السرد الأدبي

ذكرياتي مع طبيب الملك – إيمان البستاني 

رجل مسن يقف أمام باب مع قضبان حديدية، بينما يقف كلب صغير بجانبه.

بين ظلال شارع المتنبي وأصوات نهر دجلة، تنساب ذاكرة طفلة صغيرة بين يدي الطبيب العراقي الكبير صائب شوكت وبياض الفيلا الصامت. هذا النص رحلة عبر الزمان، حيث تختلط الطفولة بالتاريخ، وتصبح كل لمسة، كل تفصيلة ، وكل صمت جزءًا من قصّة أكبر. هنا، الطفلة هي القلب، والفيلا هي المرآة، والكلب “جيمي” مجرد مرافق صغير يفتح أبواب الحكاية… لكن كل السحر ينبع من عين الراوية، التي تحفظ الزمن بذاكرتها، وتجعل القارئ يرى العالم بعينيها.

كنتُ طفلةً بعمر ست سنوات، حين أصطحبني والدي إلى عيادة الدكتور صائب شوكت الذائع الصيت عند مدخل صيدلية كاكا في شارع الرشيد. كنت أشكو  يومها من مغص كلوي، عيادته في الطابق الاول من عمارة قديمة وسط شارع المتنبي وكان الوقت عصراً و قد تهيأ باعة الكتب والمكتبات للإغلاق، صعدنا الدرجات العتيقة المتربة واذا بي وسط باحة لغرفة الانتظار يديرها رجل أربعيني ذو كرش عظيم ، حان دورنا دخلنا غرفة الطبيب من باب طويل بشكل ملفت لو دخل منه الشيطان فلن يعاني شيئاً! و فجأة امامي كان هو واقفاً، قامة عراقية وقورة، ممشوقة رغم عقده السابع ، يرتدي قميصًا أبيض كثلج رأسه وبنطالًا رماديًا. يمشي ببطء، والمكان كله يخضع له بهدوءٍ لا يُرى، كأن الجدران تتنفس احترامًا.

الضوء ينزلق من النوافذ على الأثاث الصاجي اللماع والسقف عالي يحيط بمكتبه شيء من هيبة رجالات الزمن الملكي . رائحة المكان تقول: هنا التاريخ يعيش، وعلى المنضدة البيضاء علبة حديدية تحمل أدوات الجراحة، كنوز صغيرة، صامتة، جاهزة لكل شيء.

فحصني و كانت يده باردة شأن كل الاطباء ، و قال:

“ليس إلا بردًا عابرًا.”

تركني معلّقة على سرير الفحص، لا أستطيع النزول منه لولا الدكّة الخشبية الصغيرة التي أنقذتني. جلس مع والدي يتحدثان حديثًا لم أفهم منه كلمة؛ وكأن مرضي مجرد ذريعة لكي يتحدثا …اليوم، بعد أن كبرت، أظن أن حديثهما كان عن السياسة، لأن العراقيين – كما اكتشفت لاحقًا – لا يجتمع اثنان إلا وكانت السياسة ثالثهما.

وعيناي طوال الجلسة معلّقتان بالهاتف الأسود ذي القرص الثقيل مثل قدم فيل آسيوي ، كم تمنيت لو تركوني أدير القرص على راحتي!

في عطلة الصيف من تلك السنة  ، سألني والدي ان كنت ارغب بمرافقته لرؤية الطبيب ذاته في الفيلا التي يسكنها المطلة على نهر دجلة  في شارع ابو نؤاس، استقبلنا الطباخ الطيب له شارب كفرشاة نقّاش، وللأسف كان الطبيب مع عائلته قد غادروا قبل يوم إلى لندن لقضاء عطلتهم الصيفية ، كانت الزيارة لتسليم امانة للطبيب لكن الطباخ الأمين اخذ على عاتقه المهمة ، الفيلا بدت لي كانها قصر الأمير في حكاية سندريلا ، طابق ارضي فيه الحديقة الواسعة والكراج لسيارات كلها مغطاة دليل خروجها عن الخدمة لحين عودة صاحبها، الطابق الثاني فيه شرفة واسعة تكفي لحفل ضخم مزينة بأرجوحة و كراسي خيزران ، يطل المنظر على الحديقة الغناّء ، بينما والدي و الطباخ يتجاذبان الحديث عند الباب ، خرج علينا الكلب “جيمي”، أبيض الوبر ودود ، الوحيد الذي تبقى من العائلة ولم يسافر وهو بعهدة الطباخ لحين عودتهم ، بدا فرحاً يركض حول اقدامنا ، سمح لي الطباخ باللعب في الأرجوحة لحين اعداد الشاي ، من النوافذ بدت لي اثاث الغرف وكأنها متوفية و هي مغطاة بالشراشف البيضاء ، أخافني المنظر فهرولت نازلة إلى الحديقة يتبعني جيمي الذي لم يفهم تصرفي ، كان والدي والطباخ في المطبخ يشربان الشاي ، المطبخ واسع  بحجم ملعب مليء بثلاجات تشبه أفلام الخمسينيات، وصناديق الحليب الفارغة تحتل مكانًا، قلت لنفسي: طبيب، ماذا يشرب إلا الحليب! المواقد والأفران الكبيرة كأنها تحفظ عزائم حفلات قد أعدّت هنا في الماضي ضيوفها رجال ببدلات سموكن ونساء بفساتين ساتان و حرير مزينة جيدهم بألماس ولآلئ، الغرفة القريبة للمطبخ محل سكن الطباخ و عائلته مكيفة بمكيف هواء لم يعرفه العامة بعد،  بدت كقطار الدرجة الأولى، برودة تتنفس رفاهية غريبة، كل شيء هناك يتنفس حياةً الأفلام السينمائية .

مرت السنون ، و حين قرأت مذكرات الطبيب سندرسن باشا جاء فيها أمجاد الدكتور صائب، وعرفت أنه كان أول عميد لكلية الطب وأشرف على عملية الزائدة الدودية للملك فيصل الأول، تساءلت:

هل اليد التي لمست الملك يومًا… هي نفسها اليد التي فحصتني بذاك المغص الكلوي وأنا طفلة؟

وفي عقلي الصغير والراشد معًا، تبقى الذاكرة معادلةً غريبة: قانون الاستعاضة يحذف المتشابهات ؛ 

المعادلة الاولى ؛ الملك فيصل الاول و طبيبه صائب شوكت

 و المعادلة الثانية ؛ أنا تلك الطفلة الصغيرة و طبيبها صائب شوكت

لو  أخرجنا التشابه في ذكر  اسم الدكتور صائب شوكت من المعادلتين في كل طرف لبقينا أنا والملك فيصل الاول وجها لوجه !.

في كل ذكرى للدكتور صائب، اتذكر قامته الباسقة ، أسمع خطواته، أتذكر برودة يديه، والضوء المنكسر على أثاث مكتبه ، قرص الهاتف، الكلب “جيمي”، الأرجوحة والشراشف البيضاء المرعبة و الطفلة التي كنتها يوماً 

ملاحظة : الصورة المرفقة  في المقال مصدرها الانترنت و تظهر الدكتور صائب شوكت إلى جوار كلبهجيمي”. تمامًا كما رأيته طفلة، يقف الطبيب مهيباً كتاريخه ، والوفاء والود ظاهراً على الكلب، لتتحدالذاكرة مع الواقع في لحظة واحدة

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading