وزير على وزارة… وهو طالب في احدى جامعاتها ! د.رافد حميد فرج القاضي

ليس السؤال هنا شخصيًا ولا التشكيك موجّهًا إلى نيات أحد بل هو سؤال دولة وسؤال هيبة وسؤال منطق قبل أن يكون سؤال قانون :
هل يصح أن يُكلَّف وزير للتعليم العالي والبحث العلمي وهو في الوقت ذاته طالب مسائي في إحدى كليات هذه المنظومة التي يتولى إدارتها؟
هل تستقيم الدولة حين يصبح رأس الهرم الأكاديمي جزءًا من قاعدته؟
إن وزارة التعليم العالي ليست دائرة خدمات عادية بل عقل الدولة ومختبر مستقبلها والجهة التي تصنع النخب، وتضع المعايير وتحرس القيمة العلمية والمعرفية والوزير فيها ليس موظفًا إداريًا فحسب بل مرجعية رمزية وأخلاقية وعلمية قبل أن يكون صاحب توقيع أو قرار ومن هنا تبدأ الإشكالية لا من الشخص بل من الموقع
وحين يكون الوزير طالبًا فإننا لا نتحدث عن حالة استثنائية طريفة بل عن تصادم أدوار لا يمكن تجميله والطالب مهما كان طموحه مشروعًا هو في موقع التلقي في موقع التعلّم في موقع الخضوع للنظام الأكاديمي والوزير هو من يضع هذا النظام، ويشرف عليه، ويحاسب القائمين عليه فكيف يجتمع الموقعان في شخص واحد دون أن يهتز ميزان العدالة أو تُثار أسئلة الشفافية أو تُصاب هيبة المؤسسة بارتباك عميق؟
المشكلة ليست في كون الدراسة المسائية عيبًا ولا في أن طلب العلم فضيلة بل في التوقيت وفي الموقع وفي الرمزية.
فالدولة لا تُدار بالنوايا الحسنة وحدها، بل بالانسجام بين الدور والمسؤولية والوزير الذي لا يزال على مقاعد الدراسة في وزارته كيف سيحاسب أستاذًا ؟
كيف سيقيّم جامعة؟
كيف سيقود إصلاحًا أكاديميًا وهو لم يُكمل بعد تكوينه العلمي؟
ثم ماذا نقول للآلاف من حملة الشهادات العليا والأساتذة والباحثين وأصحاب التجارب الطويلة في الجامعات العراقية؟ أي رسالة نبعثها لهم حين نضع على رأس الوزارة من هو ما يزال طالبًا فيها؟ أليست هذه رسالة قاسية تقول إن الخبرة ليست شرطًا، وإن التخصص ليس أولوية، وإن السلم الأكاديمي يمكن القفز فوقه بقرار سياسي؟
إن أخطر ما في هذه القضية ليس المخالفة الإجرائية – إن وُجدت – بل الأثر المعنوي العميق. فحين تختل الرمزية، ينهار المعنى. وحين يضطرب المعنى، تفقد الدولة قدرتها على الإقناع. التعليم العالي يقوم على القدوة، على المثال، على الإيمان بأن من يقود هذا القطاع هو الأعلى تأهيلًا، لا الأدنى موقعًا علميًا.
الدول الرصينة لا تسمح بتداخل الأدوار بهذا الشكل، ليس ازدراءً للطالب بل احترامًا للمنصب ففي كل دول العالم يُشترط في وزير التعليم أن يكون قد تجاوز مرحلة التعلّم إلى مرحلة الإنتاج العلمي والفكري وليس لأن الشهادة وثن بل لأن المنصب يتطلب نضجًا معرفيًا يتناسب مع حجم المسؤولية.
وقد يقول قائل إن القانون لا يمنع ولكن هل كل ما لا يمنعه القانون يُعد صائبًا؟
أليس من واجب السلطة التنفيذية أن تراعي روح الدولة لا حرف النص فقط؟
إن الدول لا تنهار بسبب خرق القوانين وحدها، بل بسبب العبث بالمعايير.
إننا لا نطلب إقصاء أحد ولا نصادر حقًا شخصيًا في التعلم بل نطالب بالفصل الواضح بين الطموح الفردي والمصلحة العامة فمن أراد أن يكون طالبًا فليكن طالبًا حتى النهاية ومن أراد أن يكون وزيرًا فليكن على مستوى الوزارة علميًا وخبرويًا ورمزيًا.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة إلى ما هو أبعد من الاسم والمنصب واللحظة السياسية فالقضية في عمقها ليست عن وزير بعينه ولا عن طالب بعينه بل عن صورة الدولة في مرآة نفسها وعن قدرتها على احترام مواقعها وعن وعيها بالفارق بين الممكن والصحيح وبين المسموح واللائق.
إن الدولة التي تسمح باختلاط الأدوار في أعلى مفاصلها إنما تعلن – من حيث لا تقصد – أن المعايير قابلة للتأويل وأن الرمزية يمكن التنازل عنها وأن المنصب لم يعد تتويجًا للكفاءة بل تجربة مفتوحة على الاحتمال وهذا أخطر ما يمكن أن يُصاب به قطاع التعليم العالي لأنه قطاع يقوم أصلًا على الدقة وعلى التراتبية العلمية وعلى الإيمان بأن كل موقع له شروطه وسياقه ومسؤوليته.
التعليم العالي ليس ملفًا إداريًا يُدار بالحد الأدنى من المتطلبات بل هو رهان وطني طويل الأمد وهو المكان الذي تُصنع فيه العقول، وتُختبر فيه القيم، ويُعاد فيه تعريف معنى الدولة الحديثة وحين تهتز صورته لا تهتز جامعة واحدة بل تهتز ثقة أجيال كاملة بأن الاجتهاد طريق وأن التراكم قيمة وأن الوصول إلى القمة يمر عبر درجات واضحة لا عبر مفارقات مربكة وإن السكوت عن هذه المفارقة لا يحلها بل يطبعها وتحويلها إلى “حالة عادية” هو بداية الانحدار نحو دولة بلا معايير ثابتة وبلا خطوط فاصلة بين الدور والمسؤولية فاليوم وزير طالب وغدًا ماذا؟
وأي رسالة سنرسلها لاحقًا حين نطالب بالنزاهة أو بالكفاءة أو بالإصلاح وقد كُسر المبدأ من أعلى الهرم؟
إن مسؤولية القيادة لا تكمن فقط في اتخاذ القرار بل في مراجعة القرار حين يصطدم بالمنطق العام وحين يثير هذا القدر من الأسئلة المشروعة فالقوة الحقيقية للدولة لا تظهر في الإصرار بل في التصحيح ولا تُقاس بالتمسك بالاختيار بل بالقدرة على الاعتراف بأن المصلحة العامة أوسع من أي اسم وأبقى من أي تكليف.
لسنا أمام معركة شخصية ولا حملة تشهير بل أمام نداء عقل وضمير ونداء يقول إن التعليم العالي يستحق رأسًا يعلوه علميًا لا رأسًا يقف معه على مقاعد الدراسة ويستحق قيادة تجسّد الحلم الأكاديمي لا تناقضه. يستحق وزيرًا يُنظر إليه بوصفه نهاية طريق علمي طويل لا محطة في منتصفه وفي المحصلة يبقى السؤال – مهما طال الجدل – سؤالًا أخلاقيًا قبل أن يكون إداريًا :
كيف نُقنع طالبًا بالاجتهاد وأستاذًا بالالتزام وباحثًا بالصبر، ونحن نخلط في القمة بين موقع المتعلّم وموقع من يفترض أن يقود المتعلّمين؟
إن الدولة التي تحترم نفسها تحترم مواقعها والوزارة التي تريد أن تُصلح يجب أن تبدأ بإصلاح صورتها والتعليم العالي إن لم يُحمَ من المفارقات سيتحول من رافعة نهضة إلى عنوان ارتباك.
وهنا لا يبقى سوى التأكيد الأخير :
القضية ليست من يكون الوزير بل كيف يجب أن يكون وليست هل يجوز ذلك قانونًا فقط بل هل يليق بدولة تبحث عن هيبتها وتراهن على مستقبلها.





