شعر التانكا النسوي الياباني خلال فترة هييآن : مقدمة قصيرة و نماذج – بنيامين يوخنا دانيال

كان شعر التانكا الذي نشأ في اليابان قبل حوالي ( 1300 ) سنة ( 1 ) و المتألف غالبا من خمسة أسطر و ( 31 ) مقطعا لفظيا وفقا لنمط ( 5 – 7 – 5 – 7 – 7 ) ( 2 ) الشكل الشعري الأساسي السائد لدى النساء الأرستقراطيات و غيرهن في فترة ( هييآن ) بعد انبثاقه عن شعر ( الواكا ) الذي شملت أنواعه أيضا ( كاتاوتا و تشوكا و سيدوكا و بوسوكوسيكيكا ) , و هي الفترة المعروفة بعصر أرستقراطية البلاط ( 794 – 1184 م ) ( 3 ) الذي انحسر فيه التأثير الصيني المبكر شيئا فشيئا لصالح الطابع الياباني المبتكر على نحو بين , و ازدهرت فيها مختلف الفنون و الآداب , و الشعر على وجه الخصوص , و برزت فيه قصيدة التانكا كأهم المؤثرات في البلاط الملكي , و كوسيلة للتغزل و التواصل و تأدية المراسلات الشخصية , و حظيت بشعبية واسعة , و انتقلت بعدها من النبلاء و الطبقات المتعلمة إلى عامة الناس , لتصبح كتابة الشعر هواية وطنية تجاوزت الفوارق الطبقية , إذ وجد شعراء التانكا في البلاط الإمبراطوري , و بين عامة الشعب أيضا . كما نظم لها أكبر المسابقات المرموقة الرسمية ( أوتا أواسي ) و غير الرسمية ( إنشو أواسي ) من قبل أفراد العائلة المالكة و النبلاء ( كوجي ) و الكهنة الكبار , مع الحرص على تنمية و تطوير الذائقة الأدبية الراقية . علما كان الغرام و الابتهاج بلقاء الحبيب و نشوة الرومانسية السرية و أسى الهجران و عذاب الصدود من أكثر المواضيع شيوعا في هذا الشكل التقليدي من أشكال الشعر الياباني . و كان الهدف من اقامة مسابقات ال ( أوتا أواسي ) التي كانت حدثا أدبيا و اجتماعيا بارزا تشارك فيه النخبة هو تطوير الشعر من خلال التنافس و توثيقه , و قد أستمدت منها العديد من القصائد المدرجة ضمن المختارات الشعرية الإمبراطورية .
شهدت فترة ( هييآن ) ( نسبة إلى العاصمة الإمبراطورية لليابان آنذاك ) التي استمرت نحو 400 سنة تحولات ثقافية و اجتماعية و اقتصادية بينة بالمقارنة مع الفترات السابقة التي كان الأدب فيها حكرا على الرجال تقريبا , مما أتاح للنساء فرص التعبير عن أفكارهن و مشاعرهن بحرية أكبر من خلال الكتابة . و كان للمرأة في الفترة المذكورة الدور البارز و المحوري في تطوير شعر ( الواكا ) , و قد أنتجت خلالها بعضا من أروع و أبدع القصائد و أكثرها تأثيرا في الأدب الياباني , و ( التانكا ) على وجه الخصوص . علما يعود تاريخ ظهور شعر ( الواكا ) إلى القرن السابع الميلادي في أقل تقدير , و كان يعرف قديما باسم ( ياماتو أوتا ) الياباني المختلف عن ( كارا أوتا ) الصيني . و هناك قصائد واكا مشهورة للشاعرة الأميرة ( نوكادا نو أوكيمي ) ( حوالي 630 – 690 م ) زوجة الإمبراطور ( تيمو ) ( 631 – 686 م ) الذي حكم منذ عام 673 و حتى مماته . وهناك أيضا كتاب قديم جدا هو ( كوجيكي – سجل الأمور القديمة ) المنجز في عام 712 م , و قد ضم بين صفحاته قصائد ( جوداي كايو – الأغاني القديمة ) التي يعتقد بأنها قد مهدت لشعر الواكا . و يسود الأعتقاد بأن أول قصيدة واكا قد وردت في ( نيهون شوكي – سجلات اليابان ) الذي شهد النور في عام 720 ميلادية .
علما تأثرت اليابان القديمة بالصين على نحو كبير, و كان السائد فيها أن تكتب القصائد اليابانية التقليدية وفقا للأشكال الصينية الكلاسيكية المعروفة . و قد بذلت الجهود للكتابة باللغة اليابانية منذ زمن ( كوكجي ) , و يعتقد بأن كتاب ( كوكين واكاشو- القصائد اليابانية من العصور القديمة و الحديثة ) من فترة ( هييآن ) , و المعروف اختصارا ب ( كوكينشو ) قد نجح في تعزيز ال ( واكا ) كشكل متميز و فريد في الشعر الياباني . و يتضمن الكتاب مجموعة من أشعار الواكا من تأليف الإمبراطور ال ( 59 ) لليابان الشاعر ( أودا ) ( حكم بين 887 – 897 م ) الذي اهتم بالشعر و شغف به , و قد جمعت بأمر من ابنه الإمبراطور ( دايغو ) ( حكم بين 897 – 930 م ) في عام 905 ميلادية , و تحت إشراف الكاتب و شاعر التانكا الكبير ( كي نو تسورايوكي ) ( 872 – 945 م ) و بمشاركة ثلاثة شعراء أخر . و قد ترجمته إلى اللغة الإنكليزية و علقت عليه ( هيلين كريج ماكولوغ ) و تحت عنوان ( كوكين واكاشو : أول مختارات إمبراطورية للشعر الياباني ) الصادرعن مطبعة جامعة ستانفورد الأمريكية 1985 ( 4 ) .
و كان شعر ( التانكا ) بالنسبة للنسوة في فترة ( هييآن ) التي تعتبر العصر الذهبي للثقافة اليابانية الكلاسيكية الأداة الرئيسية للتعبير عن الحب و المشاعر و الأحاسيس و ألم الفراق ومغامراتهن العاطفية , و بلغة كتابية جديدة ( الهيراغانا ) , وكانت مهارة تأليفه ميزة من أهم الميزات لتكسب الفتاة الأفضلية في البلاط , و الفوز بقلوب الأمراء و الوجهاء و الأشراف . و كان من الضروري أن تكون قادرة على تأليف هذا الشعر الجميل و اختيار نوعية الورق و المداد و الرمز الأجمل و الأكثر ملائمة مثل غصين أو زهرة كرز ( ساكورا ) أو زهرة برقوق ( أومي ) آسرة ليرافقها . و يتميز هذا النوع من الشعر بإيجازه و عمقه العاطفي و صوره المؤثرة , و يقدم طريقة مباشرة و دقيقة في آن واحد لالتقاط اللحظات العابرة و التأملات العميقة أيضا و غيرها كثيرة .
و قد أنتج بعض أشهر و أروع قصائد التانكا اليابانية ( و تعني أغنية قصيرة أو قصيدة قصيرة باليابانية ) من قبل نساء يابانيات خالدات , عشن قبل قرون خلال تلك الفترة الزمنية التي ازدهرت فيه الثقافة بشكل واضح , و أعتبر بحق العصر الذهبي لشعر التانكا النسوي و غيره وفقا لمعظم النقاد و البحاث . و ليس هذا بغريب , فبراعة النساء اليابانيات في الشعر بينة منذ القدم ( سوتوريهيمي من القرن الخامس أو السادس الميلادي , نوكوتا من القرن السابع , و ناكاتومي نو إيراتسومي من حوالي أوائل القرن الثامن ) , و كانت حاضرة في كتاب ( كوجيكي ) ( سجلات الأمور القديمة ) الذي تم جمعه في عام 712 ميلادية , و أعتبر من أقدم الكتب المعروفة في اليابان , و أشعاره مكتوبة بلفظ ياباني باستخدام الأحرف الصينية . و كذلك في شعر البلاط من القرن التاسع إلى القرن الرابع عشر , و مرورا بعصر ( الهايكاي ) و ( الكانشي ) حتى القرن التاسع عشر , و صولا إلى العصر الحديث .
و منهن الشاعرة الكبيرة ( أونو نو كوماتشي ) ( حوالي 825 – 900 م ) التي لا يعرف الكثير عن حياتها التي ضاعت تفاصيلها في غياهب التاريخ و فقدت مع مرور الزمن . و قد وردت ( 18 ) قصيدة لها في مختارات ( كوكينشو – كوكين واكاشو – ديوان القديم و الحديث ) الإمبراطورية ( حوالي 905 م ) , و تعد وفقا للنقاد واحدة من أفضل ستة شعراء لهذا النوع من الشعر في زمنها . و كانت من سيدات البلاط , و قد خدمت في البلاط الإمبراطوري بالعاصمة ( هيان – كيو ) ( عاصمة السلام و السكينة – كيوتو حاليا ) التي كانت العاصمة الرسمية لليابان لأكثر من ألف عام ( 974 – 1868 م ) و تعرف اليوم بكونها العاصمة الثقافية و التاريخية للبلاد , وتضم ( 17 ) موقعا للتراث العالمي لليونسكو وغيرها من المعابد و المزارات التاريخية , و تعتبر مهدا للدراما اليابانية التقليدية ( نو و كابوكي ) .
و عرفت هذه الشاعرة بجمالها الأخاذ و الفتان و أعتبرت رمزا للجمال الأنثوي الذي امتزج بالخلود و الحزن . و تطغي على شعرها العاطفة الجياشة و الذاتية العميقة و بعض التعقيد , و بما يثير الشغف و البصيرة الفلسفية , فكانت بحق إسطورة في تاريخ الأدب الياباني الكلاسيكي , و الموضوع الرئيسي لخمس مسرحيات ( نو ) مشهورة ( 5 ) , و تمثل فيها عدة شخصيات رئيسية , و من بينها شخصية أسطورية أكثر من كونها تاريخية , فهي تمتلك القدرة على استعادة جمالها الآسر لايقاع الرجال في حبائل هواها , و لتستمر في احتقار عشاقها الكثر . و كان ظهورها في هذه المسرحيات في الغالب على هيئة روح ( يوغين ) أو شبح مرتبطان بجمالها و حكاياتها المشوقة العديدة . و من شعرها ( مترجم عن الإنكليزية ) ( 6 ) :



