أفونسو كروش وسخرية الخيال في زمنٍ بلا شعر- إيمان البُستاني


في عمله القصير «هيّا نشترِ شاعراً»، يقدّم الكاتب البرتغالي أفونسو كروش رواية صغيرة الحجم، لكنها واسعة الفكرة، تجمع بين الفلسفة والسخرية، وبين بساطة الأسلوب وعمق الرؤية. إنها نوفيلا تنتمي إلى الأدب الفلسفي الساخر، حيث يتأمل كروش، بخفة ظلّ وذكاء، مأزق الإنسان المعاصر الذي حوّل كل شيء — حتى الجمال — إلى سلعةٍ قابلة للقياس.
وُلد كروش عام 1971 في فيغيرا دا فوز البرتغالية، ودرس الآداب والفنون الجميلة في لشبونة. هو فنان متعدد المواهب: كاتب، موسيقي، رسّام، ومخرج. عُرف بأعماله الغريبة في عناوينها ومضامينها، منها (الكتب التي التهمتوالدي) و (دمية كوكوشكا )الحائزة على جائزة الاتحاد الأوروبي للأدب عام 2012، و (الرسام تحت المجلى ) .
تقوم فكرة الرواية على مفارقة لافتة: عائلة ثرية تقرر شراء شاعر كما لو كان قطعة أثاث أو حيوانًا أليفًا، في عالمٍ بات الشعر فيه عديم القيمة. بهذا التصوّر الغرائبي، يفتح كروش باب التساؤل حول معنى الفنّ والخيال في زمنٍ يحكمه الاستهلاك والجدوى المادية.
اختياره لراويةٍ طفلةٍ ليس مصادفة. فالطفلة تمثل البراءة الأولى والدهشة الفطرية التي تفتقدها عيون الكبار. ومن خلالها يقدّم الكاتب منظورًا نقيًّا يرى الشاعر لا كسلعة، بل ككائنٍ يوقظ الحسّ الإنساني في عالمٍ باردٍ ومجرّد.
يتميّز كروش بأسلوبه “القياسي المليمتري” في الوصف، حيث يحوّل الأفعال اليومية إلى معادلات حسابية ساخرة:
«أكلت ثلاثين غراماً من السبانخ، واستهلك أبي عشرين غراماً من القوة عند باب المطبخ، حتى الحب عندنا يُقاس بالنسبة المئوية اخي مثلاً عاشق بنسبة سبعون بالمئة .»
بهذا المزج بين الطرافة والصرامة الحسابية، يكشف الكاتب عبثية عالمٍ يقيس الحياة بالأرقام، ويعرّي فقدان الإنسان لجوهره العاطفي والخيالي.
حين يدخل الشاعر إلى بيت العائلة، يبدأ في كتابة العبارات على الجدران، فتنشأ بينه وبين الفتاة رابطة خفية من الدهشة والتأمل، نافذة على البحر كتب هذا السطر على الجدار ، العائلة جميعها لم تر غير انه جدار لكن الفتاة رأته بحراً ، بمرور الايام تبدأ العائلة كلها في التغيّر دون وعيٍ منها. حتى عندما يقرّر الأب إرجاع الشاعر، يكون الخيال قد تسلّل إلى حياتهم وبدّلها إلى الأبد.
في نهاية المطاف، تبدو الرواية كأنها ومضة نقدية ساخرة أكثر من كونها سردًا تقليديًا. لغتها بسيطة، لكنها مشبعة بالشعر والفكر، وإيقاعها السريع يعكس عالمًا لا يتوقف للتأمل، عالمًا يُستهلك فيه كل شيء بسرعة — حتى الشعر والمشاعر.
ما يفعله كروش هو تذكيرنا بأن الخيال لا يُقاس، وأن الجمال لا يمكن أن يُختزل في معادلات، وأن الفنّ — رغم سخرية العالم — ما يزال آخر ما يربط الإنسان بإنسانيته.





