الكلمة والفعل: جدلية القول والإنجاز في صناعة التاريخ: عماد خالد رحمة- برلين
يبدو التاريخ، في أحد وجوهه العميقة، مشدوداً بين قطبين: الكلمة التي تُصاغ بها الرؤى، والفعل الذي يُترجم هذه الرؤى في الواقع. فإذا كان رجال ونساء الأقوال هم مبتدأ التاريخ، فإن رجال ونساء الأفعال هم خبره، والاثنان معاً يشكلان الجملة الكاملة للوجود الإنساني ومساره الحضاري.
إنّ الاستخفاف بالعقل والمعرفة والثقافة والكلام، كما تفعل كثير من المجتمعات الحديثة، يُفضي إلى حرمان البشر من أعزّ ما أنجزوه في تاريخهم الطويل، أي ما سمّاه الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر “أعزّ مقتنيات الإنسانية”. فالكلمة ليست مجرّد أصوات عابرة، بل هي بيت الكينونة، والموضع الذي يُبنى فيه معنى الوجود ويُعاد تشكيله. لذلك، فالقول ليس مضاداً للفعل كما يتوهم البعض، بل هو في كثير من الأحيان فعل بحد ذاته، وربما أشد تأثيراً واستمرارية من الأفعال العنيفة أو المباشرة.
لقد أشار المفكر الفرنسي ميشيل فوكو إلى أنّ الخطاب ليس انعكاساً للواقع فحسب، بل هو قوة مُنتجة تُشكّل الواقع وتؤسس له. بهذا المعنى، يمكن النظر إلى “القول” بوصفه فعلاً تأسيسياً، إذ إنّ الكلمات ليست مجرد تزيين للأحداث، بل هي التي تمنحها الشرعية والدلالة والخلود. أما الأفعال مهما بلغت من القوة والجبروت، فإنها تُصبح بلا معنى إذا لم تقترن بقولٍ يفسّرها أو خطابٍ يمنحها بعداً إنسانياً.
ويؤكد هذا التصور أيضاً الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي حين ميّز بين “المثقف التقليدي” و”المثقف العضوي”، فرأى أن دور المثقف لا يقتصر على إنتاج الأفكار، بل على تحويلها إلى قوة اجتماعية قادرة على إحداث التغيير. القول هنا يصبح نواة الفعل، والفعل بدوره لا يستقيم من دون خلفية فكرية تنظّمه وتبرّره.
ومن زاوية أخرى، يوضح عالم السياسة الأمريكي جوزيف ناي مفهوم “القوة الناعمة” باعتبارها القدرة على التأثير عبر الثقافة والقيم والأفكار لا عبر الإكراه العسكري أو الاقتصادي. فالقوة الناعمة ليست سوى الوجه المعاصر لفعل القول، حيث تتحول الكلمات والرموز والمعاني إلى أدوات قادرة على إعادة تشكيل السلوك البشري، وصياغة العلاقات الدولية. وهنا يلتقي المعنى السياسي بالمعنى الفلسفي: القول فعلٌ متواصل يُنتج الفعل المادي ويحدّد مساره.
لكن الفعل أيضاً، في المقابل، لا ينبغي الاستهانة به. لقد كتب كارل ماركس عبارته الشهيرة: “لقد اكتفى الفلاسفة بتفسير العالم بطرق مختلفة، لكن المهم هو تغييره.” في هذا القول تتجلى ضرورة التلاحم بين القول والفعل، فالتفسير من دون تغيير يبقى عقيماً، والتغيير من دون تفسير يظل أعمى. ومن هنا، تنبع جدلية الكلمة والفعل بوصفها المحرّك الأكبر للتاريخ الإنساني.
إنّ إقصاء القول أو تحقيره باسم الفعل وحده يقود إلى العدمية، كما أنّ الاكتفاء بالقول من دون فعل يُفضي إلى المثالية الفارغة. وحده التفاعل الخلّاق بين الاثنين هو الذي يصنع الحضارات ويخلّدها. فما الفعل إلا قول مُجسّد، وما القول إلا فعلٌ بالقوة ينتظر التحقق.
لقد كان جان بول سارتر محقاً حين ربط الحرية بالفعل، ورأى أنّ وجود الإنسان لا يكتمل إلا بممارساته. غير أنّ هذه الممارسات لا تخرج من فراغ، بل من خطاب داخلي وخارجي يمنحها معناها. فالإنسان كائن يملك “مشروعاً”، والمشروع لا يُصاغ إلا بالكلمة قبل أن يتجسد بالفعل.
وهكذا، إذا كان مبتدأ التاريخ يبدأ بالكلمة التي تهزّ العقول والقلوب، فإن خبره لا يتم إلا بالفعل الذي يُترجمها على الأرض. وبين المبتدأ والخبر، تتشكل الجملة الكبرى التي اسمها: الإنسان والتاريخ.






