لوحة (إيلين غوغان) الضائعة – إيمان البُستاني

في عام 1888، رسم بول غوغان لوحةً لوالدته إيلين غوغان، مستعينًا بذاكرةٍ لم تبرأ من الحنين والخذلان. كانت تلك المحاولة الأخيرة لترميم صلةٍ انكسرت منذ الطفولة، غير أنّها آلت — شأن معظم محاولاته الإنسانية — إلى الفقد. اختفت اللوحة كما اختفى كثير من أعماله بين أيدي الأقارب والأصدقاء، عدا اهدائه للعديد من لوحاته إلى صداقات عابرة دون ان يرّف له جفن ،لكن ضياع هذه اللوحة ظلّت بين طيّات ذاكرته علامةً على حزنٍ لم يبرأ منه قط.
تبدو الخلفية في اللوحة بلونٍ أصفر مائل إلى الخضرة، كما في الأيقونات الروسية التي طالما أثّرت في ذائقته البصرية. هذا اللون لا يكتفي بتأطير الوجه، بل يمنحه توهّجًا داخليًا يُبرز سواد شعرها الطويل الذي ينسدل على كتفيها بانحناءةٍ متعمّدة، تثبته عند العنق شريطة بنفسجية معقودة على هيئة زهرة يابانية. التفاصيل هنا ليست زينةً تشكيلية، بل مفاتيح رمزية: فاللون البنفسجي، لون التحوّل والحداد، يعكس علاقة الابن بالأم، بين الرغبة في الصفح والاعتراف بالعجز عنه.
عينان سوداوان واسعتان، تفيض فيهما ملامح الفضول والحياء والحزن — ثلاث صفاتٍ تماهت في ذاكرة غوغان مع معنى الأنوثة ذاته. أما بشرتها الفاتحة فتستعيد حيويتها كلّما استُحضرت في مخيّلته لحظة حضورٍ أو خجل، كما لو أنّه يرسمها لتتنفّس من جديد لا لتُخلَّد.
لكن وراء اللمسات الرقيقة تختبئ سيرةُ قسوةٍ عائلية لا تقل عن قسوة المنفى. لم يغفر لها غوغان أنها تركته طفلًا في مدرسةٍ دينية ليقاسي الانعزال تحت رعاية الرهبان، بينما هي، الأرملة الجميلة، رحلت إلى باريس لتصبح رفيقةَ رجلٍ ثري يهوى اقتناء اللوحات. هكذا تحوّلت الأم — في وعي الفنان — إلى صورةٍ مزدوجة: امرأةٍ حاضرة في اللون وغائبة في الحياة.
كانت قد قالت له يومًا: «ستنجح، لكنك ستبقى وحيدًا».
وقد تحققت النبوءة بأمانةٍ موجعة: عاش غوغان نجاحه في عزلةٍ كثيفة، كما لو أن كل ضربة فرشاة في أعماله كانت محاولةً مستميتة لملء الفراغ الذي تركته هي.





