العَقلُ والأَدبُ – أسامة عكاشة

ـــــــــــــــــــــــــ
إنما شَرُفَ ابنُ آدمَ بعقلٍ يَهديه، لا بصورةٍ تُغري، ولا بجسمٍ يُباهي، فالعقلُ تاجُ الخِلقة، وبه قِوامُ التمييز، وهو المِيزانُ الذي تُوزَن به الأفعال قبل أن تُسفِر عنها الجوارح. غير أنّ العقلَ إذا تُرِك سَدًى، لم يَزِد صاحبه إلا حيرة، ولم يُورِثه إلا اضطرابًا؛ إذ لا تمامَ له ولا كمالَ إلا بالأدب، فهو لباسُه الظاهر، وسمتُه الدالّ، وحُسنُه الذي يُرى وإن خفيَ الجوهر.
والأدبُ للعقلِ كالصقالةِ للجوهر؛ يُجلّي حدَّه، ويُهذّب طرفَه، ويكفُّه عن السَّفَه إذا جاش، ويَردّه إلى الوقار إذا ماض. فربَّ ذي ذهنٍ وقّادٍ أضلَّه سوءُ أدبه، فكان فطنًا مُفسِدًا، وعالمًا مُتَعَنّتًا، يَعرِف ولا يُنصِف، ويُدرِك ولا يَأْتَمِر. وربَّ ذي أدبٍ راسخٍ ألانَ حدَّ عقله، فصار حِلمُه عونًا على فِهمه، وتأدُّبه سببًا لرسوخ رأيه.
وليس الأدبُ زخرفَ قولٍ يُستعار، ولا طلاءَ لفظٍ يُستجدى، بل هو هيئةٌ في النفس، إذا استقرت قوَّمت، وإذا تمكّنت عدَّلت، وإذا حضرت أورثت صاحبها مهابةً بغير سلطان، وقبولًا بغير سؤال. به يُعرَف موضعُ الصمت من موضع الكلام، وحدُّ الشدّة من حدّ اللين، ومَفصلُ الرأي من مَغرز الهوى.
فإذا اجتمع العقلُ والأدبُ في امرئٍ، استوى له ميزانُه، واستقامت طريقته، وكان قوله إذا نطق حُجّة، وصمته إذا سكت فطنة. وأمّا عقلٌ عارٍ عن الأدب، فكسيفٍ صقيلٍ في يدِ سفيه؛ يقطع قبل أن يُحكِم، ويَجرح قبل أن يُقَدِّر، فيكون فسادُه أكثر من نفعه، وضررُه أسبق من خيره.
فالعقلُ زينةُ ابنِ آدمَ في باطنه، والأدبُ زينتُه في ظاهره، وبهما معًا يَكمُل الإنسان، ويَسمو عن دَرَك البهيميّة إلى أُفُق المروءة، ويُعرَف قدرُه عند المخاطبة، كما يُختَبَر معدنه عند المواقف.
وقد حَامَ حول هذا المعنى أبو جعفرٍ القرشي حيثُ قال :
“زينُ ابن آدمَ عقلُهُ
والعقلُ زينتُهُ الأدبْ”





