مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
قرأت لك

ما بين التكهن والعلامة في رواية اسم الوردة لأمبرتو إيكو- مروة أبو سمعان

A woman wearing a blue hijab, looking directly at the camera with a neutral expression. In the background, there are blurred elements suggesting an outdoor setting.

يقول إيكو في كتابه تأملات” لا يجب أن نتساءل أمام كتاب ماذا يقول ولكن ماذا يريد أن يقول، وهي فكرة كانت واضحة جدا عند مفسري الكتب المقدسة القديمة”، حقيقةً بعد أن يفرغ المرء من قراءة الرواية حتى تراوده كثير من الاستفسارات التي تحاول الربط بين عنوان الرواية و متنها، إذ لا علاقة واضحة أو ذات صلة تشير بطرفها إلى جزء من التأويل، فالمتن مكتنز بالكلام والحكم وأحداث جمة وقعت في الدير في سبعة أيام، ومع ذلك عنوان الرواية يوحي بطريقة مباشرة إلى البساطة والوداعة في آن واحد، فهل ترك إيكو للقراء من بعده مهمة التأويل اللانهائية و ذات الأوجه المتعددة؟ 

إن المتخصص في النقد الأدبي الحديث، يدرك تماماً أن العلامة الحداثية، كلما أوغلت في البحث عنها، تارة تمسك بطرف خيط وفي مرات يكون الرأي المقابل للرأي فيها، ربما ولم لا؟! 

إن  إيكو كما ذُكر في مقدمة الرواية و من خلال قراءتي لها أكثر من مرة، لم يترك التنظير في فن العلامة و عمارتها الهندسية…

يُحال أول استسفار لنا ما علاقة كل ما وَرد في الرواية مع اسمها،مع أن ما كُتب في المقدمة يثبت أن من هم قبلي  حاولوا استكشاف كنه هذا العنوان المثير للانتباه، فهو لا يوحي بالحداثة بشكل صارم ولا ينفي الصلة عن القدم بشيء، فهو اسم يصلح لكل زمان قد يمر أو مرّ. حاول النقاد فكّ التشفير عن هذه الإلفة في العنوان، بالتأويل  أن إيكو كتبها على غرار باسم الإله أو ما شابه، لكن القارئ لشخصية الكاتب يستنتج أنه لم يكن يسعى إلى مجدٍ ما بتناص مع الأيقونة الأولى لكل كتب الديانات السماوية وهي البسملة، و حتى من قال أن أدسو وهو أحد شخصيات الرواية الرئيسية حاول جاهداً معرفة اسم  الفتاة التي أُغرم بها ولم يفلح لانقطاع الصلة بينها لاختلاف اللغات وإن كان أدسو قد عرف أن لهجتها لاتنية أخرى، وفي ظني أن هذا تأويل ليس في محله، لأن أدسو سعى إلى إنقاذ الفتاة من المحرقة المعدودة لها وحتى اسمها لم يحاول معرفته وهو معها؟ فكيف لنا أن نطلق تسمية لاسم جاهز سلفاً، عدا عن ذلك لم يكن وجود الفتاة  في الرواية سوى إبراز لفكرة ما، حاول إيكو تسليط النظر عليها من خلال كثير من التمرحلات والتنظير.

إن العنوان الصادم، يترك فينا عدة احتمالات معقولة وغير معقولة معاً، ومجمل تأويلي متصل بمتن الكتاب، فلم تذكر لفظة الوردة سوى مرتين، الأولى في صفحة 335

“وحيث تصبح أحقر وردة تفسيراً لمسارنا الأرضي، بإيجاز” والمرة الثانية والأخيرة في صفحة 574

” كانت الوردة اسماً، ونحن لا نملك إلا الأسماء” وكانت هذه الجملة خاتمة الرواية أيضاً.. 

إن الوردة دون تحديد نوعها يعطينا شيء من الإيهام، لمعرفة ما هي؟ ما اسمها؟ ما فوائدها؟ كيف شكلها؟ فهل حاول إيكو إقناعنا بأن الوردة هي الوردة بمختلف أشكالها وألوانها؟ وما يُعتقد عنها! وأن ما يُطلق عليها من تسمية مختلفة في النهاية تدل على شيء واحد. فقد تم تأويل الوردة مرة أنها هي الكلمة واختلاف الطوائف الدينية،ومرة تشير إلى المكتبة وكتبها، و أخرى تدل على الحكمة التي يُجمع عليها القدماء وأهل عصرنا وما بعد هذا العصر! فإن كنت بصدد الإشارة أن الوردة هي الحقيقة حسب ما التقطته من جمل إشارية، منها” أرسطو تحدث عن النكتة والتورية كأداة لاكتشاف أكمل للحقيقة”، ” تستعمل الاستعارات لتبليغ الحقيقة”، “الضحك على أنه شيء طيب وأداة لمعرفة الحقيقة”،” لم أسمع قط في هذه الأيام …. ولا حتى إخواني الروحانيين، تحريك توبة حقيقية” 

“إن المكتبة شاهد على الحقيقة و على الخطأ”

” أين توجد الحقيقة”

” ينبغى على الحكماء أن يوضحوا مفاهيم تلك الحقيقة المختفية وراء أعمال البسطاء” ، ” أنت تعرف أن الحقيقة لا تظهر في يوميين”

” الحقيقة ستجعلكم أحرارا” ، ” هنا يقع التلميح إلى البسطاء و إلى الفلاحين،كأشخاص يحملون حقيقة مختلفة عن الحقيقة التي يحملها العلماء” 

” إذن ليست المكتبة  أداة لنشر الحقيقة بل لتأجيل ظهورها”، 

” وبدا لي غوليالمو لا تهمه كثيرا الحقيقة، التي ليست سوى التطابق بين الشيء والعقل”، فهل أراد إيكو الدلالة على أن الحقيقة الواحدة لها الكثير من الاعتبارات و الاستباقات والاسترجاعات؟ ولها الكثير من الاصطلاحات والمفاهيم حسب كل ثقافة مائزة عن أختها؟ هل الوردة التي قد تكون جورية عندنا لكن عند شعب آخر لها اسم آخر؟ هل سنختلف على الاسم ونترك الماهية والأصل؟ أم الاختلاف على الاسم يجعل المحتوى المختلف عينة للتفاضل؟ أم أراد بالاختلاف وحده يُصنع شيء ما، لكن الاسم باقِ وأزلي؟وإن حدث انتقال دلالي ومجازي؟ فقد قال تعالى “وعلّم آدم الأسماء كلها”.

يطلق إيكو في روايته علينا نحن المسلمون الكفار ونحن كذلك نطلق على غيرنا من غير المسلمين بالكفار، فأينا ملك الحقيقة وزمامها ومربطها؟؟

إن الدير كان فيه الكثير من الرهبان الذين كانوا أتباع طوائف متعددة، وقد حاول الدير جعلهم جميعاً على نهج واحد، والمتتبع لنهايات بعض الرهبان يجدهم  ولاء وبطانة لاعتقادهم الأول، رغم محاولة إخلاصهم لنظام الدير و تعاليمه.

إذن الوردة هي الوردة منذ القديم، وكذلك الحقيقة و إن كان فيها شيء من النسبية، لكن رؤيتنا الجديدة هي من تصنع منها عالم جديد و مرتكز على ماضيها، الجدير بالذكر أن إيكو وارتباطه بتاريخ القرون الوسطى، يؤثث معقولية ما تقدمت به.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading