مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

التلوث .. عندما يهدد السياحة✍️بنيامين يوخنا دانيال

صورة توضح تباين بين منطقة صناعية ملوثة مليئة بالدخان والمباني التي تعاني من التلوث، ومنطقة طبيعية خضراء هادئة تعكس بيئة صحية ونظيفة.

يأتي التلوث بأنواعه في مقدمة التهديدات و التحديات التي تواجهها صناعة السياحة و السفر في الوقت الراهن , بغض النظر عن مصدره و نوعه و أوجه انتشاره . و تعتبر القمامة بانواعها ( سكنية , صناعية , سياحية , الخ … ) من المصادر الرئيسية لهذا التلوث خصوصا في الدول التي تفتقر إلى إدارة فعالة في معالجتها و الحد من الآثار السلبية التي تتركها حتما على البيئة و المجتمع , و التي قد تلجأ فيها إلى وسائل و سبل بدائية و متخلفة في التخلص من هذه القمامة لتزيد الطين بلة , مثل طمر القمامة في الشواطئ ( كما كان يحدث في الأرجنتين قبل الانضمام إلى الاتفاقية الأمريكية لحماية السلاحف البحرية ) و الجزر ( مثلما يحدث في المالديف ) و أطراف الغابات ( كما يحدث في بعض البلدان الآسيوية ) التي قد تكون حساسة و هشة بيئيا , أو احراقها بالقرب من الفنادق و القرى السياحية , كما حدث في خليج مكادي و سهل حشيش و منطقة مجاويش جنوب الغردقة المصرية عام 2008 , الأمر الذي هدد باغلاق هذه الفنادق و القرى السياحية جراء عزوف العديد من السواح عن التوجه إلى هذه المناطق بسبب سحب الدخان السوداء التي صارت تغطي سماء المنطقة كل يوم , و ما صاحبها من غازات و أدخنة و أبخرة في غاية الخطورة على الصحة على الصحة العامة و صحة السياح على وجه الخصوص .

 أما في الجزائر فقد دفعت القمامة و مسببات التلوث الأخرى مثل ( الضباب الدخاني ) إلى قيام وزارة السياحة في العام 2012 إلى ادراج ( 188 ) شاطئا في ( 14 ) ولاية في قامة الشواطئ التي يحظر فيها السباحة فيها من قبل السواح و الزوار , منها ( 13 ) شاطئا في وهران وحدها و ( 17 ) في تلماس و ( 5 ) في تيزي ايزو . و ذلك لأسباب صحية . الأمر الذي انعكس سلبا على الرياضات المائية و الأنشطة السياحية المختلفة التي كانت تزاول على هذه الشواطئ . كذلك فعلت السلطات المعنية في تونس عام 2011 بالنسبة ل ( 13 % ) من الشواطئ المنتشرة في البلاد , مثل شاطئ رواد و شاطئ السواسي و جنوب شاطئ مليان .

 أما مدينة ( ديربان ) بجنوب أفريقيا المعروفة كمقصد سياحي ييم شطره السواح من مختلف بلدان العالم فقد تسبب ارتفاع كميات القمامة و الفضلات في عام 2008 , و سوء إدارة مياه الصرف الصحي في ( 4 ) من الشواطئ الموجودة فيها إلى جردها من الرايات الزرقاء الممنوحة إليها من قبل ( مؤسسة التعليم البيئي ) ( رسم ) في حينها بحسب التقرير المنشور في ( صحيفة ( صنداي تايمز ) , و ذلك : –

أولا : تردي مستوى نظافة و جودة المياه و تراجع مستوى الخدمات السياحية المقدمة في هذه الشواطئ .

ثانيا : ضعف إجراءات السلامة المطلوبة و المتعلقة بالفعاليات و الأنشطة السياحية .

ثالثا : عدم تطبيقها ضوابط و تعليمات الاستدامة البيئية . و هي جوانب حيوية و مهمة على نحو ملح , و تطرح بقوة في موضوع العلاقة التبادلية بين البيئة و السياحة في ظل تنامي الوعي البيئي لدى الناس بصورة عامة , و السواح على وجه الخصوص , و ادراك أصحاب القرارات السيادية في قطاع السياحة و السفر لأهمية هذه الجوانب , و ضرورة الأخذ بها من أجل الارتقاء بالمنتج السياحي و تنويعه و ايصاله إلى هؤلاء في مختلف الأسواق , و الدفع باتجاه التنمية السياحية المستدامة المطلوبة اليوم , و بما يحافظ على التوازن البيئي من جهة و مقومات السياحة من جهة ثانية و على قاعدة الاستدامة .

و يعتبر ( الضباب الدخاني ) من التحديات و المخاطر الكبيرة التي تهدد صحة الانسان و رفاهيته في الصين الآن , و التنمية السياحية المستدامة فيها على وجه الخصوص , كما هو الحال في ماليزيا و إندونيسيا و الهند و برونواي و سنغافورة و غيرها من الدول , و يتكون من ( ثاني أكسيد الكبريت و أكاسيد النيتروجين و الأوزون و الدخان و الجسيمات الأخرى ) , و ينجم عن تفاعل هذه الملوثات مع ضوء الشمس و الظروف الجوية . إذ تشير البيانات و الاحصائيات الوطنية إلى تأثير سلبي واضح للضباب الدخاني على قطاع السياحة الصيني من حيث عرقلته مسيرة التنمية السياحية المستدامة و التأثيرعلى حجم السياحة الوافدة إلى الوجهات السياحية الهامة الموزعة على خارطة السياحة الوطنية , و عدد الليالي الفندقية المقضية من قبل السياح و الإيرادات السياحية المحققة و مستوى التوظيف و غيرها . ناهيك عن تأثر نفسية السياح الداخلية و سلوكهم الخارجي سلبا ( السلوك البيئي للسواح ) , فتظهر عليهم علامات التوتر و القلق و عدم الارتياح و التشاؤم و فقدان الثقة بشركات السياحة و السفر المسؤولة عن برامجهم السياحية , مع التفكير في إيجاد وجهات سياحية بديلة تتمتع بجودة الهواء , كما يميلون إلى الانتقال من الحدائق العامة و المتنزهات التي يغطيها هذا الضباب إلى المسارح و الملاعب المغلقة و المتاحف و مراكز التسوق و الترفيه و البقاء في غرفهم بالفنادق هربا , و للتمتع بالهواء الجيد الذي توفره أجهزة التكييف , و هذا جانب مؤكد وفقا لعلم النفس البيئي و علم النفس الوقائي .

أما الضباب الدخاني في برونواي الناجم عن حرق الغابات في إندونيسيا فقد تسبب بتراجع حجم السياحة الوافدة إلى البلاد خلال الفترة من كانون الثاني 1995 و لغاية أيلول 1999 بنسبة ( 3,37 ) بالمائة , مع تسجيل خسائر في العائدات السياحية بلغت عدة ملايين من اليوان الصيني .

و لو أخذنا ( إسطنبول ) التركية أيضا لوجدنا تعرض آثارها التاريخية و الثقافية المهمة المكشوفة للتآكل الناجم عن الضباب الدخاني و التلوث الجوي الآخر الذي يبدو تأثيرهما واضحا على المواد النحاسية و البرونزية و الفولاذية الداخلة في تكوينها , و راحت تفقد جاذبيتها يوما بعد يوم , و تخسر أهميتها في وجهة سياحية مهمة , تمارس فيها أنواع السياحة الثقافية .

علما تعود البحوث الأولى الخاصة بعلاقة الضباب الدخاني وتلوث الهواء بالسياحة إلى فترة الثمانيات من القرن الماضي , و قد توسعت و تنامت على نحو ملحوظ منذ بداية القرن الحادي و العشرين , شاملة عدة علوم , و منها البيئة و السياحة و علم النفس و علم الاجتماع و الجغرافيا و الاقتصاد و الإدارة و غيرها .

ومن أنواع التلوث المؤثرة سلبا على السياحة ( تلوث المياه الساحلية ) , و يظهر ذلك جليا في المناطق الساحلية و الوجهات السياحية التي تكون البيئات البحرية البكر عامل جذب رئيسي بالنسبة للسياح , و بالنسبة لاصحاب القرارات السيادية أيضا ( المستثمرون ) . و في حالة اصابتها ب ( التلوث البحري ) بغض النظر عن مصادرة و أنواعه , فإن ذلك يعني تقليل الفرص الاقتصادية في قطاع السياحة و قطاع الصيد و بالنسبة للمجتمعات المحلية المستقبلة لأفواج السياح . ناهيك عن تأثر صورة تلك الوجهات السياحية سلبا , الأمر الذي يعني عزوف السياح عن زيارتها و البحث عن البدائل المناسبة بهدف تحقيق تجارب أفضل . وما أكثر الشواطئ الأوروبية التي تم غلقها على نحو مؤقت بسبب التلوث و تراجع جودة المياه وفقا للوكالة الأوروبية للبيئة . و من العوامل المؤثرة على اختيارات هؤلاء السياح : –

أولا : طول الشواطئ , و يفضل الطويلة منها لكثرة الفرص المتاحة فيها لمارسة الرياضات و الهوايات و الأنشطة الترفيهية .

ثانيا : المناظر الطبيعية التي تتمتع بها .

ثالثا : نوعية و مستوى المرافق و الخدمات المتوفرة فيها .

رابعا : جودة المياه مع الميل إلى تلك التي تتمتع بالجودة العالية .

خامسا : مستوى تلوثها و نوعه و فيما إذا كان مقبولا من عدمه .

و بعد اطلاعنا على بعض الجوانب في موضوع تأثر السياحة بالتلوث يجب الاشارة إلى الجانب الآخر المتعلق بمساهمات السياحة في التلوث البيئي أيضا بغياب قواعد و أسس الاستدامة البيئية المعروفة , مما يعني وجود علاقة تفاعلية و تبادلية بينهما تستوجب البحث و الدراسة على نحو دائم , و الأدبيات السياحية زاخرة بالكثير و الكثير من البحوث و الدراسات التي غطت الموضوع لأهميته بأكثر من اتجاه و لم تزل .

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading