امنيات من ورق – إيمان البُستاني
لو قُيّض لي عمرٌ لا تُمسكه عقاربُ ساعة، سأطلب من الله كوخ خشبيّ بموقد حطب ، احب ملمس الخشب و ليجعله مطّلاً على مرجٍ أخضر فسيح يكفي النظر اليه لتأليف ملحمة الأوديسة، يعبره قطيعُ خرافٍ بأجراسٍ فضيّة…سأبدا صباحي بصوت ديكٍ يفتتح النهار، وبزيارة جارتي الطيبة بتكوراتها الوافرة و خاتم الترمل في إصبعها التي تصنع لي كلّ يوم أقراصَ جبنٍ من بقراتها المباركات.
سيكون ساعي البريد صديقي ، من يحمل لي طرود بريدية جميعها كتب، كتب لن انتهي من قرائتها حتى تلحقها وجبة جديدة ، اما هاتفي النقّال، رسولُ الأخبار المزعجة، سأبدّله بمذياعٍ خشبيٍّ له أزرار كأزرار معطفِ جنديٍّ من الحرب العالمية الأولى.
ثم أفرد يومي بين:
• ماركيز الساحر
• بوشكين العاقل
• غوغول الحكيم
وأتجوّل في أزقة جبرا إبراهيم جبرا المطلة على دجلة، حيث تغنّي الشناشيل بصوت سليمة باشا.
سيمرّ طقسُ بكاءٍ عند حنّا مينا وأمّه ماريانا وهي تخيط كفناً للصغيرة الضريرة. وسأصاحب عبد الرحمن منيف في أرض السواد إلى قصور السلاطين المغدورين ثم يرهقني في خماسيته مدن الملح بحكايات متعب الهذّال.
سأضع وعّاظ السلاطين لعلي الوردي قرب وسادتي، عله تجلب لي صفحاته رائحة شارع المتنبي في بغداد ، ايام كنت أتجول فيها شغفاً بشراء كتاب ، وألتحف بروايات فيرجينيا وولف المثقلةِ جيوبُ معطفها بالأحجار، وأطفئ قنديل الزيت المستعار من راسكولنيكوف.
سأصنع رفّاً يحتفي بالنساء الكاتبات:
إيزابيل الليندي ، علبةُ شوكولاتة تلمع قرب كتبها، تلك السيدة الصغيرة التي تخشى أن يتعثّر بها نادل الحفلات، مع أنها قادرة على احتواء العالم في رواية واحدة.
إليف شافاك ، طربوشٌ إسطنبولي يجاور كتبها، بقواعد عشقها الأربعين وقصورها الممتدة من القَمْل إلى الحلوى.
لطفية الدليمي ، برتقالة ديالى رمزها الدافئ. سأختار:
• عشّاق وفونوغراف وأزمنة بطلتها نهى الكتبخاني… الأوزة العراقية المهاجرة
• مدني وأهوائي – يوميات رحلة تشرق فيها الأشياء بأنوارها الخفية
• كراساتي الباريسية – حكاية هجرة مُرّة كالعلقم
إنعام كجهجي، رمزها المحبب نخلة عراقية و منها فتحت صندوق ذكرياتها المليء بأجراس الكنائس وحكايات المنافي: طشّاري – الحفيدة الأمريكية – النبيذة – سواقي القلوب.
وداد الأورفلي ، شهرزاد بغداد ، أندلسية اللوحات بكتاب عن سوالفها تلك السيرة العامرة .
بتول الفكيكي صاحبة ميثولوجية وادي الرافدين في لوحاتها .
فريال الأعظمي التي ملئت قصور الشعر بكنوز الحرف .
سأعيد ترتيب رفّ الرحْالة كما أحب: فولني بنظرته الثاقبة في وصف اهل مصر و سوريا ، لامارتين بصوته العاشق للشرق، تافرنييه ، نيبور ، مدام ديلافوا وكل من مرّ بالعراق وترك دهشته على بواباته.
سأفترض ان لدي صحبة جميلة تجتمع مساءاً، سأزين الطاولة بأكداس البندق ، احب البندق و كسّاراته تلك الجنود بلحى قطنية الجالبة للحظ ، اول ضيوفي غابرييل غارسيا ماركيز بزهوره و فراشاته الصفراء و صديقه اللّدود ماريو فارغاس يوسا ، سينضم الينا حنا مينا مع دمنجانة العرق و منيف و صديقه الأنتيم جبرا بغليونه الأبنوسي، صديقي الدكتور سمير حاج الفلسطيني العاشق للعراق و معلمي العراقي قبل اليهودي بروفسور شموئيل موريهالذي يقاطعني كل مرة بكلمة ( عافاكِ) و القس الطيب المونسنيور نوئيل سيلطّف صحبتنا بصوته الشجي و هو يغني لنا ( يا جارة الوادي ) ، و معلمي من علمني سحر الرسم ؛ يحيى الشيخ صاحب الطلاسم المندائية و الشوق والدسيسة و بهجة الأفاعي ، و ستحلو الصحبة بحضور معّمار بغداد الكبير ؛ نوستوسها و توبوسها و ذروموسها معاذ الألوسي ، سنحتاج لدندنة عود ، و حنجرة جبلية ، فمن لديه المواصفات أعلاه الالتحاق بنا .
وفي نهاية الليل، أهمس لجارتي السمينة:
“ليلة سعيدة…”
بعد أن أودِع لديها كازانتزاكي ليرقصا رقصة زوربا حتى الفجر.
اعلم أنها كلّها أمنيات من ورق؛
لكنّ الورق هو الوحيد الذي ما زال يصلح للنجاة




