العربية: حين تتنفّس اللغات روحها- عماد خالد رحمة – برلين
اليوم، لا يعود العالم يتلفّت إلى العربية بوصفها لغة قومٍ أو جغرافيا، بل يتنفّسها بوصفها لسان معنى، ومن نطق بها صار عربيَّ اللسان وإن اختلفت الأصول. فالعربية ليست هوية عِرق، بل هوية بيان، وليست انتماء دم، بل انتماء عقل وروح. إنها اللغة التي ربطت الأرض بالسماء، حين صارت وعاء الوحي، وجسراً بين الغيب والعقل، وحافظةً للتراث الإنساني والحضارة البشرية قروناً طويلة، ولا سيما في العصور الوسطى، حين كانت لغات العالم تستضيء بسراجها.
العربية ليست مجرّد أداة تواصل، بل كينونة حضارية مكتملة، وذاكرة أمم، ومستودع معنى، ولسان فكر وجمال. هي اللغة السامية الحيّة الوحيدة التي قاومت الفناء، وبقيت متوهّجة بالبيان، عصيّة على التآكل، قادرة على احتضان أدقّ المعاني وأعمق التجارب الإنسانية، بما تملكه من ثراء معجمي، ومرونة تركيبية، وطاقة دلالية لا تنضب. لغةٌ إذا نُطِقَت أشرقت، وإذا كُتِبَت أبهرت، وإذا قُرِئَت أنصت لها القلب قبل الأذن.
بلغ شرف العربية ذروته حين اصطفاها الله تعالى لغةً لكتابه الخالد، فقال:
﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾،
وقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾.
فغدت لغة الوحي، ولسان الهداية، ووعاء الإبانة، لا تُؤدّى الصلاة إلا بها، ولا يُتلى القرآن إلا من خلالها، فكان في ذلك سرّ خلودها وبقائها. ولم يكن هذا الاختيار اعتباطاً، بل شهادة بقدرتها الفريدة على حمل المعاني الكبرى، والتعبير عن أدقّ مقاصد العقل والروح. ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «تعلّموا العربية فإنها تثبّت العقل وتزيد في المروءة»، وقال الإمام الشافعي: «ينبغي لكل من قدر على تعلّم العربية أن يتعلّمها».
لقد كانت العربية، عبر قرون، لغة العلم والطب والهندسة والفلسفة والسياسة والآداب، وبها تُرجمت معارف الأمم، ومنها نهلت أوروبا علومها الأولى. وتأثّرت بها لغات كثيرة، واستعارت ألفاظها ومفاهيمها، لما امتلكته من قدرة مدهشة على الاشتقاق والتوليد والتجريد. ولم يكن عجباً أن يقول أبو الريحان البيروني: «لأن أُهجى بالعربية أحبّ إليّ من أن أُمدح بالفارسية»، أو أن تقف المستشرقة الألمانية زيفر هونكه مأخوذة بسحرها، أو أن يصفها رينان بأنها لغة بلغت الكمال دون طفولة ولا شيخوخة.
وحين نحتفي باليوم العالمي للغة العربية، فإننا لا نحتفل بلغةٍ فحسب، بل نحتفي بتاريخٍ من الفكر، وبقدرة الإنسان على إنتاج المعنى. فاللغة العربية ليست لغة الماضي، بل لغة الحاضر والمستقبل، قادرة على استيعاب العلوم الحديثة ومواكبة التحوّلات المعرفية، متى أُعيد لها اعتبارها في التعليم والإعلام والفكر. إنها شرط لسلامة العقل، ووضوح الرؤية، وعمق الفهم؛ فاللغة ليست زخرفاً لفظياً، بل أداة تفكير، ومن دونها يختلّ الميزان.
وقد عبّر حافظ إبراهيم عن مأساتها وكرامتها في آن، حين جعلها تنطق شاكِيةً، معتزّةً بنفسها:
أنا البحر في أحشائه الدرّ كامنٌ
فهل سألوا الغوّاص عن صدفاتي
وجاء أحمد شوقي ليجعل سرّ الجمال كلّه في حرف الضاد، رابطاً بين العرب ببيانٍ لا يختلف وإن اختلفت البلاد.
إن واجبنا تجاه العربية ليس عاطفة موسمية، بل مشروع حياة: أن نحيا بها، ونفكّر بها، ونكتب بها، ونصون حضورها في التعليم والفضاء العام، وأن نجعلها لغة العلم والعمل لا لغة المناسبات فقط. فالعربية ليست كلاماً يُقال، بل مصيراً يُصان، وهويةً تُحمى، وكرامةً لا يجوز التفريط بها.
وفي زمن التباس المعاني وضياع البوصلة، ستبقى العربية ملاذ العقل، وبيت الروح، وسيدة اللغات، ما بقي في هذه الأمة من يؤمن بأن اللغة ليست أصواتاً، بل حضارة، وليست ألفاظاً، بل حياة.






