رحلة جون سيمور شرقًا – إيمان البُستاني

هذا المقال ثمرة قراءة لكتابه باللغة الإنكليزية بعنوان The Hard Way To India للبريطاني جون سيمور الصادر سنة ١٩٥١
في كتابه الصادر عام 1951، يروي البريطاني (جون سيمور) مغامرته التي بدأت بفكرة تبدو ساذجة: إعلان سفر من لندن إلى الهند مقابل 48 جنيهًا فقط. لم يكن يدرك آنذاك أن الرحلة ستختبر جسده وصبره، وأنها ستكون قبل كل شيء رحلة في طبائع البشر لا في الخرائط.
انطلق سيمور بقطار الشرق السريع، مثقلاً بحقائب سرعان ما تحوّلت إلى عبء، عابرًا أوروبا الخارجة لتوّها من الحرب العالمية الثانية، من فرنسا التي أحب ناسها، إلى سويسرا التي رآها «الطبيعة الحقيقية»، ثم النمسا حيث تبدّلت العربات إلى مقاعد خشبية مكتظة.
في يوغسلافيا، الخارجة من الحرب بدمار كبير ، شاركوه الركاب خبزهم الأسود الوحيد الذي يملكونه، كرم المحتاج اكبر كرم ، كاد شغفه بالتصوير يدخله في تهمة التجسس ، حين حاول تصوير صورة تيتو العملاقة في محطة القطار و هي تهمة سترافقه كظلّ ثقيل طوال الرحلة. ومع ذلك، كان يتحوّل في القطار إلى مركز فضول ومرح، حتى التصقت به حكاية الرجل الذي يرمي نقود البلاد التي يغادرها من نافذة القطار.
عند عبوره الستار الحديدي، اشتدّ التوتر وكثرت الأسئلة، لكنه استعاد بعض الطمأنينة في اليونان وتركيا، حيث لمس كرمًا عفويًا ورغبة صادقة في الضيافة. مقاهي يظللها أوراق العنب تقدم الشاي للعابرين . في إسطنبول، المدينة التي لها قدم في آسيا و اخرى في اوربا ، شبهها بلندن المدينة الكبيرة ، زار حماماتها التركية ، تجول في متحف السراي القديم و مسجد السلطان احمد و قضى يوماً كاملاً على عبارة تجوب مضيق البوسفور .
من هناك، اتجه إلى المشرق العربي. لم تُغره بغداد، لا نهر دجلة «الطيني»، ولا حرّها الخانق، ولا شارع الرشيد المكتظ بالحمالين. لكنه وجد فيها بشرًا لا يُنسون: مدام ديزي، المرأة التي جمعت لغات وثقافات، وعبد العراقي الهارب من تعقيدات حياته، وأحاديث ليلية عن الشعر والسياسة والحلم القومي.
في بغداد، تعلم سيمور أن الرحلة لا تُقاس بالمسافة، بل بالناس الذين يقابلهم، والقصص التي يرويها كل وجه يمرّ به.
من بغداد إلى طهران، كانت الحافلة وسط الحجاج التي انطلقت من مدينة الكاظمية المقدسة بمثابة فصل جديد من امتحان الرحلة. كل تأجيل للسفر، كل تعطيل مؤقت بسبب تأخير اصدار التأشيرات كان يمنحه فرصة لاكتشاف تفاصيل الحياة اليومية، والانخراط في تفاصيل الناس العاديين. لم يعد مجرد مسافر غريب، بل مراقب حيّ، وأحيانًا مشارك غير متوقع في حياة من حوله.
في طهران، رفيق رحلته الدبلوماسي محمدي وعائلته، لم يتركه غريباً في بلده قدم له طعامه حين شح وجوده على طول الطريق ، دعاه إلى بيته في زيارة لتتحوّل الإقامة إلى تجربة إنسانية غنية: زوجة شابة مثقفة تتحدث الفرنسية، زوج يُتقن الإنجليزية، اصطحبه لمنتجع جبل شميرام . قصور بناها رضا شاه لاصدقائه كانت احدى تجارب سيمور المترفة حين دعاه فيها شقيق محمدي و من ثم صديق آخر ليجلسوا في شرفات تطل على حدائق غنّاء و سط مأدبة طعام فارسية فاخرة ،
طهران: مدينة حضرية، صلبة، سريعة الإيقاع لكن الجميع يجتمعون على خيطٍ واحد: الشعر ،الهوية ،الكرم ،الغيب والرفقة التي كوّنها خلال الرحلة كانت مختلطة ومعقدة: الجندي المتقاعد المدمن على الأفيون، وشقيقته ليلى، وماهيش المغامر متعدد الهويات. كل لقاء كان تجربة، وكل ابتسامة أو همسة حكاية تكشف جانبًا من إنسانية هذا الشرق الموجود للبعض فقط على الخرائط.
وكان الشعر هو الوسيط السحري. الايراني يعشق الشعر . حافظ والشعر الصوفي في الثقافة الإيرانية ليسا زينة، بل طريقة حياة:
يُتلى في المجالس، يُستخدم للاستخارة، يُستحضر في الوداع، يُستشار كقدرٍ مكتوب. هذا يمنح الرحلة طبقة روحية تسحب الكاتب إلى التأمل والإسهاب ، فال حافظ والفردوسي لم يكونا مجرد أسماء، بل لغة مشتركة بين المتعلم والأمي، بين صامت ومتحدث ، الشعر عندهم ليس فنًا نخبويا، بل لغة يومية، وبوصلة روحية، وميراثًا جمعيًا. يحفظون حافظ لأن شعره يجيب عن أسئلة القلب، لا أسئلة العقل فقط. يصمتون عندما يلقيه احد لأنهم يعتبرونه صوت الحكمة والقدر، لا مجرد أبيات تُتلى. وهذا يفسر ما قاله سيمور: الاحترام الذي يمنحونه للشعر لا يوجد حتى في موطنه. لا يخجلون من إظهار الدموع، الحزن، الشوق، والوداع. الوداع عندهم مراسم إنسانية طويلة، لأن العلاقات تُعاش لا تُمرّ بها. بكاء النساء على المسافر، النفخ لطرد الشر، التراتيل، الدعاء، الشعر…كلها تعبيرات عن محبةٍ طقسية، حيث الروح والميثولوجيا والدين تمتزج باليومي.
الإيراني قد يكون متعلّمًا ومهندسًا وفيلسوفًا، وفي الوقت نفسه يستشير الشعر للاستخارة، ويؤمن بالتعويذة، ويحب الملحمة، والأسطورة، والتاريخ، والرمز. هذا التعايش بين الروحاني والعقلاني متجذّر في ثقافتهم. الضيف عندهم ضيف القلب قبل أن يكون ضيف البيت. المأدبة ليست طعامًا فقط، بل احتفاء بالإنسان القادم من بعيد. إكرامهم للضيف قد يتجاوز إمكاناتهم أحيانًا، لكنه لا يتجاوز مفهومهم عن الكرم.
الإيراني كما أظهره لنا سيمور في رحلته معتز بهويته ولهذا أحبّوا الشاهنامة: لأنها ليست مجرد كتاب، بل مرآة الأمة. الفردوسي عندهم رمزٌ للغة الفارسية كما المتنبي رمزٌ للكبرياء العربي.
خلف الحميمية كان هناك دائمًا ظل الريبة: القلق من الحزب الشيوعي، مراقبة الجيش، تدخل الأمريكيين، خوف الحكومة من التقدم الروسي. الريبة كانت جزءًا من الحياة اليومية، لكنها لم تكن القوة الوحيدة؛ فالضيافة والبساطة، الابتسامة والهدية الصغيرة، كانت تكمل الرحلة وتوازنها.
القرى في جبال البرز كانت اختبارًا آخر: الحمّامات الكبريتية، طقوس الفودكا واللبن، تبادل اللقمة بين الجالسين. وداع ليلى ووالدتها لسيمور كان لحظة شديدة الخصوصية، مكثفة بالعاطفة، تُظهر كيف يمكن للرحلة أن تصنع صداقات قصيرة العمر لكنها لا تُنسى.
في كل مرة يواجه سيمور صعوبة، أو يُتهم بالجاسوسية، أو يُحبس مؤقتًا، كانت الصداقات الصغيرة، التدخلات البسيطة، والذكاء الشخصي لماهيش والجندي، تكفي للخروج من المأزق. الرحلة الحقيقية هنا ليست في المسافات، بل في العلاقة مع البشر، وفي قدرة القلب على الثقة والحذر في آن واحد.
أكثر ما يبقى في الذاكرة ليس الحرّ الشديد، ولا الطرق الموحلة، ولا الحافلات المزدحمة، بل الوجوه. وجوه محمدي وزوجته، الجندي، ليلى، ماهيش… وجوه تؤكد أن الشرق، مهما بدا غريبًا، يفتح ذراعيه لأولئك القادرين على الالتقاط بعين القلب، لا بالخرائط.
لم تكن الرحلة من لندن إلى الهند مجرد مسافة أو خرائط، بل كانت رحلة بين البشر، بين الضيافة والارتياب.
سيمور اكتشف أن الشرق لا يُقاس بالمسافات، بل بالوجوه والابتسامات، بالقصص الصغيرة التي تصنع صداقات مؤقتة لكنها عميقة، وبالطرق التي تفرض على الإنسان أن يراقب، أن يثق، وأن يتعلم كيف يكون حاضرًا بين الآخرين.
وفي هذا، تكمن قيمة الرحلة الحقيقية: أن يرى العالم بعين القلب، قبل عين الخرائط.
وهذا هو الأدب الحقيقي في كتابة الرحلات:
أن يتحوّل المكان إلى مشاعر قابلة للسرد،
وأن يتحوّل الحدث إلى دهشة قابلة للانتقال،
وأن يتحوّل الكاتب من مترجمٍ للكتاب إلى مترجمٍ للروح التي خلّفها فيه.



