أدب الرحلات

مذكرات الكسندر زفوبودا البغدادي – إيمان البستاني

A vintage black and white photograph of a young man standing confidently with one hand in his pocket, wearing a formal suit consisting of a vest, shirt, and trousers.

مؤسس عائلة زفوبودا في العراق، أنطوان، تاجر البلور والكريستال البوهيمي، أرمني تشيكي الأصل، ساقه قدره وقدماه ليأتي من إمبراطورية النمسا مرورًا بإسطنبول ويستقر مدى الحياة في بغداد. وكلمة “زفوبودا” تعني بلغتهم “الحرية”.

تزوج أنطوان سنة 1825م من أوفيمي، سيدة أرمنية عراقية، وأنجب منها درزن أولاد: أربعة ذكور وسبع إناث. الابن الثاني، جوزيف ماثياس، والد الكسندر صاحب حكايتنا، عمل مترجمًا بين القناصل الأجانب، ثم سافر إلى الهند، واشتغل عند عودته كاتبًا على متن بواخر شركة “لنج” للملاحة النهرية. تزوج من إليزا جبرا مارين، أرملة أرمنية من البصرة، كان زوجها المتوفي وأولادها يملكون شركة تصدير تمور إلى الولايات الأمريكية باسم العائلة (“شركة مارين”).

كان لجوزيف هوايات غريبة ومتعددة، من صيد الأسود في أطراف بغداد إلى كتابة مذكرات استغرقت أربعين عامًا، وثق فيها كل تفصيل في الحياة البغدادية: أسماء شوارعها، وصف حماماتها ومقاهيها، ألبسة ساكنيها، طقوسهم، وصولًا إلى نهر دجلة وأسماء العاملين في شركة لنج وبضائعها والعملات النقدية المتداولة. حفظها كلها في 61 دفتراً بتجليد أحمر اللون، وانتهى بها الحال محفوظة في مكتبة المتحف الوطني العراقي ناقصة 21 دفتراً، بعد أن تنقلت بين الأيادي من قس كاثوليكي في بغداد إلى يد المؤرخ يعقوب سركيس، ثم جامعة الحكمة لتستقر أخيرًا في المتحف الوطني، لتصل إلى الحفيد الأخير، المعماري المعروف هنري زفوبودا.

  • مغادرته بغداد 

سافر الشاب الكسندر صباح 10 من نيسان 1897م بصحبة والديه والكرنل مكلر الباليوز الإنجليزي راكبين التختروان، تاركين بغداد ورائهم وسط توديع مؤثر بالدموع. وحسب توصيات أقربائه بالمواصلة، لم يكف الكسندر عن كتابة الرسائل القصيرة التطمينية لأقربائه في بغداد في كل محطة ينزل بها، وأحيانًا يزوّدهم بصوره الفوتوغرافية مرتديًا بدلته الإفرنجية حال خروجه من حمامات السوق في دمشق وبيروت والقاهرة.

اتخذوا طريق أبوغريب والفلوجة. يقول: “طمسنا في الطين أيامًا لهطول المطر الذي لازم بداية الرحلة، وكان البرد يقشعر له البدن ليلاً ونحن نيام في خيمنا نرتدي كل ما نحمل من ملابس”. أحيانًا يخرج عليهم الكرنل مكلر ليقول لهم: “زوجته ليس لها كيف!” لذا سيؤجل السفر ليوم تالٍ. وهذه الأخبار يعلق عليها الكسندر بأنها تحصر قلبه وتضّيق خلقه!

  • وصوله مدينة الرمادي 

عند وصولهم الرمادي، التي تكبر الفلوجة بخمس مرات، يقول: “خرجت الناس كلها تتفرج علينا، وصرنا فرجة!” أرسل القائمقام معهم ضابطية أي حرس لحمايتهم ليلاً ومرافقتهم إلى هيت، التي بدت لهم قرية على مرتفع جميلة، لكن ما إن تقترب حتى تلطمك رائحة القير المزعجة وعيون الماء المالح بالكبريت. وصلوا حديثة، التي بدت لهم بلدة صغيرة مبنية وسط الشط، في عانة خرج الناس لاستقبالهم بوجه ضاحك مبتسم وأصرّوا على السلام على الكرنل الإنجليزي.

  • وصوله  سوريا و لبنان

في 2 من آيار دخلوا دير الزور، وعليهم إجراء فحص طبي خوفًا من مرض الطاعون. كانت علاقة الكسندر بالأتراك (علاقة الزيت بالماء). حضر حكيم العسكرة التركي ومعه حكيمة لفحص النساء. قاموا أولًا بطرد الأولاد المتجمهرين ومرروا أيديهم فوقهم، وقالوا لهم: “اذهبوا، ما بيكم شيء!”، وعندما التفت إليهم رآهم يبتسمون،  قرر الكرنل أن يقيم في بستان البلدية، لأن رئيس البلدية عزمه، وقاموا برش الدرب بالماء ووقف العسكر على الجانبين وزينوا المكان. كان بستان عامرًا بالفواكه (زريف ! ) أي ظريف. 

بعد أن “ترهدنا” أي ارتحنا، يقول الكسندر: “اصطحبت والدتي إلى كنيسة الأرمن”، وهو ما حرص على زيارته في كل بلدة يصلها، وزيارة كنائسها والحديث مع مطرانها وشماسيها. أحيانًا يوصل لهم مكاتيب من أقرانهم في بغداد أو يأخذ منهم رسائل، ثم يعّرج على وصف المكان بالتفصيل.

آثار تدمر التي تحّير العقل حسب قوله، وأعمدتها العجيبة وهيكلها الفسيح، جذبت انتباهه، فقام بقياسها طولًا وعرضًا، وصعد الدرجات ونزل منها محسوبًا درجة درجة، ونقل نقوشها وكتاباتها، يرافقه الكرنل متلبكًا بصوره الفوتوغرافية. وحين أطال في تجواله، سلقته الشمس بحرارتها ليبحث عن مكان يستحم فيه. وجد عين ماء ترتادها الناس للاستحمام، ماء تدمر ليس مليحًا كما يقول، وبه طعم ملوحة مثل ماء بير.

استمر في سيره قاطعًا بلدات صغيرة وقرى متفرقة حتى دخل دمشق، ووجدها مفرحة تفتح الخاطر. أول مَعلم قابلهم كان “الخستخانة” وبناية “القشلة” على الترتيب الأوروبي، بعدها “باب توما”. جاؤوا إلى “جنينة” تسمى “دار الدرب”، يأتون إليها أوادم الشام مع نسائهم وبناتهم للانشراح والشرب والأكل. أُعجب الكرنل بالبستان وقرر أن يستريح فيه وسط الورد والجنبد. دمشق تمتاز بعمرانها وحسن هندستها ورونقها، ودواوين من مرمر مزينة بالشدروانات (النافورات). قصد سوق الحميدية الشهير لشراء صور تدمر والشام من الفوتوغرافية، وفيه من المغازات والبضائع ما تأخذ العقل والقلب والجيب أيضًا! تلتها زياراته للكنائس ولقاء قساوستها، ثم اختار التجول في جنينة الصفنية، وهي بستان ظريف، فيه النساء والرجال مختلطين يستمتعون بالتنزه، وحينها قال: “حسافة على عيشة بغداد، ما فيها أي حرية مثل أهل الشام ، استقلوا القطار باتجاه بعلبك اللبنانية، وتعجب من آثارها كما حصل له في تدمر. في بيروت نزلوا في فندق (هوتيل) ومنظر البحر وجوه العذب ينعش النفس. مكثوا فيها عدة أيام للتنزه وزيارة المدارس والأديرة، وكان الناس أنيقين على الدوام بهندام أفرنكة.

  • بإتجاه مصر 

تحركوا من ميناء بيروت إلى ميناء يافا، التي يصفها بالمزعجة لتعكر صحته بسبب دوار البحر. ما إن حطوا في ميناء بورسعيد حتى تعجب من منظر البنايات العالية والفنادق المبنية على الطراز الأوروبي، وزاد إعجابه حين وصل إلى القاهرة، وزار بستان الأزبكية وخصص نهارًا كاملًا لزيارة المتحف، وتعجب من رؤية المومياءات المصرية، ثم أخذه أحد الأصدقاء لزيارة الأهرامات وجامع المقطم. سيل المعارف والأصدقاء كان يجري بلا هوادة على الفندق الذي يقيم فيه مع والديه. لم ينسَ التسوق من محلاتها والتهيؤ للعبور إلى أوروبا.

  • بإتجاه اوربا 

بسبب دوار البحر الذي لازمه من الإسكندرية طوال رحلته إلى روما، أصابه النحول الشديد وعزف عن كتابة مذكراته عدة أيام. يقول على لسانه: “هذه الليلة في برينديزي، المدينة الساحلية في إيطاليا، نمت مليح لكن سكران من الضعف وقلت الأكل (يكتب قلة بتاء مفتوح مثل الأتراك)، ومن أول البارحة إلى الآن ما أكلت شيئًا قطعياً، ولزم أن أحضر أغراضي لتركان المركب، والبحر ملعون الذي صرت أكرهه مثل الشيطان، ومشي البر أحسن ألف مرة!”

يصف مدينة نابولي وروما وكنيسة مار بطرس وزيارته للفاتيكان ومرسيليا وجنوة بتفاصيل دقيقة، وملاحظات تشمل أبنيتها وحدائقها وطرق التنقل وناسها وأجواء الإقامة في فنادقها وتجواله في أسواقها وحضوره قداس كنائسها وحفلاتها الموسيقية الأوركسترالية، وبهجته عند مصادفته لأصدقاء البغدلة.

أمضى أكثر من أسبوع في باريس، مدينة النور، واصفًا إياها بالكثير من المتعة التي يضيفها أسلوبه في وصف الأمكنة والناس. ولا ينسى مقارنة أسعار الفنادق وخدماتها، ويحرص على إرسال التلغراف لأصدقائه في مدن عديدة، ويخص أقربائه بشراء الهدايا من مغازات باريس وشحنها في صناديق.

يوم 16 تموز، يقول: “صعدنا الترين (القطار) باتجاه لندن، ومعنا جنط وأغراض، وكثير عبرية معنا، أكثرهم إنكليز”.

تنتهي المذكرات هنا، بانتظار أن تصدر ترجمة مذكراته الإنجليزية، وهو عائد إلى بغداد التي يحبها أكثر من أي مكان في العالم حسب قوله.

ملاحظة : حرصتُ على نقل عباراته وبعض مفرداته بلهجته  لإضفاء الظرافة  حيث طغت اللهجة المحلية في كتابة المذكرات .

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading