن اكتشاف الذات -بصـــــري محمد – الجزائر

البحث عن سيرة ايزابيل يشبه اقتفاء أثار أقدام في الرمل سرعان ماتهب الرياح الخفيفة لتزيل كل خطوة وكل أثر لهذه الشقراء.
وُلدت ايزابيل في 17 شباط/ فبراير عام 1877 في مدينة جنيف السويسرية. أمها روسية من أصول ألمانية تُدعى إيزابيل ويلهلمين ايبرهاردت ومتزوجة من قائدٍ شغل مناصب مرموقة في روسيا القيصرية، قِيل إنَّها من أبٍ روسيٍّ وُلد في أرمينيا يُدعى آلكسندر تروفيموفسكي.
بينما تُرجِّح سيمون رزُّوق أنَّ القائد الروسي هو فعلاً الأب الحقيقي حتى وإن لم يعترف بها وكذلك فعلت إدمون شارل رو ، فإنَّ فرانسواز ديبون تميل للاعتقاد أنَّ إيزابيل كانت ابنة الشاعر الفرنسي آرثر رامبو (1854-1891)، مُستندةً في ذلك إلى الشبه بينهما.
تقول في رسالة شذرية من كتاباتها المبعثرة : أنا ابنة روسي مسلم، وأمٍّ روسيةٍ مسيحية، وُلدت مسلمة ولم أغيِّر ديني، توفي أبي بُعَيْد ولادتي في جنيف حيث كان يُقيم” وفي رسالة كتبتها لصديقها التونسي علي عبد الوهاب سنة 1898، تقول: “لقد علمت بالدليل القاطع بأنَّني ثمرة اغتصاب تعرَّضت له أمي على يد طبيبها”
بدأ الغموض يكتنف حياة إيزابيل مجدداً. تنتقل بين بوادي وأرياف ومدن الجزائر في زي فارس بدوي يحمل اسم “محمود السعدي”. تُسجِّل كل ما يثير انتباهها وكان ذلك وحده كافياً ليثير حفيظة السلطات الاستعمارية والطرق الصوفية المنافسة للطريقة التي انتمت لها على حد سواء. ثم بدأت تكتب مقالات تنتقد فيها المشروع الاستعماري فواجهت حملةً من التضييق على نشاطها وصولاً لنفيها لفرنسا.
منزل إيزابيل إيبرهارت عام 1900 في حي زمالة وهي منطقة شعبية في مدينة باتنة ،
عاشت إيزابيل إيبرهارد هناك فور وصولها إلى باتنة عام 1889 بعد وفاة والدها وانتحار شقيقها. للتذكير ، يوجد متحف إيبرهاردت في سويسرا وآخر في إنجلترا.
إيزابيل ايبرهاردت تكاد تكون الشخصية الكونية التي عاشت أعمارا تفوق زمنها وقدرها الذي لم تتجاوز السبعة وعشرين ربيعا. الأديبة والرحالة السويسرية ولدت17 فبراير سنة 1877 وتوفت بشكل درامي غريقة بواد مدينة عين الصفراء بالجنوب الغربي الجزائري 21 اكتوبر سنة 1904 بعد أن أنهكتها حمى المالاريا.
.كتبت أكثر من 2000 صفحة هي بمثابة مقالات شذرية بسيطة تصف فيها هوامش رحلاتها ومغامراتها .الفارسة الرحالة ذات الشعر الأشقر والقوام القوطي الأبيض تركت روسيا بلد الأصل والمنشأ بعد تعب روحي وجحيم إجتماعي فالشك في نسبها إلى العائلة الارستقراطية فسح لها حالة ضياع أنطولوجي. فوالدها بالتبني الجنرال الروسي بول ذي موردر قائد شرطة القيصر كان في صراع مع زوجته المتمردة وأسمها ناتالي ذي موردر والتي تصغره كثيرا بالسن والتي يعتقد المؤرخون أنها ارتمت في أحضان حياة شبه بوهيمية ترقى إلى الخيانة الزوجية مع آلكسندر تروفيموفسكي القسيس الأرميني الارثوذوكسي الذي تخلى عن مسيحيته ليلتحق باليسار الأحمر وبعدها إلى عدمي وجودي ثم ارتد عن أيديولوجيته وقيل إنه اعتنق الإسلام كان ثمره هذا التمرد هو إنجاب “ايزابيل ” الحائرة هوويا وذاتيا. امتد شك هذا النسب إلى الحاقها أبويا بالشاعر الفرنسي العدمي جان نيكولا آرثر رامبو (1854/1891) الذي انتهى به الأمر صريع المرض في أفريقيا وهو المتهم بتجارة العبيد والنخاسة ورواية أخرى تقول أنه أسلم في جنوب النيل بمصر ومات غريقا فيه.
هذه التركيبة الأسرية الملتهبة لإيزابيل دفعتها للتحرر وهي صغيرة في سن 14 وأسهم ذكاؤها في تعلمها لغات كثيرة منها الفرنسية واللاتينية والانجليزية والتركية والعربية والأمازيغية هذا فضلا عن الروسية. لتنخرط في سفر طويل بدأ بتونس ثم مدينة عنابة بالجزائر أين استقرت مع والدتها وأخوها أوغسطين .أُعجبت الأسرة بسماحة الاسلام وأخلاق المسلمين وأعلنت التوحيد. بعدها تُرتب الأقدار حياة جديدة لإيزابيل التي اجتاحتها رغبة في اقتحام الفيافي وصحارى الجزائر.الغريب ايضا أنها تزوجت من الجندي الصبائحي والمترجم”سليمان أهني” لتنال الجنسية الفرنسية التي حرمت منها وطردت بعد أحداث ثورة 1899 بالجنوب .ويعزى تسكعها وتنقلها بين الزوايا والمساجد هو فقرها وضيق عيشها ونفاد مصدر رزقها وغربتها الطويلة.
إيزابيل برهاردت زارت القنادسة وهي قرية صوفية هادئة في الجنوب الغربي دائرة تابعة لولاية بشار حاليا وهي المحطة ماقبل الأخيرة في حياتها دخلتها في شهر ماي .وجالت فيها وافتتنت بالحياة البسيطة والروحية التي عاشها أهل القرية في ظل فضاء قداسي سني على طريقة الإمام مالك وطريقة الولي الصالح سيدي امحمد بن أبي زيان و بسيط جدا اقتصاديا.تصف اليهود في كتابها Dans l’ombre chaude de l’islam وهي جالسة في وضعية القرفصاء مستندة إلى الحائط القريب من باب “درب دخيسة” ونظرها متجه إلى الملاح المقابل لها في مقالة “DANS LE MELLAH أين الجالية اليهودية النساء تقمن بطهي العشاء على نيران سعف النخيل و فضلات الإبل . ورجال متحلقين متسامرين حول النار إمرأة يهودية شابة تغني لطفلها كي ينام. يتناول الجميع العشاء وكأنه عشاء المسيح الأخير.لأن الذهنية العبرانية كانت مبنية على فكرة الدياسبورا والشتات diaspora والخوف من المجهول والتحضير للفرار منذ اللعنة الموسوية. إيزابيل وصفت بشكل لاواعي عدم قدرة اليهود على الاندماج في المؤسسات الجماعية الحاضنة وقلقهم اللاواعي من الآخر وسلوكهم المريب ونياتهم الهاجرة والمتوترة .كلما مررت على “باب درب دخيسة” استشعر روح ايزابيلا ترفرف هناك في القنادسة التاريخ ومكان الأبدية المفضل.
يقول الأستاذ محمد رشد كانف :”لقد لعبت ايزابيل ابرهاردت دورا مهما حتى لا أقول أساسيا في اهتدائي واندماجي في هذا البلد”.
يقول اديموند شارل رئيس أكاديمية جونكور في حوار أجراه معه الصحفي الطاهر حوشي :”صحيح عملت لمدة 12 سنة على أعمال ايزابيل ولكن شغفي ظل نفسه.كل المواضيع تنتهي يوما ما الى الملل واللامبالاة، غير أن الأمر مختلف بالنسبة الى ايزابيل الاعجاب دوما عنيف كما في اليوم الأول”
.يقول المخرج الأسترالي يان برينغل “ian pringle » الذي أخرج فيلما حول حياة ايزابيل “عندما قرأت نصوصا حول حياة ايزابيل ابرهاردت للمرة الأولى هذه عشر سنوات تقريبا لم أكن منجذبا مذهولا فقط أمام هذه المرأة التي كانت حياتها قصيرة لكن أحسست بنوع من القرابة معها كذلك “. يضيف لقد كانت كل شيء : مهرجة .قديسة .بطلة .حسية. إعصار انثوي والذي من عمقه تتدفق الحياة بلا انتهاء.كاتبة مغامرة ساذجة ثائرة دوما مدفوعة بقوى لا تفهمها قضت حياتها القصيرة وهي تحاول التخلص من الفائض لتواجه الواقع”
في السبعينات بدأ الاهتمام الانجليزي والأمريكي بأدبها كالكاتب روبرت بونونو كتابها ” سبع سنوات في حياة امرأة رسائل ويوميات” وترجمت شارون بانغرت كتاباتها إلى الانجليزية.
شهادة الدبلوماسي محمد صالح دمبري سنة 1970 لجريدة الأحداث”كصحافية شغوفة وجزائرية متحمسة انغمست في تحليل الحياة الانسانية في الجزائر في تلك الفترة متهمة التمييز الذي تفرضه الشؤون السياسية الاقتصادية الجديدة والسلب المخزي والفاضح للسكان الأصليين ادانت عصر القُواد والموظفين ذوي النفوذ المكلفين بتعمير الجزائر لقد كانت متأكدة من افلاس الاحتلال ذلك أنه في حين كان لويس برتراند وأنصاره بنزعة رومانية يستحضرون كل ماهو لاتيني أو مسيحي كانت هي تعيد وبقوة القيم العربية الاسلامية والتحام العالم العربي البربري”.
تقول ايزابيل عن نفسها “لست سوى شخص غريب الأطوار حالمة تريد ان تعيش بعيدا عن العالم أن تعيش الحياة الطليقة والراحلةلتحاول بعذ ذلك أن تقول ما رأت وربما أن تنقل الى البعض بعض الاتعاشات الكئيبة المبهمة والاسرة التي تحس بها امام الروائع الحزينة للصحراء”. حسن داوس .
رحم الله ايزابيل لروحها السلام
محمد بصري
هوامش:
انظر ايزابيل ابرهاردت ياسمينة (وقصص أخرى) ترجمة حسن دواس مراجعة د.ليلى عثمان فضل .





