مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

قنواتنا العربية والإملاءات الدولية.. الدكتور عبد السلام فزازي – فاس

494676273 122128709552663125 5075877040673782751 n.jpg?stp=dst jpg s600x600 tt6& nc cat=107&ccb=1 7& nc sid=127cfc& nc ohc=LXScuL32gzwQ7kNvwHF vma& nc oc=Adl4K7Ew SkqmxQuEiohfb6yogHcQppc6lvagjbKJ7HzBxfjUDL8eZSKW3Toa4K OFY& nc zt=23& nc ht=scontent.fosm4 3

لا أحد ينكر اليوم أننا نعيش في زمن تحوّل فيه الإعلام إلى سلاح أشد فتكًا من الجيوش المدججة بأقوى الأسلحة الذكية وغير الذكية إن جاز هذا التعبير؛ ففي هذا العالم الذي لم يكن يخطر لنا يوما على بال أصبحت فيه قنواتنا العربية والإسلامية على حد سواء، جزءًا من معركة كبرى لا تخطر على بال أحد، تتجاوز الحدود الوطنية العادية والضيقة مقارنة مع باقي دول العالم، أجل، تحولت إلى فضاء واسع للمصالح الدولية، المصالح التي لها الكلمة الفصل في كل شيء، بحيث لا يمكن تجاوز سياسة المصالح الكبرى، وهي كما يعلم القاصي والداني تتحكم في رقاب كل من تسول له نفسه حاكما أو محكوما، تجاوز الخطوط الحمراء التي لا تظهر لنا علانية، لكن تظهر بالمقابل وبطرق املائية لمن بات يتحكم في دواليبها، مما يجعلنا نعيش في خضمها في دوامة لها ربما مداخل شتى إلا أن المخارج لا يمكن تصورها، لأنها باتت من ثامن المعجزات ليس إلا. فقنواتنا لم تعد مجرّد منصات لعرض الأخبار، أو تسلية الجماهير، أو حتى قنوات فرجوية من حق المواطن أن يتمتع بها، علما أننا كثيرا ما نحتاج الى التنفيس عن الذات المعتقلة في زمن أصبح الجميع يبحث عن الملاذ أنى حل وارتحل، ومع ذلك لا سبيل لتحقيق هذا الحلم الذي غدا بدوره مجرد أضغاث أحلام ليس إلا؛ وهكذا تحولت قنواتنا العربية إلى مجرد أدوات لفرض أجندات مفروضة عليها من الخارج، حيث يتشكل الرأي العام وفق ما تقتضيه مصالح قوى إقليمية ودولية، غالبًا ما تؤدي كل هذه الحيثيات والاملاءات إلى منطق يلغي أعز ما يطلب فينا ومنا، فتضيع منا الأحلام، ويا للغرابة غالبا ما تكون على حساب الحقيقة والاستقلالية، والاستشراف نحو أفق انتظاراتنا التي يحكم عليها العيش في غرف الانتظار التي لا حدود لها على الاطلاق.

وكما جرت العادة لدى الدول المتقدمة، كان من المفترض أن تكون قنواتنا الإعلامية صوت الشعوب وانعكاسا لواقعها المعيش، ناقلةً للهموم اليومية في زمن تجمدت فيه المطامح بشتى أنواعها وتلويناتها، بل وكان من المنتظر أن تكون مؤديةً لدور رقابي على السياسات العامة. إلا أن الواقع المحبوك الخسيس، كشف لنا ما لم يكن في الحسبان، حيث أصبحت هذه القنوات وبدون استثناء خاضعًة لضغوط متعددة، وقع لها ما وقع لإنسان ألقي به في اليم مكتوف اليدين، وقيل له: إياك أن تبتل بالماء: فلا هو يتمتع بسياسة اقتصادية حرة، ولا سياسية تخول له التحرر من القيود الخارجية، ولا هو أيضا يمكن التغني بتطلعات أمنية تجعله يتنفس خارج الاملاءات التي تشل فيه كل المطامح الإنسانية الحرة. والجميع يعلم، أن زمنا كزماننا هذا لا يمكن إلا أن يعلن استسلامه فتتحكم فيه الإملاءات الدولية، سواء عبر تمويلاتها المباشرة أو عبر اشتراطات خفية كما يفرضها علينا على سبيل المثال لا الحصر صندوق النقد الدولي، وهذه الحيثيات تعكسها لنا مضامين كثيرة تمرر إلى المشاهد العربي ونجوم في السماء تنظر ولا تسعف، ولعل كل هذه الوقائع كثيرا ما تكون السبب الحقيقي الذي يحرف مسار الرسالة الإعلامية عن أهدافها النبيلة.

وعود على بدء، لا يمكن لجاحد أن ينكر اليوم على أن الارتباط بالتمويل الخارجي، سواء من دول كبرى أو مؤسسات دولية، يجعل القنوات المغلوبة على أمرها، والمقيدة بالشروط التي وقعتها صاغرة أمام معادلة قاسية: إما الالتزام بالشروط المفروضة، أو فقدان الدعم المالي، فما بالكم بدول مربوطة اليدين والرجلين والتي لا يمكن لها أن تصعد الأنفاس زفرا.. فمساحات قنواتنا تحولت مكرهة الى مجرد تغطيات مسرحيات إعلامية، تُعرض فيها التفاهات المحلية الرديئة والقضايا الهامشية، وفي ذات الوقت تُغيب القضايا الحقيقية؛ ولعل التوجه إلى اغراق الشباب وغير الشباب في عالم كرة القدم صباح مساء، لدليل قاطع على واقع ترثيه السماء والأرض على حد سواء، واعتقادا من رؤساء هذه القنوات التي تدبر شؤونا ليست بشؤون حقيقية شعبية، يعملون على خلق أولويات وهمية لا تعكس حاجات المواطن العربي، بل تعبر عن مصالح ممولي القناة وشركائهم؛ وفي هذا الإطار، لو كانت المصداقية والديموقراطية ثابتتين في الأوطان العربية، وتم الاستفتاء، لكنا أمام أرقام ، تنتقد هذه القنوات التي ليست في الحقيقة قنوات جماهيرية بقدر ما هي قنوات مستأجرة من أجل تكميم الأفواه وزرع التخدير الجماهيري المطلق.

ومن بين الاملاءات وأساليب تمريرها، والمتعلقة بالأعلام، وهو مجال بحثنا في هذا المقال القابل لتطويره الى كتاب يستجيب لما حاولنا تدريسه لطلبتنا في سلك الدكتوراه، وأكاد أجزم أننا حاولنا تخصيص لهذا الموضوع وعبر سنوات عديدة. وما دام الشيء بالشيء يذكر، فإننا في ذات الموضوع، أطرنا أطارح جامعية تناولت جل تشعبات الاملاءات والأساليب التي عبرها مررت على المستوى الدولي متناولة الاعلام العربي، وجدير بنا ذكر بعض منها على سبيل المثال لا الحصر:

• سياسة خطيرة تتمثل في التوجيه التحريري، أو ما درسناه على اعتبار أن هناك خط تحريري تفرضه السياسات الدولية على القنوات والفضائيات العربية، ناهيك عن باقي أنواع وأشكال التواصل الاجتماعية المكتوبة والمرئية والسمعية، فما من هذه الوسائل إلا وتفرض عليها خطوط تحريرية معينة، تحدد ما يجب تسليط الضوء عليه، وما يجب تجاهله أو بالأحرى التعتيم عليه. وهو أضعف ما يمكن فرضه وتوجيهه، ولم يعد الأمر مستترا، بقدر ما أصبح معلنا بشكل مفضوح لا يحتاج إلى أي غطاء سياسي أو سياسوي.

•والى جانب فرض الخط والتوجيه التحريري، يفرضون أيضا لغة منتقاة بعناية معينة: تستجيب لواقع حال الإعلام العربي المكشوف، وذلك عبر إدخال مفاهيم ومصطلحات غريبة على الجسم الإعلامي الذي لم يكن في الأزمنة الماضية يهيمن بهذه الدرجة المتردية؛ وهكذا تحقق لهذه السياسة الإعلامية الدولية مبتغاها، ما دامت قد نفذت وتسربت إلى أعماق الإنسان العربي، فغيرت طريقة تفكير الجمهور (مثل مصطلحات “التطبيع الثقافي”، أو «الإصلاحات الاقتصادية”، وصناعة الإرهاب، والاسلاموفوبيا، الخ..).

•كما أن الأمر لا يقف فقط عند هذه التفاصيل التي غدت هي الأخرى جد عادية، ونحن نلوك تداولاتها المبتذلة في غياب وعي محتمل، بل الأمر أدى إلى نوع من صناعة الرموز من أجل تلميع بعض الشخصيات السياسية أو الثقافية، أو المتداول اجتماعيا وحضوريا في الواقع وكذا المواقع، محاولة منها واعتباريا على أنها تمثل بدائل مستقبلية التي تمثل أفق انتظاراتنا، ضاربة الشائع المبتذل الذي لم يعد يشفي الغليل الجماهيري، وهذا ما يعمل في الحقيقة على توجيه الرأي العام نحو خيارات مخططة مسبقا، وهكذا بالطبع يتم صناعة واقع مركب بشكل مدروس يستجيب لواقعها المضمر الخبيث. ولعل كل هذا ما يجعل الواقع الجديد والمخدوم بشكل جد متقن يطرح أكثر من سؤال ك:

•خلق شتى الأزمات الإعلامية التي عشناها إعلاميا في الحقب المتتالية، حيث عشنا جقا وحقيقة وبشكل فج، تضخيم أخبار مروعة بغية اشغال الجماهير بل الشعوب في العالم العربي والإسلامي على الخصوص بقضايا تافهة، في زمن قمة في التفاهة، حيث تم ابعاد هذه الجماهير عما هو مصيري واستدراكي بشكل لا يقبل التأخير، ما دام الواقع المرير أصبح يطل علينا من وراء الباب؛ ونذكر من بين هذه القضايا حصريا: العدالة الاجتماعية، أو السيادة الوطنية، وتقرير مصير الشعوب المغلوبة على أمرها. الخ.

ورب متسائل قد يتساءل، طارحا أسئلة غريبة ولو أن الغرابة منها براء؛ والحال أنها أصبحت واقعا لا محيد عنه: ترى في هذا التردي بالضبط، من يتحمل أو نحمله المسؤولية؟ وبعبارة أوضح، أصبح يحق لنا أن نقول علانية: من فعل هذا بجماجمنا يا عالم؟

إنها حقيقة لا يمكن تغافلها، تلك التي جعلتنا نعيش في حيرة من أمرنا نحن من ننتمي للعالم الثالث، وخصوصا نقصد في هذا المقام العالم العربي والإسلامي، ونحن ندرك فعلا أن الضغوط الدولية التي لا ترحم، غدت أشد قوة وفتكا بكل من يخرج عن الخطوط المرسومة له بكل الألوان لا باللون الأحمر فقط، ومع ذلك، يجب ألا ننكر على أن المسؤولية الكبرى تقع لا محالة على عاتق القائمين على هذه القنوات أنفسهم. والحال أن الخضوع السهل للإملاءات الدولية، تعكس وبمنطق لا يقبل كل التبريرات المحتملة، ضعفًا في الإرادة إن بقيت لنا معشر الجماهير والشعوب العربية إرادة تذكر، ولا أحد ينكر أننا نعيش هشاشة في كل شيء، سيما هشاشة في الرؤية، وصولا إلى نوع من التواطؤ المصلحيً المكشوفً، وفي هذا الاطار، ما علينا إلا أن تتبع أخبار بعض القنوات العربية الدولية التي لا يمكن لها تجاوز الخطوط المخصصة لها، ومع ذلك تبدو لبعض الجماهير أنها فعلا تتمتع بالحرية المطلقة، وهي الأخرى تحاول ايهامنا بهذا الواقع المفبرك داخليا، بينما تترك لنا المظاهر الخداعة نوعا من الاستغباء والاستحمار الدالين عليها. ومع الأسف الشديد، بتنا في خضم هذا الواقع الذي تبكيه البواكي، نتساءل بحرقة ما بعدها حرقة قائلين: ألم يكن من الأولى بهذه القنوات عامة والعربية خاصة أن تسعى إلى: خدمة نفسها بنفسها تمويليا يحمي استقلاليتها، واعتمادا على جماهيرها الداخلية التي بإمكانها تمويلها عبر الاشتراكات الذاتية، وصولا إلى تقوية وتعزيز كفاءتها المهنية، بغية تحقيق الجودة التي تمتلك مقوماتها بعيدا عن كل وصاية تذكر..

ورب قائل يقول: رغم هذه السياسية الدولية التي تزيد قنواتنا الإعلامية تأخرا وتعطيلا، هل هناك مخرج محتمل من هذه الدهاليز المظلمة التي باتت الدولة وكذا الجماهير والشعوب تنتظرها كانتظار غودو الذي قد يأتي ولا يأتي أو من منقذ كائنا من كان، رغم أن السيل بلغ الزبى؟

أكيد أن لكل المشاكل والضغوطات الخارجية والداخلية من خلاص، سيما إذا تم الاشتغال على استعادة القنوات العربية دورها الطبيعي، تلك التي تعد أصلا من منابر للشعوب لا بوابات للوصاية. فقط هذا لا يأتينا من فراغ، بل لابد من السعي إلى تحقيق مطلب حقيقي ومنطقي، يتطلب منا اعلاما وطنيا حقيقيا تماشيا مع الحكمة التي تقول: وما دجلة والفرات إلا قطرات ضمت إلى قطرات. وكذا السعي إلى توعية الجماهير العربية، اعتمادا على تقديم نقد واعي لا يمكن أن يكون سهل الابتلاع من قبل القوى الدولية التي لا تبحث إلا عن مصالحها الذاتية لا غير، والبحث حثيثا عن الدعم المخصص للمبادرات الإعلامية الحرة، وهذا يتأتى لها من خلال احتضان المشاريع الصغيرة التي تسعى إلى تقديم بدائل حقيقية ومستقلة.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading