شارا رشيد… الكتابة من جهة القلب/ إيمان البُستاني

ليس من السهل أن يفاجئك كتاب منذ صفحاته الأولى بلغته قبل موضوعه، لكن هذا ما حدث لي وأنا أقرأ مجموعة «شاعرة على هامش الطريق» للكاتبة والفنانة شارا رشيد. فالانطباع الأول لا يتجه إلى الحكايات وحدها، بل إلى اللغة نفسها؛ إلى تلك القدرة الهادئة على منح التفاصيل الصغيرة حياة أخرى، حتى يبدو السرد أحيانًا أقرب إلى لوحة مرسومة منه إلى قصة تُروى.
ربما يعود ذلك إلى أن شارا رشيد لا تدخل عالم الكتابة منفصلة عن تجربتها كفنانة. عين الرسامة تبقى حاضرة في نصوصها؛ فهي لا تكتفي برؤية الأشياء، بل تنظر إليها طويلًا، تلتقط ظلالها وروائحها وحضورها الخفي. عندها لا تكون التفاصيل زينة للنص، بل تصبح طريقًا للوصول إلى المعنى.
في هذه المجموعة نشعر أن الكاتبة تكتب من مكان قريب جدًا من الإنسان: من جهة القلب. لكنها ليست كتابة عاطفية سهلة أو غارقة في الحنين فقط، بل كتابة تعرف كيف تحول الإحساس إلى صورة، والذكرى إلى مشهد، والفقد إلى سؤال عن أثر الغياب في حياتنا اليومية.
ولعل أكثر ما يلفت النظر هو لغتها العربية. فالمهم ليس فقط أنها اختارت العربية أداة للتعبير، بل أنها استطاعت أن تمنحها إحساسًا خاصًا بها؛ لغة سليمة في بنائها، رقيقة في نبرتها، وقادرة على الوصول إلى القارئ دون استعراض. إنها لغة لا ترفع صوتها، لكنها تترك أثرها.
خلف هذه اللغة الهادئة تختبئ شخصية رقيقة، لكنها ليست هشة. إنها رقة تشبه الدانتيلا في جمالها، والحرير في متانته. فالنصوص تكشف حساسية عالية تجاه الإنسان والأمكنة والذكريات، لكنها تكشف أيضًا قدرة على مواجهة الأسئلة الصعبة، وعلى النظر إلى الألم بعين متأملة لا مستسلمة.
ومن أجمل ما في الكتاب تلك الوقفات التي تلامس تجربة الفقد. فالفقد لا يظهر فقط في لحظة الرحيل، بل يعود إلينا في التفاصيل التي تصبح ناقصة بعد غياب الأحبة. ولعل صورة المائدة التي يجتمع عليها الآخرون ويغيب عنها مكان شخص عزيز من أكثر الصور قدرة على استحضار معنى الغياب؛ فالمقعد الفارغ أحيانًا يقول ما لا تستطيع الكلمات قوله، و يصبح السؤال : ماذا سأفعل الان ؟ ظاهريًا سؤال بسيط، لكنه بعد الفقد يتحول إلى سؤال وجودي.
ليس المقصود: ما العمل الآن؟
بل: كيف تستمر الحياة بعدما انهار معناها؟
قرأت بدايةّ نص «الرغبات المتنازعة»، وأعجبني الصدق الذي تتحدث به عن تعدد ميولها بين الرسم والكتابة والغناء والعناية بالنباتات، من غير افتعال أو مبالغة. شعرت أن صوت الكاتبة حقيقي، لا يحاول أن يبدو عميقًا بالقوة.
أما نص «طار الحمام، حط الحمام» فقد شدني أكثر؛ لأنه يعتمد على ملاحظة يومية بسيطة (زوج حمام يبني عشًا في الشرفة) ثم يحولها تدريجيًا إلى تأمل في المشاركة والتعايش والقبول. هذا النوع من الكتابة يحتاج إلى حس مراقبة أكثر من حاجته إلى الأحداث.
وأعجبتني أيضًا افتتاحية «رائحة القرنفل»؛ ففي صفحات قليلة استطاعت أن تجعل رائحة القرنفل تختصر حضور الأم وغيابها. استخدام الرائحة بوصفها وعاءً للذاكرة من أجمل أدوات السرد عندما تُستخدم بهذا الهدوء
بعد قراءتي للبدايات، لا أشعر أن العزلة عندها هي عزلة خوف، بقدر ما هي عزلة اختيار وتأمل. هناك فرق بين من يهرب من العالم، ومن يبتعد خطوة ليراه بوضوح.
تدرك شارا رشيد أن الحزن الحقيقي لا يسكن لحظة الوداع فقط، بل يسكن الأشياء التي تستمر بعده: كوب القهوة الذي لم يعد له صاحبه، الحديث الذي ينتظر من يكمله، والمناسبات التي يعود إليها الجميع ويبقى فيها فراغ لا يُملأ.
أما عنوان المجموعة «شاعرة على هامش الطريق»، فقد يبدو للوهلة الأولى عنوانًا يحمل مسافة أو ابتعادًا، لكن يمكن قراءته بطريقة أخرى؛ فالهامش هنا ليس تهميشًا، بل موقع رؤية. إنها تقف إلى جانب الطريق لا لأنّها بعيدة عنه، بل لأنها ترى ما لا ينتبه إليه العابرون. تراقب التفاصيل الصغيرة، وتصغي للأصوات الخافتة، وتمنح الأشياء المنسية فرصة لأن تتكلم.
إن شارا رشيد لا تكتب عن العالم من خارجه، بل تنظر إليه بحنان من الداخل. ولهذا تبدو كتابتها قريبة من الرسم: كلاهما محاولة لحفظ لحظة قبل أن تمضي، ولمنح ما هو عابر شيئًا من الخلود.
في النهاية، ليست هذه المجموعة مجرد نصوص تجمعها الكاتبة بين دفتي كتاب، بل أثر لصوت يعرف أن الجمال لا يحتاج إلى ضجيج. إنها كتابة تأتي من جهة القلب، لكنها تصل إلى العقل أيضًا؛ كتابة هادئة في ظاهرها، عميقة في أثرها، مثل لوحة جميلة لا تنتهي من اكتشاف تفاصيلها .ة



