حين يصبح الوطن سؤالاً – شيماء السعداوي

ليست الغربة دائماً رحيلاً عبر الحدود
وأحياناً لا يحتاج المنفي إلى سفينة.
هناك نوع آخر من الغربة…
يتسلل بصمتٍ إلى القلب
بينما يظل الجسد واقفا ًفي المكان نفسه.
غربةٌ لا تغير العنوان
لكنها تغير الإحساس بالبيت
وتجعلك تتساءل: هل أنا الذي تغيرت …
أم أن الوطن لم يعد يعرفني كما كان؟
كم هو موجع أن يعيش الإنسان في قلب وطنه
ومع ذلك يشعر أنه يقف فيه كغريب.
يمشي في الطرق التي حفظت وقع خطواته منذ الطفولة
ويمر بالأشجار التي شهدت أحلامه الأولى
ثم يكتشف فجأة.في لحظة صامتة
أن شيئاً غير مرئي قد انكسر بينه وبين هذا المكان.
شيءٌ لا يُرى
لكن القلب يعرفه جيداً
يشبه الصمت المفاجئ
بين صديقين كانا يتحدثان بلا نهاية.
كيف يحدث هذا؟
كيف يتحول الوطن الذي كان يشبه الأم في دفئه
إلى مساحةٍ يتنفس فيها الإنسان بحذر؟
كيف يصبح الهواء الذي كان يملأ الصدر طمأنينة
هواءً ثقيلاً
كأن على الأنفاس أن تعتذر قبل أن تخرج؟
وأحياناً أسأل نفسي بصمت
هل أنا الذي تغيرت
أم أن وطني لم يعد يعرفني كما كان؟
كنت أظن أن الوطن يعرف أبناءه
كما تعرف الأم رائحة طفلها بين آلاف الأطفال.
لكنني اليوم أشعر
كأن وطني لم يعد يعرفني
لم يعد يشمّ رائحتي كما كنت أشمّ رائحته من بين كل الأوطان.
كنت أعرف رائحة ترابه المبلل بالمطر
وأميزها كما يميز العاشق رسالةً قديمة بين مئات الرسائل.
أما الآن…
فكأن المسافة بيني وبينه كبرت إلى حدٍّ غريب
حتى صرت أخشى أنني لو أغمضت عيني بين أوطان العالم
فلن أستطيع أن أميز رائحة ترابه كما كنت أفعل.
وكأن الأوطان حين تتعب طويلا ً
لا تعود تطرد أبناءها فقط…
بل تبدأ بهدوءٍ موجع
في الابتعاد عنهم.
فتنفرهم
وتغادر قلوبهم قليلاً قليلاً …
وتهجرهم قبل أن يضطروا هم
إلى هجرتها.
فمتى تغير كل ذلك؟
من الذي قاد هذه الأوطان إلى هذا التعب الطويل؟
من الذي زرع الشرخ بين الأرض وأهلها؟
حتى صرنا ننظر إلى حضن الوطن الذي كان واسعاً كالحلم
بشيءٍ من الحذر… وربما الخوف؟
أهي الأوطان التي تبدلت ملامحها؟
أم أن أيدٍ مرت عليها بصمت
نزعت عنها دفئها
وسلبت القدرة البسيطة والعظيمة
أن تحتضن أبناءها دون خوف؟
كيف تحول الحضن الذي كان يفتح ذراعيه بلا حساب
إلى حضن تحيط به الأشواك؟
ما الذي سُلب من هذه الأوطان حتى تغيرت هكذا؟
أهو العدل حين غاب؟
أم الكرامة حين أُهملت؟
أم تلك القلوب التي كان يفترض بها حراسة البيت الكبير فنامت طويلا ً… حتى دخلت الريح؟
وأيّ حزنٍ اشد من أن يشعر الإنسان بالغربة في بيته؟
أن يبحث عن الطمأنينة في المكان الذي كان من المفترض أن يمنحها دون سؤال.
ومع ذلك…
يبقى في القلب سؤال عنيد لا يشيخ
هل يأتي يوم تتذكر فيه الأوطان أبناءها كما كانت؟
هل يعود ذلك الحضن الذي كان يتسع للجميع بلا خوف .بلا شروط؟
أم أن الأوطان حين تُنزَع منها روحها
تتحول إلى خرائط فقط…
أما البيوت فتبقى معلقة في ذاكرة الذين أحبوها؟
لا أدري…
لكنني أعرف شيئاً واحداً
أن الغربة الحقيقية
ليست أن تغادر وطنك…
بل أن تبقى فيه
تمشي في شوارعه
وتحفظ أسماء أزقّته
وتتذكّر ضحكاتك القديمة فيه…
ثم تكتشف ببطءٍ موجع
أن الوطن لم يعد يعرفك
وأنك أنت أيضاً
لم تعد تعرفه.



